بين حكومة لا تحتاجه ومعارضة لم يعد يتصدرها وقيادة لا تريد ترك مقعدها.. “الاتحاد الاشتراكي” يبحث عن “موقعٍ” بعد الانتخابات

إيطاليا تلغراف متابعة

أظهرت النتائج النهائية لاقتراع 23 شتنبر خروج حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من دون موقع سياسي محسوم، بعدما تراجع من 34 إلى 26 مقعدا، ولم يعد مؤهلا للاحتفاظ بصفة أكبر أحزاب المعارضة من حيث التمثيل العددي، فيما لم تكشف قيادته بعدُ ما إذا كانت ستسعى إلى المشاركة في الحكومة أو ستواصل تموقعها في المعارضة.

وأقر الكاتب الأول للحزب، إدريس لشكر، بأن النتيجة تمثل تراجعا مقارنة بالاستحقاق السابق، معلنا أن القيادة ستجتمع لتقييمها وتحديد توجه المرحلة المقبلة في ضوء التطورات السياسية، ليضع هذا الانتظار الحزب أمام اختبار يتجاوز اختيار موقعه داخل البرلمان إلى مساءلة حصيلة قيادة يقودها لشكر في ولايته الرابعة، واستراتيجية ترشيحات أثارت نقاشا داخليا بشأن مكانة الأعيان والوافدين مقارنة بأطر الحزب ومناضليه.

ولا تُعد الرغبة في دخول الحكومة احتمالا جديدا بالنسبة إلى الاتحاد الاشتراكي، إذ اعتبر لشكر عقب اقتراع 2021 أن موقع الحزب ينبغي أن يكون داخل السلطة التنفيذية، فيما أعلن المجلس الوطني استعداده للمشاركة إذا تلقى عرضا واضحا ونهائيا من رئيس الحكومة المكلف، غير أن المشاورات انتهت بتشكيل أغلبية ضمت التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة والاستقلال، وانتقل الاتحاد الاشتراكي، الذي حل رابعا حينها، إلى المعارضة.

ويبدو موقعه التفاوضي هذه المرة أكثر صعوبة، لأن جمع مكونات الائتلاف السابق يوفر أغلبية من 228 مقعدا من دون الحاجة إلى شريك إضافي، لذلك لا تبدو مشاركة الاتحاد الاشتراكي ضرورةً حسابية لتكوين الحكومة، بل تظل خيارا سياسيا قد يبرز إذا تعذر تجديد التحالف السابق، أو اتجه الحزب المتصدر إلى بناء ائتلاف أوسع، وهو خيار لا يقف عنده وحده، بل يمتد لأحزاب أخرى أقرب لثلاثي المقدمة من الناحية الإديولوجية، مثل الحركة الشعبية.

ولم يتحول التفوق العددي الذي امتلكه الاتحاد الاشتراكي داخل المعارضة خلال الولاية السابقة إلى قيادة سياسية موحدة لها، إذ اشتغلت مكوناتها بصورة متفرقة، وظهرت خلافاتها بشأن تنسيق المبادرات وتقاسم المواقع البرلمانية، ومن بينها الخلافات التي رافقت ملتمس الرقابة لإسقاط حكومة عزيز أخنوش، أو رئاسة لجنة العدل والتشريع.

وبات احتفاظ “الوردة” بصدارة المعارضة متعذرا مع تقدم العدالة والتنمية إلى 54 مقعدا وإعلان أمانته العامة ثم مجلسه الوطني توجه الحزب إلى مواصلة العمل من المعارضة، كما حلّت الحركة الشعبية أمام الاتحاد الاشتراكي بـ29 مقعدا، وإذا اختارت بدورها الموقع نفسه، سيصبح الفريق الاشتراكي ثالث مكونات المعارضة عدديا، ما يفرض عليه البحث عن تأثير سياسي يتجاوز حجم تمثيله داخل المجلس.

وتبدأ الحصيلة الانتخابية لإدريس لشكر من دجنبر 2012، حين انتُخب كاتبا أول لحزب كان يتوفر على 39 مقعدا أفرزتها انتخابات السنة السابقة، وفي أول اقتراع تشريعي خاضه الاتحاديون تحت قيادته سنة 2016، انخفض تمثيل الاتحاد الاشتراكي إلى 20 مقعدا، قبل أن يستعيد 14 مقعدا في انتخابات 2021، حيث رفع حصيلته إلى 34.

إلا أن نتيجة 2026 بددت ثمانية مقاعد من ذلك التعافي مكتفيا بـ26 مقعدا، لتكشف عن حصيلة متذبذبة بين تراجع حاد وانتعاش في سياق خاص لم يثبت طويلا، وبعد نحو 14 عاما من قيادة لشكر، أصبح تمثيل الحزب أقل بـ13 مقعدا من الرصيد الذي كان يتوفر عليه عند انتخابه، ما يجعل النتيجة الحالية اختبارا لحصيلة القيادة، لا مجرد خسارة انتخابية معزولة.

وتأتي النتيجة بعد أقل من عام على إعادة انتخاب لشكر لولاية رابعة، عقب مصادقة المؤتمر الوطني الثاني عشر على تعديل المادة 217 من القانون الأساسي والمادة 212 من القانون الداخلي، بما جعل التمديد، وفق الملتمس المصادق عليه، قاعدة عامة تسري على مختلف الأجهزة الحزبية.

وكان لشكر قد أعلن في شتنبر 2021 أنه لن يترشح لولاية ثالثة، مؤكدا احترامه قوانين الحزب ومغادرته بعد ولايتين، قبل أن يُنتخب مجددا في يناير 2022، ثم يُعاد انتخابه لولاية رابعة في أكتوبر 2025.

ويمنح التراجع الانتخابي الجدل حول القيادة مضمونا مختلفا، إذ لم يعد محصورا في مدة بقاء الكاتب الأول أو كيفية تعديل القواعد التنظيمية، بل أصبح مرتبطا بحصيلة يمكن قياسها عبر صناديق الاقتراع، ولذلك يضع تقييم النتائج الذي وعدت به قيادة الحزب مسألة الاستمرار أو فتح انتقال تنظيمي ضمن صلب المحاسبة السياسية، لا باعتبارها خلافا داخليا منفصلا عن أداء الاتحاد الاشتراكي.

وتدخل استراتيجية الترشيحات بدورها ضمن عناصر قراءة الحصيلة، بعدما راهن الحزب على استقطاب أعيان ومرشحين وافدين من أحزاب أخرى، ومن أبرزهم أحمد التومي، الذي سبق أن فاز بمقعد باسم الاستقلال قبل انتقاله إلى الاتحاد الدستوري ثم الاتحاد الاشتراكي، وحميد العكرود الذي مرّ من الاستقلال والتجمع الوطني للأحرار قبل ترشحه باسم “الوردة”.

هذا المسار بدأه لشكر بشكل واضح في انتخابات 2021 العامة، حين تجاوز العديد من الأسماء الاتحادية على المستوى المحلي ليمنح التزكية لأسماء جاءت من أحزاب أخرى توجد على الجانب الآخر إيديويلوجيا، مثل التدمع الوطني للأحرار والاستقلال والاتحاد الدستوري، بل وحتى العدالة والتنمية، على غرار البرلماني بمجلس المستشارين يوسف بن جلون.

ورافقت عملية الترشيح هذه السنة، اعتراضات داخلية واستقالات مرتبطة ببعض التزكيات واللوائح الجهوية، غير أن الرهان على المرشحين ذوي الوزن الانتخابي المحلي لم يمنع الحزب من إنهاء الاقتراع بحصيلة متراجعة، وبذلك لا يقتصر تقييم مرحلة ما بعد الانتخابات على حسم موقع “الوردة” بين الحكومة والمعارضة، بل يمتد إلى القيادة وسياسة الترشيحات اللتين أنتجتا هذه النتيجة.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...
Global site tag (gtag.js) - Google Analytics