من «رمي العار» إلى رمي الأصوات: سوسيولوجيا الاستمالة الرمزيّة في الحملات الانتخابية المغربية
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
تستحق بعض ممارسات الحملات الانتخابية بالمغرب أن تُقرأ سوسيولوجيًا لا باعتبارها مجرد طرائق تقليدية لاستمالة الناخبين، وإنما بوصفها انتقالًا لمنظومة رمزية واجتماعية من مجالها التقليدي إلى المجال السياسي.
فعندما يلجأ المرشح إلى الحلف أو أداء القسم على المصحف أو «رمي العار» أو «أعْبان» و«أشْظاظ» أو استحضار الأعيان والوجهاء والرموز الدينية والقبلية، فإنه لا يخاطب الناخب بالبرنامج وحده، وإنما يستدعي شبكة من المعاني المرتبطة بالشرف والوفاء والعهد والوساطة والمكانة. وهنا يبرز السؤال السوسيولوجي: كيف تتحول آليات كانت تؤدي وظائف في الصلح والتضامن وحفظ العهد إلى أدوات لإنتاج الاستمالة والتعبئة والتصويت؟
يساعدنا هابرماس على فهم هذه المفارقة من خلال التمييز بين الفعل التواصلي والفعل الاستراتيجي. فالأول يتجه إلى التفاهم بواسطة اللغة والحجاج والاعتراف المتبادل، بينما يتجه الثاني إلى تحقيق غاية عبر التأثير في سلوك الآخرين.
ومن ثم فالمشكلة ليست في التواصل أو في استعمال الرمز والعاطفة، وإنما تبدأ عندما يتحول التواصل السياسي من مجال لتكوين الإرادة بالحجة إلى وسيلة للتأثير في الإرادة الانتخابية بمنطق النجاح. عندها لا يعود الناخب مخاطَبًا بوصفه مواطنًا مستقلًا، وإنما بوصفه عضوًا في جماعة تُستدعى عاطفتها وذاكرتها وحرمتها والتزاماتها الرمزية.
ومن هنا يمكن فهم «رمي العار» باعتباره شكلًا من أشكال الاستمالة الرمزية. فـ«أعْبان» و«أشْظاظ» تحيل، في بعض السياقات المحلية، إلى فرش الثوب الأبيض أو بسطه ثم جمعه وطيه في سياقات الصلح والتعهد والالتماس.
والشِّظاظ، في أصله، هو ما يشد العروة ويثبتها، ولذلك اكتسب في المتخيل الاجتماعي دلالات العقد والالتزام وشد الوثاق. وكان «رمي العار» في المجتمع التقليدي يقوم على ثقل رمزي يحمله شريف أو وجيه أو عين أو حافظ للقرآن، بحيث تصبح الموافقة على الطلب محاطة بقوة أخلاقية تجعل التراجع عنها ضربًا من الغدر أو نقض العهد. وقد امتد هذا المعنى في المتخيل الشعبي إلى الاعتقاد بأن عدم الوفاء قد يستجلب «أموثل» أو «أبريد» أو انتقام القدر.
المفارقة تبدأ حين ينتقل هذا الاقتصاد الرمزي من مجال الصلح والتضامن إلى مجال المنافسة الانتخابية. فالمرشح الذي لا يستطيع إنتاج الإقناع من خلال البرنامج قد يستدعي شرعية أخرى أكثر رسوخًا في المخيال المحلي: القبيلة والعائلة والوجيه والرمز الديني والماضي المشترك والعلاقات الشخصية.
وهكذا يتحول «رمي العار» من طلب للصلح أو المؤازرة إلى طلب للصوت، ويتحول العهد الاجتماعي إلى أداة للتأثير في القرار الانتخابي. هنا تتشكل «الاستمالة الرمزية»: نقل القوة الأخلاقية والاجتماعية للرمز إلى المجال الانتخابي وتحويل رصيده المعنوي إلى رصيد سياسي.
ولهذا لا تكفي دراسة المرشح من خلال برنامجه وصورته الانتخابية. فبنية الاستمالة تمتد إلى طريقة تقديمه، والجهات التي تقف وراء ترشيحه، والأعيان والفاعلين المحليين الذين يسندونه، وشبكات القرابة والمكانة والوساطة، وعلاقته بالسكان وبالإدارة. وقد يكون الترشيح ثمرة توافق حزبي أو محلي، أو رد فعل على منافس، أو نتيجة حسابات انتخابية تتجاوز البرنامج. وفي جميع الحالات يبقى السؤال: بأي موارد اجتماعية ورمزية ومادية يحاول المرشح تحويل وجوده السياسي إلى أصوات؟
وتكشف بعض الحملات مفارقة أخرى: كلما ضعف خطاب البرنامج ارتفع منسوب الرموز. فإذا تعذر الإقناع بالحجة استُدعيت الذاكرة والقرابة والقبيلة والمكانة والقسم والمصحف والوجاهة. ويصبح المدح ومصاريف الأبهة والتغني بأمجاد الماضي والمبارزات الكلامية والحلف وسائل لإنتاج الثقة أو ما يشبهها. وهنا قد يصبح التصويت استجابة للحرج الاجتماعي أكثر منه نتيجة لقناعة سياسية؛ إذ يجد الناخب نفسه أمام التزام رمزي لا أمام برنامج قابل للمناقشة والمساءلة.
ولعل أبلغ مثال على ذلك حكاية الحاج بوشعيب، الذي ألف الفوز في الاستحقاقات البرلمانية منذ سنة 1976 وظل محافظًا على مقعده خمسة وعشرين عامًا. كان يعرف أن سكان البوادي والقرى يقضون معظم نهارهم في الحقول، وأن المسجد وقت صلاة المغرب يوفر تجمعًا واسعًا للسكان. لذلك حضر رفقة أتباعه وحاشيته إلى جامع المدشر سنة 2002، عازمًا على «رمي العار» على أبناء قبيلة أولاد شعيبة من أجل التصويت لصالحه.
بعد الصلاة أخرج ورقة صغيرة أعد فيها خطابه. اختار عباراته بعناية، واستحضر أمجاد القبيلة وحماسة داحس والغبراء، وكأن المعركة الانتخابية امتداد لمعركة قبلية قديمة. لكن أحد مرافقيه همس في أذنه قبل أن يبدأ: «أولم تلاحظ السورة التي قرأها الإمام؟».
كان الإمام قد قرأ سورة الكافرون. وهنا جاء التأويل الساخر للحكاية: لعل الساكنة كانت تقول له، رمزيًا: «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ». سرّها الحاج بوشعيب في نفسه وانسحب، ووراءه أتباعه ومساندوه، يجر هزيمة لم تكن في حسبانه، رغم الأقدمية ومصاريف الأبهة.
قوة الحكاية ليست في طرافتها فقط، وإنما في أنها تكشف حدود الاستمالة الرمزية. فالمكان الذي أراد المرشح توظيفه لم يمنحه بالضرورة ما أراد، والرمز الديني الذي أراد أن يحيط به خطابه لم يتحول تلقائيًا إلى أصوات. فالرمز قد يستميل، والحلف قد يضغط على الضمير، والوجاهة قد تعبئ الجماعة، لكن لا شيء منها يستطيع أن يحل محل القناعة السياسية إلى ما لا نهاية.
ومن هذه الزاوية تبرز أهمية تحصين المجال الديني من التوظيف السياسي، خصوصًا في سياق إصلاح الحقل الديني الذي عرفه المغرب بعد أحداث 16 ماي 2003. فالمسجد ليس فضاءً انتخابيًا لتعبئة الناخبين، كما أن المقدس لا ينبغي أن يتحول إلى مورد في صراع المصالح السياسية. حماية المجال الديني من التوظيف الانتخابي لا تعني إبعاده عن المجتمع، وإنما حماية رمزيته من أن تتحول إلى أداة للاستمالة.
لكن الأزمة الأعمق تظل في استراتيجية التواصل نفسها. فالمشكلة ليست في نقص الكلام، وإنما في نقص القدرة على إنتاج الحجة السياسية. المرشح الذي لا يستطيع أن يجعل برنامجه موضوعًا للنقاش يبحث عن الرمز الذي يجعل شخصه موضوعًا للولاء، والحزب الذي يعجز عن بناء خطاب مقنع يبحث عن الأعيان، ومن يعجز عن استمالة العقول يحاول استمالة الوجدان. وكلما ضاقت القدرة على الخلق والإبداع السياسي اتسعت الحاجة إلى أدوات الماضي: القبيلة والوجاهة والحلف والعار والأبهة والوساطة.
ومن هنا فإن تحديث الحملات الانتخابية لا يعني القضاء على الرموز الاجتماعية، وإنما تغيير وظيفتها السياسية. يمكن للقبيلة أن تبقى جزءًا من الذاكرة، وللوجيه أن يحتفظ بمكانته الاجتماعية، وللدين أن يحتفظ بحضوره القيمي، لكن لا ينبغي أن يتحول أي منها إلى بديل عن البرنامج أو إلى وكالة للتصويت. المطلوب الانتقال من «من يضمن المرشح؟» إلى «بماذا يلتزم؟»، ومن «من يرمي العار؟» إلى «من يستطيع الدفاع عن برنامجه؟».
وليس الجميع قد حباه الله فضل فن الخطابة والتواصل. وقد دعا نبي الله موسى عليه السلام ربه: «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي، وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي». والدرس هنا أن من عجز عن تبليغ فكرته بالحجة يحتاج إلى من يساعده على إيصالها، لا إلى من يرمي عنه العار أو يستجدي له الأصوات.
وهكذا يكشف «رمي العار» عن تحول أعمق من مجرد عادة انتخابية: إنه انتقال لرمز اجتماعي من اقتصاد الصلح والتضامن إلى اقتصاد المنافسة السياسية، حيث يتحول العهد إلى مورد انتخابي والوجاهة إلى وسيلة تعبئة والرمز إلى أداة استمالة. ومن «رمي العار» إلى رمي الأصوات يصبح السؤال الحقيقي: هل يُنتزع الصوت من قوة الرمز، أم يُمنح عن اقتناع؟
عندما يستعيد الصوت حريته من العار والحلف والوجاهة، يستعيد معناه السياسي. فلا قيمة للصوت بمن طلبه أو ضمنه، وإنما بما يعبر عنه صاحبه وهو يضعه في الصندوق. عندها يصبح الانتخاب فعل اختيار، لا فعل وفاء؛ وتصبح السياسة مجالًا للتنافس على البرامج، لا على قدرة الأشخاص على تعبئة الرموز.
______
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، يهتم بقضايا الدولة والمجتمع والسياسات العموميّة والتنمية والتحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.
له عدة إسهامات فكريّة ودراسات ومقالات في الشأن المغربي والعربي والإسلامي.
ومن أبرز مؤلفاته: «الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية» (2000)، و«الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة» (2015)، و«الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة» (2020).





