بين فقر النبوة وسوء التأويل: تفكيك مزاعم الرهن عند يهودي في ضوء الآية: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ}
* الدُّكتور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار
هل يُبنى على فقر النبوّة دروسٌ أخلاقيّة أم مجرّد سرديّات متهافتة؟
يفتتح النقاش من نقطة مفارقة عميقة: هل كان فقر النبي محمد صلى الله عليه وسلم ضرورة أخلاقية لتعليم التواضع والزهد، أم أنه تصوير تبسيطي ومشوّه استُغل للترويج لروايات مشكوك فيها؟
إن الآية القرآنية: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى}؛ (سورة الضحى، الآية: 8) تُقدّم تأريخًا تحويليًا لحال النبي، من الحاجة إلى الغنى، لا استمرارًا لحالة الفقر والفاقة. فكيف نوفق بين هذا الوعد الإلهي بالاستغناء وبين ما يروى من أن رسول الله محمدا ابن عبدالله؛ توفي ودرعه مرهونة عند يهودي مقابل طعام لأهله؟ هل نحن أمام واقعة تاريخيّة أم صناعة روائيّة مشوبة بالتناقضات؟
لكن؛ من أين تسلل التشويش السردي على مكانة النبي؟
يرتكز بعض المحدثين على أحاديث متواترة، منها ما ورد عن عائشة رضي الله عنها: “توفي رسول الله ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير.” (صحيح البخاري)، وأخرى عند الترمذي عن ابن عباس: (بعشرين صاعًا من طعام.)
لكن تعدد الروايات وتناقض مقادير الطعام المدفوعة (عشرة صِيعان كاملة فرقًا) يثير سؤالًا منهجيًا مشروعًا: لماذا يُضرب بهذا المثال تحديدًا لإبراز زهد النبي، في حين تُغفل عشرات الأدلة القرآنية والواقعيّة على نبوّته المستغنية بالله عن الخلق؟ ولماذا رُكّز على صفة “المرهونة عند يهودي” وكأن في الأمّة كلها من لم يكن أهلاً للمعاملة؟
أَلَيْسَ في الصحابة رَجُلٌ ثريّ؟
إن هذا السؤال البسيط في ظاهره ينطوي على قوة نقديّة هائلة، إذ يُسائل منطق الرواية بأكمله. فالواقع التاريخي يُثبت أن عددًا من الصحابة كانوا من أثرياء العرب الذين أنفقوا بسخاء بالغ في خدمة النبي محمد والإسلام.
1. عبد الرحمن بن عوف، أحد العشرة المبشّرين بالجنة، جهّز في غزوة تبوك 500 فرس وتصدّق بعشرات الآلاف من الدنانير.
2. عثمان بن عفان، جهّز جيش العُسرة بأكمله واشترى بئر رومة وجعلها وقفًا للمسلمين.
3. أبو بكر الصديق أنفق ماله كله مرّتين، عند الهجرة، وفي تجهيز الجيوش.
بل إن بيت مال المسلمين نفسه كان متاحًا، فكيف يُعقل أن يُضطر النبي إلى رهن درعه عند يهودي، وهو محاط بكل هذا الوفاء والثروة والنخوة؟
إن تعميم مثل هذه الرواية يضعنا أمام احتمالين محرجين:
1. إما تخاذل الصحابة، وهو باطل؛
2. أو تشويش تأويلي لاحق، يستدعي المراجعة النقديّة لا التلقّي الساذج.
هل نحن أمام فقه التهوين أم تأبيد المهانة؟
تكشف الرواية عن إحراج تأويلي مزدوج:
1. فمن جهة، تتعارض مع المعنى القرآني الذي يؤكد أن النبي أغناه الله بعد عيلته؛
2. ومن جهة أخرى، تثير صورة رمزيّة بالغة الحساسيّة: أن يُرهَن درع النبي؛ رمز حمايته وكرامته؛ في يد يهودي، في بيئة عربيّة مفعمة برمزيّة العار في الرهن والاستدانة.
فهل يقبل المنطق التاريخي أن يُهمل النبي من مال بيت المال أو دعم الصحابة الأوفياء، ليضطر إلى الاقتراض من غير المسلمين؟ أليس في ذلك إعادة تشكيل لسيرة النبي بما يخدم خطابًا تعاطفيًا مسيّسًا مع الآخر على حساب المنطق القرآني والبنية الأخلاقيّة للسيرة نفسها؟
كيف يتقاطع هذا التصور مع خطابات التسامح المعاصرة؟
من الواضح أن بعض الدعاة المعاصرين يُعيدون إنتاج هذه الروايات بوصفها أدلة رمزيّة على التسامح والتعامل النبوي مع اليهود، متجاهلين السياق السياسي والديني الذي يحيط بعلاقة النبي بيهود المدينة في سنواته الأخيرة.
فهل يراد من هذه الروايات إثبات التعايش، أم تبرير التنازل؟ وهل يمكن للتسامح أن يُبنى على صورة تنال من مقام النبوة لا لسبب إلا من أجل مجاراة نمط أخلاقي معولم، لا يُقيم وزنًا للرمزيّة الدينيّة والمكانة التأسيسيّة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والإسلام؟
ما الثمن المعرفي والرمزيّ لتعميم هذه الرواية؟
إن تمرير مثل هذه الروايات دون فحص نقدي يهدد بإعادة تشكيل الوعي النبوي بما يتناسب مع رؤى هشة لمفهوم الزهد والكرامة والتسامح. كما يُعيد إنتاج فقه “التمسكن حتى التمكن” في سياق العلاقة مع الآخر، مما يختزل شخصيّة الرسول إلى كائن أخلاقي معزول عن السلطة الرمزيّة والشرعيّة الإلهيّة التي نُصّب بها.
فهل يجوز أن نُلبس مقام النبوة أثواب الفقر من أجل دروس وعظيّة، ونتغاضى عن كونه “سراجًا منيرًا”؟
ختامًا، تبقى المفارقة الكبرى قائمة: أيُّ صورة نُقدّمها للنبي حين نجعله فقيرًا لا يجد إلا يهوديًا يستدين منه؟ وهل في ذلك تكريسٌ لزهد نبوي أم عبثٌ تأويليٌ برمز الحماية والهيبة في شخص رسول الله؟
ويبقى السؤال معلّقًا في الوعي النقدي للمؤمن: هل خدمنا سيرة المصطفى بإبراز فقره المزعوم، أم طمسنا بهاء “فأغناه” تحت ركام روايات لا تصمد أمام قراءة مركّبة للمعنى النبوي؟





