حين يغيب أحدنا… تختبر إنسانيّتنا: في نقد الاستعجال العاطفي وهشاشة التماس العذر..!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* الدُّكتور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار

 

 

 في مأثور القول الشعبي المغربي: “الغائب حجته معه”، تنطوي حِكمة ضاربة في الجذور، كانت بمثابة ميثاق أخلاقي ضمني يحكم العلاقات بين الناس، ويمنح الغياب ما يستحقه من توقير وصبر واحتراز في إطلاق الأحكام المسبقة.
  إلا أن ما نراه اليوم، في زمن التسارع الرقمي والضغط النفسي الجماعي، هو نكُوص عن هذا المعنى النبيل، وتحول صادم في منطق التفاعل مع الغير، خصوصًا حين يغيب أحدهم أو يتأخر عن الرد أو التواصل.
  لقد أصبح الغِيّاب يُستقبل؛ في كثير من السياقات؛ لا بوصفه احتمالاً للألم أو للانشغال القاهر أو للمحنة الصامتة، بل كمؤشر على القطيعة أو البرود أو قلة الاهتمام.
  صديق لا يرد على مكالمة، أو حبيب يتأخر في رسالة، أو قريب عزيز يختفي دون مقدمات؛ كلهم عرضة لأحكام فوريّة، تكاد تكون إدانة أخلاقيّة: “فلان تغيّر”، “فلان لم يعد يهتم”، “فلان نَسي الخير والجميل”… وكأن الصمت لم يعد يُحتمل، وكأننا فقدنا الإيمان بوجود دوافع وأسباب تتجاوز تصورنا الضيق للزمن والمشاعر.
  لكن، ماذا لو كان هذا الغائب على سرير المرض؟ أو في عزلة نفسيّة خانقة؟ أو في ضائقة مالية أو أسرية تجعله غير قادر حتى على النطق؟ بل ماذا لو كان قد فارق الحياة ونحن ما نزال نعاتبه في دواخلنا على “تقصيره” في التواصل؟
  هنا ينهار البناء الأخلاقي للعلاقات الإنسانيّة، ويُكشف عن هشاشة داخليّة عميقة تسكن ذواتنا: نحن لا نمنح الغائب وقتًا ليشرح، ولا نعطي أنفسنا فرصة لاحتمال الخير فيه.
  إننا ننتقل فورًا من “السؤال عنه” إلى “الشك فيه”، ومن التماس العذر إلى توقّع الأسوأ منه.
  هذه الحالة تكشف عن خلل أكبر من مجرد غياب ثقافة العذر؛ إنها تعكس قابليّةً كامنة شديدة جدًّا لأن يفني بعضنا بعضًا، لا بفعل اختلاف وجهات النظر، بل بفعل أمراض الأنا المتضخّمة، وادعاء الاستحقاق العاطفي، وعُقَد التفوق الكاذبة.
  حين يترسخ في وعي البعض أنهم “خيرٌ من غيرهم”، تتآكل شبكة العلاقات من الداخل، وتتحول إلى حلبة صراع غير معلن على الأولويّة والتقدير.
  لا يعود الغرض من العلاقة هو المودّة أو الرحمة أو الأمان، بل التحقّق الذاتي واستعراض النفوذ العاطفي، حيث يُنظر إلى الغائب كخارجٍ عن الطاعة الشعوريّة، يستحق العقوبة المعنويّة.
  إننا بحاجة ماسّة إلى أخلاقيّة جديدة للتماس العذر، لا تُبنى على حسن الظن فقط، بل على وعي وجودي بأن الغياب قد يكون أبلغ أشكال الحضور، وأن الصمت قد يكون أقرب إلى الاستغاثة من الصراخ.
  إن الإنسان، حين يمر بأشدّ لحظاته، قد لا يملك حتى رفاهيّة البوح. فلَوْ كَانَ الفَرَج في البَوْحِ؛ ولَوْ كَانَ الكلام يُجْدِي نفعًا؛ ما أوصى الله عز وجل مَرْيَمَ العذراء بأن تُنذِر للرحمن صومًا، حتى لا تُكَلِّمَ إنسيًّا من البشر لمّا تراه.
  ولعلّ العودة إلى المثل الشعبي: “الغائب حجته معه”، ليست مجرّد استعادة لتراث لغوي، بل دعوة حقيقيّة لتأجيل الإدانة، ولإعادة بناء علاقتنا بالغير على أساس التواضع الإنساني لا الغطرسة الشعوريّة.
  هذا السياق الإنساني اقتضته واقعة عايشتُها، تمنح للنصّ بُعدًا وجدانيًّا وأخلاقيًّا بالغ التأثير.(*)
  كنا مجموعة أصدقاء، جلوسًا في مقهى على عادة الرفقة التي يربطها زمن ومعنى.
  سادت بيننا أحاديث عابرة، حتى أثار أحدهم مسألة غياب فلانٍ من معارفنا، قائلًا: “لم يعد يرد على المكالمات منذ أن رُقّي إلى منصب جديد، وصار يتصرف بكثير من الأنانيّة والتعالي…”
  انفلتت الألسن سريعًا، وتراكمت الأحكام الجاهزة على رجل غائب، لا يعلم الحاضرون من أمره شيئًا.
  عند هذه النقطة، اضطررت أن أتدخل، لا للرد، بل لوضع حد لهذا النقاش العقيم، قائلاً لهم بهدوء:
  “السيد الذي تتكلمون عنه قد غادرنا إلى دار البقاء… اللهم افتح له أبواب الرحمة والمغفرة.”
  بهت الجميع. وساد صمت ثقيل يشبه الصدمة. وذابت الكلمات الجارحة التي قيلت قبل قليل في عيون مبلّلة بخجل مفاجئ.
  فها هو الغائب الذي طعنوه في غيابه، قد صار في جوار ربه، بينما لم نكن نمنحه في غيابه حتى حقّ الاحتمال.
  هنا تتجلى مرارة السؤال: كيف أصبح الغياب تهمة؟ ولماذا فقدنا ثقافة التماس العذر، حتى لمن لا نعلم عنهم شيئًا؟
  لقد علّمنا الموروث الشعبي البسيط أن “الغائب حجته معه”، وهي ليست مجرّد عبارة تُقال، بل ميزان أخلاقي دقيق يفرض علينا التواضع، والتأجيل، والرفق بالحكم.
  غير أن هذا الميزان انهار في زمن السرعة والانفعال، وأصبحنا نحاكم الآخرين على الصمت وكأنه جريمة، ونبني صورًا كاملة عن دواخلهم من مجرّد تأخّر في الرد أو انقطاع مؤقّت في التواصل.
  هذا الانهيار الأخلاقي في منطق العلاقات يكشف عطبًا أعمق: قابلية مستفحلة لأن يُفني بعضنا بعضًا، لا بفعل الوقائع، بل بفعل ما تراكم من أمراض الأنا، والاستعلاء الشعوري، وشهوة التقويم الأخلاقي للآخرين.
  حين تترسخ في ذهنية البعض قناعة أنهم “خير من الناس”، فإنهم يتحولون – من حيث لا يشعرون – إلى قضاة على الأرواح، يتعاملون مع الصمت كخيانة، ومع الغياب كدليل على الجحود.
  والحقيقة أن الإنسان حين يغيب، قد يكون في أشدّ محطّات ضعفه: على سرير المرض، في دوّامة الاكتئاب، في ضائقة مالية أو روحيّة أو حتى وجودية.
  وقد يكون في لحظة احتضار، بينما لا يزال البعض يحاكمه على “عدم الرد”.
  إن ما نحتاجه ليس فقط استعادة المثل الشعبي، بل استعادة الوعي الأخلاقي الذي يسنده: أن نؤمن أن الغياب أحيانًا نداء استغاثة صامت، وأن الصمت قد يكون أثقل من الكلام، وأنه حين يغيب أحدنا، فإن إنسانيّتنا تُوضع على المحك.
  أمام هذه المأساة الرمزية، يصبح من اللازم أن نعيد ترتيب علاقتنا بالآخر، لا على أساس رد الفعل، بل على أساس التواضع في الفهم، والرأفة في التقدير.
  لأن الغائب، كما علّمنا الزمن الحقيقي لا الافتراضي، قد يكون له عند الله شأن لا نعلمه…
  وقد يكون، ببساطة، قد سبقنا إلى الرحيل.
* تأمل ختامي:
  ولعلّ أصدق ما يُقال في ختام هذا التأمل أن الغياب الحقيقي ليس غياب الصوت أو الصورة، بل غياب الرحمة من القلوب، وغياب الصبر من الأحكام، وغياب التواضع من النفوس.
  وفي مدرسة التصوف، تعلّمنا أن الإنسان لا يرى غيره إلا من موضع نقصه، فإن تطهّر قلبه، رأى الجميع في موضع الاستحقاق للرحمة لا للإدانة.
  فسبحان من يعلم وجع الصامتين، وخوف المنقطعين، وغياب من غابوا بأجسادهم أو بأرواحهم.
  اللهم علّمنا أن لا نُحاكم أحدًا حتى نُحاكم أنفسنا، ولا نُضيّق على من غاب، فربما كان في غيابه أقرب إليك منا في حضورنا.
  اللهم اجعلنا من عبادك الرحماء، لا من الذين يستقوون على الضعفاء ويجهلون قدر الفقد وهم في ملء حضورهم.
  اللهم ارحم الغائب الذي سبقنا إليك، واغفر لنا نحن الحاضرين الذين غاب عنهم الحياء ساعة النطق.
_____
(*)- تذييل توثيقي
  الواقعة حدثت بمقهى عمومي، في أحد أيام يونيو 2025، ودفعتني لإعادة التأمل في هشاشة الرحمة، في زمنٍ صارت فيه الأحكام أسرع من الفهم، والغضب أسبق من السؤال، والموت أقرب مما نظن.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...