بين وحدة الظاهر وتشتّت الباطن: قراءة تركيبيّة في ضوء الآية الكريمة: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ}

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

الدُّكتور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار
الكاتب والمفكر المغربي المتخصص في العلوم السياسية والإدارية وتحليل السياسات العامة والعمومية والقطاعية.

 

 

في خضم التحولات القيميّة المتسارعة التي تعرفها المجتمعات المعاصرة، أصبح من اللافت أن العلاقات الجماعيّة، مهما بدت متماسكة ظاهريًا، كثيرًا ما تُخفي بباطنها هشاشةً داخليّة تُنذر بانهيار صامت.
وقد عبّر القرآن الكريم، عن هذه المفارقة بلغة مكثفة ودالّة، في قوله تعالى: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ.) [الحشر: 14].
هذه الآية تقدم لنا مفتاحًا تأمليًا لفهم طبيعة العلاقات الإنسانيّة حين تفتقد إلى البنية العقليّة والأخلاقيّة الجامعة، رغم ما يبدو من تماسك خارجي.
وانطلاقًا من هذه المفارقة، تسعى هذه الورقة إلى تحليل بنية المآلات الانقساميّة الداخلية للكيانات الاجتماعيّة، وتفكيك مظاهر التشتت القلبي والوجداني، مستندةً إلى بعد قرآني، وتأويل سوسيولوجي معاصر.
1. أولًا: وهم الوحدة في المجتمعات المتصدّعة:
تشير الآية الكريمة إلى ظاهرة شديدة التكرار في مختلف السياقات السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة: مظهر الوحدة وتجاور الأجساد، الذي يقابله تباعد في الوجدان والقلوب، وتناقض في النوايا، وتشتّت في الغايات. ف”تحسبهم جميعًا” توحي بنوع من الانسجام الخارجي الظاهر، أو التناغم الموهوم، لكن في الحقيقة أن ما يجمعهم لا يتجاوز قشور وسطح الانتماء، دون جذور وجدانيّة أو قيميّة متينة.
هذا النمط من الجماعة المتفككة من الداخل يُلاحَظ في كثير من المنظمات والأحزاب والنقابات والمؤسسات والمجتمعات، حيث تُهيمن الاعتبارات الشكليّة والبيروقراطيّة، وتغيب الروابط الحقيقيّة القائمة على التعاطف والتضامن والتكامل والتآزر والتعايش.
فهل يكفي التقارب الفيزيائي لبناء مشروع جماعي حقيقي؟ وهل التجمّع الإداري أو السياسي أو حتى الديني، كافٍ لخلق وحدة مصيريّة أو وِجدانيّة وروحيّة؟
2. ثانيًا: العقل في المفهوم القرآني: من الأداة إلى البنية
ينبّه النص القرآني في الآية ذاتها إلى أن هذا التشتت لا يُعزى إلى اختلاف الآراء أو تضارب المصالح فقط، بل إلى غياب العقل: (ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ). ومعناه؛ إنها مجتمعات لا تتمتع بدرجة عاليّة وكافيّة من العقلانيّة، وبالتالي تنعدم فيها الفاعليّة.
وهنا يبرز بُعد قرآني جوهري، يخرج بالعقل من مجرّد الأداة المنطقيّة أو القدرة الإدراكيّة، إلى اعتباره جهازًا معنويًا وأخلاقيًا يُؤسس للتماسك والرشاد الجمعي؛ في تساؤلٍ إنكاري تعجبي واستغرابي؛ يقول عزّ وجل في نفس الاتجاه: (أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ) سورة هود الآية (78).
فالتعقل والعقلانيّة في السياق العام القرآني ليست نقيضاً للجهل المركّب فحسب، بل هو ضد الشتات وضد النفاق وضد فقدان البوصلة الأخلاقيّة.
من هذا المنطلق، فإن غياب العقل يُنتج كيانات اجتماعيّة شكليّة، تنهار عند أول اختبار للقيّم، سواء في لحظة الصراع أو لحظة الحاجة، حين تنكشف نوايا التخلّي، وتغيب روح المسئوليّة المشتركة.
3. ثالثًا: أشكال الشتات القلبي وتجلياته:
يتجلّى تشتت القلوب وانعدام وحدة الوِجدان في الحياة اليوميّة بطرق متعدّدة، لا تقتصر على الخصام أو العداوة الظاهرة، بل تمتد إلى مظاهر أكثر خفاءً؛ منها:
­ ما هو في بيئة العمل، ويتجلى الشتات حين يغيب التعاون الفعلي رغم الاجتماعات اليوميّة.
­ وما هو في الأسرة، يظهر حين تسود المجاملات بدل الصراحة، ويختفي الشعور بالأمان رغم القرب الجسدي.
­ وفي الجماعات الفكريّة والسياسيّة والنقابيّة، حيث يتجسد في تقديم الولاءات الظرفيّة على المبادئ الأصيلة.
­ وفي المجتمعات، حيث يُقاس الشتات بدرجة الأنانيّة الاجتماعيّة، وغياب أي مشروع جماعي مشترك حقيقي.
فهل يُعقل أن يكون التجمّع الجغرافي والمادي كافيًا لوحده من أجل تعريف وتحديد مفهوم الجماعة؟ وهل يمكن للمؤسسات أن تنجح إذا ما بنيت على التنافر المقنّع والمصالح المؤقتة؟ وما الفرق الجوهري بين “اجْمَاعَه” كتنظيم و”اجْمَاعَه” كقيمة؟
4. رابعًا: من التفكك البنيوي إلى الحاجة لإعادة بناء الوعي الجماعي:
أحد أبرز انعكاسات هذه الآية، أن وحدة القلوب ليست فقط مطلبًا أخلاقيًا أو وجدانياً وروحيًا، بل هي شرط بنيوي لنجاح أي مشروع جماعي، سواء كان اجتماعياً أو سياسيًا أو اقتصاديًا أو ثقافيًا بيئيًا.
فإذا انطلقت شبكة العلاقات الاجتماعيّة والسياسيّة والحزبيّة والنقابيّة والاقتصاديّة والثقافيّة، من المصالح الضيقة، وغابت عنها عناصر الثقة والصدق والنِّيَّه، فإن النتيجة الحتمية هي التفكك والانهيار، ولو بدا الظاهر مستقرًا.
وهنا تُطرح الحاجة الملحّة إلى تجديد مفهوم العقل الجمعي؛ ليس باعتباره معطى تلقائيًا، بل كمهارة تُبنى من خلال التربية على الإنصات وحسن الإصغاء، والمصارحة، وتعلّم العيش المشترك، وتثمين التنوع بدل توظيفه للصراع.
5. خامسًا: الانتماء الزائف والهوية الخادعة:
تنبّه الآية، ضمنيًا، إلى إشكالية أخرى ترتبط بمفاهيم الانتماء الزائف. فكم من اجْمَاعَه تدّعي الوحدة باسم العقيدة أو الوطن أو اللغة، بينما أفرادها لا يشتركون في أيّ تصور متكامل للعدل والقسط، أو للكرامة الوجوديّة الإنسانيّة، أو للحق؟
وهل يمكن أن نبني أوطانًا حقيقية دون قلوب متضامنة، وعقول متعقلة، وضمائر يقظة؟
هنا يتجاوز التأمل البعد الديني، ليُلامس خط التماس مع عمق الأزمة التي يعيشها العالم: أزمة ثقة وأزمة معنى وأزمة عقل.
وهل الوحدة الحقيقيّة تبدأ من الخارج أم من الداخل؟ هل من الواجهة أم من النِّيَّه وصفاء السريرة؟ من التجمهر أم من التراحم؟
إن مجتمعات القلوب المشتتة مهما بلغت قوتها العسكريّة أو الاقتصاديّة، ستظل معرضة للتفكك، ما لم تتأسّس على قيّم حقيقيّة، تحترم الإنسان وتربط الفرد بالجماعة برابط المعنى لا فقط المصلحة.
6. والخلاصة العامة المركّبة:
في ضوء كل ما سبق، لا تعود الآية: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى؛ ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ)؛ مجرد وصف لحالة طارئة وعابرةً، بل تصبح إطارًا تحليليًا لفهم أزمة شبكة العلاقات في مجتمعاتنا المعاصرة.
الآية الكريمة؛ تعكس بعمق واقعاً مأساوياً: حينما يتوحد الناس ظاهرياً لكن قلوبهم متفرقة، مما يجعلهم عرضة للانقسامات والصراعات الداخليّة، وهو أمر يُرى كثيراً في أوقات الحروب والاضطرابات.
إنها دعوة لإعادة بناء المشترك من القيّم على أسس من التعقّل والصدق والرؤية المشتركة لبناء التعايش. فما قيمة الوحدة إذا كانت قشرة تخفي انفصالًا داخليًا؟ وما معنى الجماعة إذا لم تكن مبنية على عقل أخلاقي، قادر على مواجهة التحديات بالقلب والعقل معًا؟
إن إعادة الاعتبار للعقل في معناه القرآني وللقلب في بعده الإنساني والوِجداني، هي المقدمة والخطوة الأولى نحو مجتمع أكثر صدقًا وتماسكًا واستدامة. حينها ندرك معنى ضمان الوجود والأمن والاستقرار والاستمرار والتنمية والعمران في مفهوم: اجْمَاعَه – الدولة.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...