ما غاب عن جواب السيد وزير العدل بشأن اقتراح تعديل في المادة 20 من قانون المسطرة الجنائيّة..
* الدكتور عبد الله شنفار
– المفارقة الصامتة بين مهمة “رئيس الدائرة” ومهمة ”الوالي” في هندسة الصفة الضبطية:
* أكتب للتوضيح نزولاً عند رغبة بعض الطلبة والباحثين والمهتمين؛ الذين يتابعون المناقشات المرافقة لإنتاج القواعد القانونيّة.
خلال الجلسة التشريعيّة المنعقدة يوم الثلاثاء 20 ماي 2025، وأثناء مناقشة مشروع قانون رقم 03.23 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائيّة، أثير اقتراح تمكين “رئيس الدائرة” من صفة ضابط للشرطة القضائية من طرف النائب البرلماني عن فريق الإتحاد الاشتراكي للقوات الشعبيّة.
غير أن جواب السيد وزير العدل جاء مقتضبًا: “هو تمت ترقيته، وأنا ماذا سأفعل له؟!”، هو ردّ ينم عن اختزال إداري في مقاربة إشكال قانوني ومفاهيمي دقيق، يتعلق بهندسة الصفات الضبطية داخل النسق القانوني المغربي.
فرئيس الدائرة ليس رتبة قائمة بذاتها، بل مهمة أو وظيفة يُكلف بها أحد رجال السلطة ممن يحملون رتبًا نظامية محددة، عادة ما تكون رتبة باشا أو باشا ممتاز أو قائد ممتاز. وهؤلاء يتمتعون، بحكم القانون، لا بحكم المهمة، بصفة ضابط الشرطة القضائية وفق ما تنص عليه مقتضيات المادة 20 من قانون المسطرة الجنائيّة، التي ورد فيها صراحة:
“يحمل صفة ضابط للشرطة القضائيّة: الباشوات والقواد…” بالتالي، فإن اقتراح إدراج “رئيس الدائرة” ضمن قائمة ضباط الشرطة القضائيّة ضمن تعديلات المادة 20؛ لا يستقيم قانونًا، لأنه ينطوي على خلط جوهري بين الرتبة والوظيفة. فالصلاحية الضبطية مستمدة من الرتبة القانونيّة، وليس من المهمة الإداريّة المؤقتة.
يقصد برجال السلطة وفقًا لمقتضيات الظهير الشريف رقم 1.08.67 الصادر في 31 يوليوز 2008، الذي وضع هيكلة جديدة لهذه الفئات من المجتمع المغربي، تُحدَّد هيئة في أربعة أطر وبشكل هرمي الفئات التالية:
هيئة رجال السلطة تضم أربعة أطر، موزعة على الدرجات التالية:
1. إطار العمال، ويضم درجة عامل ممتاز ودرجة عامل؛
2. إطار الباشوات، ويضم درجة باشا ممتاز ودرجة باشا؛
3. إطار القواد، ويضم درجة قائد ممتاز ودرجة قائد؛
4. إطار خلفاء القواد، ويضم درجة خليفة قائد ممتاز ودرجة خليفة قائد من الدرجة الأولى ودرجة خليفة قائد من الدرجة الثانية.
هذه الفئة باستثناء الخليفة الذي يتمتع بصفة عون شرطة قضائيّة، يتمتعون بصفة ضابط شرطة قضائية والامتياز القضائي طبقًا لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية.
وبالتالي لا وُجود لإشارة تهم فئة رئيس الدائرة حتى نقول بأنه يجب أن يتمتع بالصفة الضبطيّة. فقد يشغل مهمة رئيس دائرة إمّا حضرية أو قرويّة؛ ولكن برتبة باشا أو باشا ممتاز أو حتى درجة قائد ممتاز أو درجة قائد.
وبالتالي علينا التمييز بين التكليف بمهمة والصفة والرتبة.
ولعل ما يعمّق هذا الخلط، ويكشف عن ارتباك وإزعاج فكري مفاهيمي في النصوص التشريعيّة المغربية، هو المقارنة مع المادة 28 من نفس القانون، التي تمنح مهمة “الوالي” صلاحيات ضبطية استثنائية في حالات محددة: “يجوز للوالي أو العامل، في حالة الاستعجال، عند ارتكاب جرائم تمس أمن الدولة الداخلي أو الخارجي، أن يقوم شخصيًا بالإجراءات الضرورية…”
وهنا تبرز المفارقة الصامتة: فالوالي ليس رتبة نظاميهّة في هيكلة فئات رجال السلطة، بل مجرد مهمة وظيفيّة ساميّة يُكلف بها من يحمل رتبة عامل أو عامل ممتاز. ومع ذلك، فقد منحه المشرّع صلاحيات مباشرة لممارسة مهام الشرطة القضائيّة، بل للقيام شخصيًا بإجراءات التثبت من وقوع جرائم، على أن يُشعر النيابة العامة بذلك خلال أجل 24 ساعة.
هذه المفارقة تفتح الباب لتساؤلات جوهريّة:
* كيف تُسند لمجرد مهمة إدارية –كـ”الوالي”– صلاحيات ضبطية استثنائية، بينما يُثار جدل حول “رئيس الدائرة” الذي يشغله قانونيًا باشا أو قائد ممتاز؟
* كيف يمكن لمهمة وظيفية أن تنتج أثرا قانونيًا ضبطيا أقوى من رتبة نظامية معترف بها بموجب القانون؟
هذا التناقض لا يكشف فقط خللًا في تمثّل الصفة الضبطية داخل النصوص، بل يبرز أزمة أعمق في هندسة التشريع نفسه. إذ يبدو أن التشريع المغربي في بعض مواضعه لا يُراعي بصرامة التمايز بين:
1. الرتبة النظامية (المنصوص عليها في الظهير 1.08.67)،
2. والمهمة الوظيفيّة (التي تكون عرضيّة أو تكليفيّة)،
3. والصفة القانونيّة (التي تخوّل لصاحبها ممارسة صلاحيات ضابط الشرطة القضائيّة).
ومن هنا، فإن ما غاب عن جواب السيد وزير العدل يتجاوز المقاربة الإدارية الإجرائية، ليطرح الحاجة إلى ضرورة:
1. تحيين وتدقيق الصياغات القانونيّة بما يُراعي التراتبيّة الإداريّة والمفاهيم القانونيّة والقضائيّة؛
2. التمييز بوضوح بين الوظيفة والصفة، وبين الرتبة والمهمة؛
3. مراجعة النصوص التي تمنح صلاحيات كبرى لمهام مؤقتة دون سند من الرتبة القانونيّة؛
4. إعداد دليل مفاهيمي مرفق بالتشريعات، يُحدد طبيعة الصفة القانونيّة بدقة ويحدد ماذا يراد في مفهوم هذا القانون (بكذا وكذا…) ويمنع التأويلات الإداريّة الفضفاضة.
في المحصلة، فإن التشريع في مجال الشرطة القضائيّة لا يمكن أن يُبنى على الواقع الإداري المتغير، بل على الرتب القانونيّة الثابتة. ومن تمّة، فالمادة 20 لا تحتاج إلى تعديل بقدر ما تحتاج النقاشات البرلمانيّة حولها إلى استيعاب فلسفة الصياغة القانونيّة وضبط المفاهيم.
* والخلاصة:
إن الصفة الضبطية” ليست هبة يمنحها الوزير ولا ميزة تُستجدى في النصوص، بل هي وظيفة قانونيّة تُستمد من الرتبة وتُمارَس تحت سقف الشرعيّة؛ وإلا تحوّل جهاز الضبط إلى مسرح للتأويل والتداخل وفوضى السلطة.





