حين يستنفر القانونُ نسبةَ المشاركة كمؤشر على الديمقراطية ولا يُلزم بها: التصويت بين الواجب الدستوري وحرية الامتناع
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
لماذا نحمّل الفاعلين والقائمين على العمليات الانتخابية مسؤولية ضعف نسبة المشاركة، ثم نُبقي المواطن نفسه خارج دائرة الإلزام القانوني؟ سؤال يفتح باب البحث في فلسفة المشرّع وحدود الدولة في تنظيم المشاركة: هل التصويت حق فردي محض، أم وظيفة مدنية ذات أثر جماعي؟
ومعظم الديمقراطيات تنظر إلى المشاركة الانتخابية باعتبارها حقًا من حقوق المواطنة، بينما تعتبرها أنظمة أخرى مسؤولية مدنية قد تأخذ شكل واجب قانوني. غير أن نسبة المشاركة لا تختزل الديمقراطية، وإنما تمثل أحد المؤشرات الدالة على مستوى انخراط المواطنين في الحياة السياسية إلى جانب مؤشرات أخرى تتصل بالمؤسسات والحريات والتعددية وأداء الحكومة والثقافة السياسية.
ومن هنا تكتسب المسألة خصوصيتها في المغرب. فالفصل 30 من الدستور ينص على أن «التصويت حق شخصي وواجب وطني». وإذا كانت الدولة تعتبر ارتفاع نسبة المشاركة قيمة ديمقراطية، وكانت الإدارة تتحرك ميدانيًا لتعبئة الناخبين، وكانت الأحزاب تُحاسب سياسيًا على ضعف الإقبال، فإن السؤال ينتقل من إثبات وجود الواجب إلى البحث في أثره القانوني: كيف يتحول «الواجب الوطني» إلى التزام فعلي دون المساس بحرية الاختيار وسرية الاقتراع؟
تزداد المفارقة وضوحًا يوم الاقتراع. فعندما تكشف المؤشرات المتتالية ضعف الإقبال، تتحرك الإدارة لتحفيز المواطنين على التوجه إلى مكاتب التصويت والمشاركة بكثافة. وقد استُعمل في الخطاب الإداري التقليدي تعبير فرنسي من قبيل: «pousser ou sensibiliser les électeurs à participer». لكن تحفيز المواطن على المشاركة لا يعني توجيهه إلى التصويت لفائدة جهة بعينها. الدولة مطالبة بالحياد في الاختيار، لكنها ليست مطالبة بالحياد تجاه المشاركة.
ومن هنا يظهر خلط طريف بين الأمرين: كأن دعوة المواطن إلى الذهاب إلى الصندوق تعني أن الدولة تقول له: صوّت لجرير أو الفرزدق! والحقيقة أن الفرق جوهري بين تعبئة الناخب للمشاركة وتوجيه إرادته السياسية.
وهنا تدخل «الكَنَبَة» إلى المشهد بوصفها ظاهرة سوسيولوجية أكثر منها مجرد نكتة انتخابية. يقول صاحبها: «ما عنديش مع السياسة»، ثم يتابع نتائجها لحظة بلحظة، ويقول: «صوتي ما غادي يبدل والو»، ثم يغضب من النتائج، وبعدها يعلن: «كنت عارفها من الأول». ومع ذلك لا يجوز اختزال كل ممتنع في اللامبالاة؛ فقد يكون الامتناع احتجاجًا أو رفضًا واعيًا أو تعبيرًا عن فقدان الثقة.
لكن الامتناع، مهما اختلفت دوافعه، يترك أثرًا سياسيًا محددًا: فالانتخابات تُحسم بأصوات من شاركوا، لا بأصوات من امتنعوا. وصندوق الاقتراع لا يعرف لماذا غاب المواطن، بل يعرف فقط من حضر ومن غاب.
لذلك لا ينحصر السؤال أمام المشرّع بين الحرية المطلقة والعقوبة الصارمة. فالتجارب المقارنة تعرف درجات متعددة من الإلزام، من واجب قانوني بلا جزاء فعلي إلى غرامات أو آثار قانونية على الامتناع غير المبرر. والإلزام بالمشاركة لا يعني بالضرورة إجبار المواطن على اختيار حزب أو مرشح؛ فالإكراه على المشاركة شيء، والإكراه على الاختيار شيء آخر تمامًا.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق أن تبقى مفتوحة: إذا كانت الدولة تستنفر الإدارة والأحزاب والفاعلين لرفع نسبة المشاركة، وإذا كانت المشاركة أحد مؤشرات حيوية الحياة الديمقراطية، وإذا كان الدستور قد جمع صراحة بين «الحق» و«الواجب»، فهل يكفي أن يبقى «الواجب الوطني» عبارة دستورية ذات دلالة أخلاقية ومدنية، أم أن المشرّع مطالب بأن يمنحه يومًا ما أثرًا قانونيًا أوضح؟
ذلك هو السؤال الحقيقي: ليس كيف نجبر المواطن على اختيار من لا يريد، وإنما هل يظل الامتناع عن المشاركة حرية مطلقة، بينما يصف الدستور المشاركة نفسها بأنها «واجب وطني»؟
______
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، يهتم بقضايا الدولة والمجتمع والسياسات العموميّة والتنمية والتحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.
له عدة إسهامات فكريّة ودراسات ومقالات في الشأن المغربي والعربي والإسلامي.
ومن أبرز مؤلفاته: «الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية» (2000)، و«الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة» (2015)، و«الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة» (2020).





