بين نرجسية ما بعد التقاعد ووهم البطولة: حين يصمتون دهراً ثم ينطقون ضجيجاً..

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

الدكتور عبد الله شنفار

 

 

 

ما قَالُوا: «لَآءْ» قطُّ إلاّ في تَشهُّدِهِم؛ ولوْلا التّشهُّدُ لكانت حتى لاؤُهم نَعَمُ: حين يصمتون دهراً ثم ينطقون ضجيجاً.
في كثير من المجتمعات والمؤسسات، ثمة ظاهرة تثير الانتباه وتستحق التفكيك: وجود أشخاص قضوا حياتهم الوظيفيّة في صمت مطبق، أو في أقصى الحالات، ممارسة الانقياد الكامل والطاعة العمياء لمنظومة القرار؛ ثم ما إن يُحالوا على التقاعد حتى ينقلب حالهم، ويعلو صوتهم، ويدّعون امتلاك الطبعة الأصليّة للحقيقة الكاملة حول خبايا وأسرار المؤسسة التي احتضنتهم دهراً.
من المشروع أن نتساءل: هل كان هؤلاء يمتلكون فعلاً تلك الأسرار والحقائق؟ أم أن غيابهم الطويل عن مراكز الفعل، جعلهم يتوهمون أنهم كانوا في صلب صنع القرار، بينما كانوا، في الواقع، على هامشه؟ وهل يكون الضجيج اللاحق تعويضًا عن سنوات من الغياب أو خيبة التقدير؟ أم أنه مجرد صرخة متأخرة بحثًا عن اعتراف مفقود؟
في هذا السياق العام، يظهر نمط نفسي مثير للشفقة: نرجسية ما بعد التقاعد. إنها نرجسية تنتفخ بعد انطفاء الوظيفة، فتتحول الحاجة للاعتراف والظهور إلى وقودٍ يحرّك خطابًا مليئًا بالمرارة، لا بالنقد البناء. فمن أين ينبع هذا الخطاب؟ وهل هو فعل مقاومة حقيقية؟ أم مجرد محاولة متأخرة لإعادة تموقع رمزي؟ ثم، بأي حقّ يتحوّل من ظلّ في أدنى مراتب الهرم الإداري إلى واعظ في القيّم، وناقد للسياسات العامة والعموميّة والقطاعيّة في الدولة؟ بل وشاهد على ما كان يحدث خلف الكواليس؟
البيروقراطيّة الحديثة، كما هو معلوم، تُحكم شبكات اتخاذ القرار وتصريفه وتوزيع المعلومة وفق منطق الاختصاصات والصلاحيات والتراتبيّة.
الكثير من القضايا؛ خاصة في عالم السياسة والمال والاعمال؛ والمجال العسكري والحروب؛ تُطبخ في غرف مظلمة -dark-room- حتى من هو بداخل تلك الغُرف؛ ليس على يقين من دقة معلوماته حول تلك الأمور والقضايا الحسَّاسة؛ لسبب بسيط؛ وهو احتمال وُجُود الخداع والتضليل المعلوماتي؛ أو التمويه الاستراتيجي؛ والمكر والدهاء والخداع؛ لتحقيق المفاجأة؛ حيث يحاط بالسريّة التَّامّة والشديدة جداً؛ من العد التنازلي حتى ساعة الصفر؛ التي يستأثر بها مُخيخ واحد فقط.
فكيف بمن هو بعيد كل البعد عن تلك المصادر؛ وكل ما لديه؛ هو شذرات خبر من صحيفة، أو وكالة أنباء متناثر من هنا أو من هناك؛ أو ما سمح به من أجل جس النبض!؟
فهل يعقل أن موظفاً قضى عمره في حراسة بوابة أو في مهام روتينيّة محدودة، أو حتى في منصب سامي او مركز اجتماعي متقدم؛ يدّعي اليوم امتلاك تصور شامل حول الخيارات الاستراتيجية للدولة؟ بل كيف يُقنع الناس بأنه كان شاهداً أميناً على تفاصيل لم يكن له أصلًا حقّ الاطلاع عليها؟ أليس هذا تناقضًا يكشف عن أزمة تموضع، وربما أيضاً عن احتقان نفسي ظلّ يُخزن بصمت؟
هؤلاء الذين لم يُعرف عنهم طيلة سنواتهم الوظيفية قول: “لاء”، إلا حين يتلون التشهد؛ يُعاد استحضارهم اليوم في خطابات مثيرة للجدل.
والحق أن العبارة، وإن استُخدمت هنا بسخرية، فهي في الأصل بيت شعري بليغ قاله الفرزدق في مدح الإمام علي بن الحسين زين العابدين: ما قال: لا قطُّ، إلاّ في تَشهُّدِهِ، لولا التّشهُّدُ؛ كانت لاؤه نَعَمُ.
بيت شعري يُحيل إلى قيمة العطاء المطلق والكرم النبيل، لا إلى الخنوع والامتثال الوظيفي. فشتّان بين من قيل فيه البيت وبين من يُقحم نفسه فيه. وشتّان ما بين الثريا والترى.
يتبدّى إذن أن بعض هذه الظواهر الصوتيّة وهؤلاء الضجيجيين؛ لم يكونوا صامتين طيلة حياتهم لفرط تقواهم أو أدبهم، بل لأنهم ببساطة لم يكن لهم ما يُقال. هل كان صمتهم إذن دليل نضج؟ أم أنه صمت الجبن أو غياب القناعة أو ببساطة غياب الرؤية؟ ولماذا يُقدّم صراخهم اليوم كأنه شهادة شجاعة متأخرة، بينما قد لا يكون إلا تنفيساً عن فشل داخلي؟
التحوّل من الطاعة الكاملة إلى البطولة المتأخرة يدفعنا إلى طرح سؤال أكثر عمقاً: هل نحن أمام ظاهرة فرديّة معزولة، أم أن ثمة سياقًا ثقافيًا واجتماعيًا يجعل من الضجيج ما بعد التقاعد مسلكًا مقبولًا أو حتى مرغوبًا في بعض الأوساط؟ وهل تضخيم الفضاء الرقمي لهذا النوع من الأصوات يُغري بمزيد من التمرد المزيف؟ أليس من الملاحظ أن كثيرًا من هؤلاء لا يتحدثون في مؤتمرات أكاديميّة، أو عبر أوراق تحليليّة رصينة، بل من خلال منشورات عابرة، تغلب عليها اللغة العاطفيّة والنبرة المتشنجّة؟
ومن زاوية سيكولوجيّة، هل يرتبط هذا التحول بحالة من انكسار الهوية؟
فحين يُسحب من الإنسان كرسيّ السلطة أو بطاقة الوظيفة، يجد نفسه في فراغ رمزي قاتل، فيسعى للبحث عن وُجوده ولإعادة تعريف ذاته عبر خطاب انتقامي.
هل يمكن إذن تفسير هذا الضجيج كنوع من النكوص النفسي؟ أو هو تعبير عن عقدة الاعتراف المؤجل، التي تجعل من الماضي مسرحاً لإعادة كتابة بطولة لم تقع أصلًا؟
والأسوأ من ذلك، حين يتحوّل هذا النقد إلى تجريح واتهام مجاني، لا يحمل حججًا ولا وثائق، بل مجرد روايات غير موثقة.
هل هذا نقد أم نميمة؟ وهل يجوز في أخلاقيّات المهنة، بل في المروءة الإنسانيّة، أن يركب الدناءة من أجل الإساءة ويُشوّه زميل سابق لأنه مازال داخل المؤسسة؟ ألا يُفترض أن يُقدّر الإنسان بيته السابق، حتى لو غادره، لا أن يحرقه على من بقي فيه؟ وهل يستقيم الحديث عن الشجاعة في سياق يغيب فيه الضمير ويغيب فيه التوثيق؟
ثم أليس من المفارقة أن من يهاجمون المؤسسات بعد تقاعدهم، كانوا من أكثر الناس استفادة من ريعها، وصمتوا دهراً عن تجاوزاتها –إن وُجدت– حين كانت رواتبهم تصل في موعدها؟
والسؤال الأهم: ما الذي ننتظره من المتقاعد؟ هل المطلوب منه الصمت التام؟
بالتأكيد “لا”. فالوظيفة لا تُسقط عن الإنسان حقّه في الرأي. لكن، أليس المطلوب أن يكون هذا الرأي مسئولًا، موزونًا، موجّهًا للإصلاح لا للتشويه؟ ولماذا لا نجد في خطاب كثير من هؤلاء المتقاعدين أي إشارة إلى مسؤوليتهم الذاتيّة فيما آل إليه حال المؤسسات؟ هل كانوا مجرد ضحايا، أم أنهم شركاء -بصمتهم أو بأفعالهم وأعمالهم وصنيعهم– فيما ينتقدونه اليوم؟
إن الذي يُشتم اليوم بعد تقاعده، قد يكون هو نفسه من رسّخ العبث بصمته أو تواطئه. ومن لم يُعرف عنه قول الحق حين كان ذلك مكلفًا، لا يصدُق أنه يقول الحق الآن لأنه شجاع، بل ربما لأنه بلا كلفة، وبلا رهان.
فهي تشتكي اليوم بعد تقاعدها وتتبرأ من الواقع الذي ساهمت في وضعه، أو أنشأته وخلفته من ورائها؛ وفي نفس الوقت؛ هي من كان يحافظ عليه ويغديه ويكرسه ويستبقي على أسس تخلفه. وبالتالي؛ فإن استئصال الوعي الزائف؛ هو إحدى المقدمات الصحيحة لإنشاء المجتمعات الجديدة والحديثة ذات الفاعليّة.
ثم، كيف نفهم الفرق بين الناقد النزيه والمتقاعد المنتقم؟ إنه فرق دقيق، لكنه جوهري. النِّيّة والضمير والسياق العام، كلها مؤشرات فارقة. فمن ينتقد مؤسسة نقدًا منهجيّاً وموثقًا؛ يهدف للإصلاح والتغيير والمساهمة بما راكمه من خبرات، فله كل الاحترام والتقدير. أما من يُمارس التشهير بدافع كراهيّة وحقد دفين أو شهوة انتقام، فلا مكان له في سجل الشرفاء.
إن المؤسسات لا تبنيها كثرة التهليل والتطبيل، ولا تُقوّضها الانتقادات. لكنها تنهار حين تتحوّل إلى مسرح لجلد الذات بلا وعي، وتنهزم حين لا تجد من يرافع ويدافع عنها وفاءً، لا طمعاً.
• في الختام:
يبقى الزمن هو الفيصل. وحده يكشف معدن الأصوات، وصدق المواقف. فالضجيج لا يبني تاريخًا، والشتائم لا تصنع مجدًا. ومن أساء بعد أن أُكرم، فإنما يُفضح هو، لا المؤسسة.
المؤسسات لا تُهدم بالصراخ، بل تُبنى بالعمل الصامت
الجبناء لا يصنعون التاريخ. والتاريخ لا يذكر المنافقين، بل يخلد الذين خدموا بصدق.
وكما قيل: ما تواضع أحد لله إلا رفعه. فمن تواضع في خدمة دينه ووطنه وملكه؛ ارتفع قدره، ومن تكبر عليها بعد رحيله، فضحه الزمن.
لسنا رجال قضاء؛ بل مجرد رجال دعوة. ولسنا وطنيين أكثر من الوطن؛ فقط نضحي بالغالي والنفيس من أجل الوطن. ولا ملكيين أكثر من الملك؛ فقط نحب ملكنا محمد بن الحسن.
دمت يا وطني مجداً وشموخاً، ودامت مؤسساتك حرماً منيعاً ضد ناكري الجميل.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...