النجاح التكتيكي والفشل الاستراتيجي: مقاربة سوسيو–سياسية في سياقات الزعامة الانفعالية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدُّكتور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار
  

 

 

ما الذي يجعل بعض الانتصارات التكتيكية تتحوّل إلى مداخل لفشل استراتيجي ذريع؟
  كيف تُنتج البُنى التقليديّة؛ وخاصة تلك ذات الثقافة القبليّة والعشائريّة؛ أنماطًا من الزعامة الانفعاليّة التي تُحاصر القرار السياسي في حدود ردود الفعل الآنية؟
  وهل ما نعتبره أحيانًا “نصرًا رمزيًا” ما هو في الحقيقة سوى فخٌّ رمزي يُغرق الفاعل السياسي في وهم القوّة ويحرمه من بناء رؤية إستراتيجيّة رشيدة؟
  يحاول هذا المقال معالجة هذه الأسئلة من خلال مقاربة تحليليّة وتركيبيّة تُزاوج بين السوسيولوجيا السياسيّة ونقد فكر الزعامة في السياقات ما قبل الحديثة، والأنثربولوجيا في تحليل البنى اللاعقلانيّة للقرار، وبإدماج تحليل سياقي عام لبعض الأمثلة العربيّة.
1. الزعامة في السياقات الانفعاليّة: حدود القرار خارج العقلانيّة
  في المجتمعات التي تسود فيها الثقافة القبليّة والانفعاليّة؛ تُصاغ القرارات المصيريّة؛ سواء في الحرب أو السلم؛ خارج منطق الدولة الحديثة. بحيث يتحوّل القائد أو الزعيم أو الرئيس، إلى مجرد “مُعبّر رمزي” عن انتظارات الجماعة أو الحركة، ويُصبح القرار فعلًا عاطفيًا أكثر من كونه نتيجة تحليل عقلاني. كما تُكرّس آليات الانتماء والولاء ضغوطًا رمزيّة تُضيّق هامش المناورة أمام الفاعل السياسي.
  فالزعيم في هذه السياقات لا “يقود”، بل “ينقاد” لضغط جمهور ينشد تمثيلًا عاطفيًا أكثر من إنتاج عقل استراتيجي.
2. النجاح الظرفي كفخ استراتيجي: حين يتحوّل التكتيك إلى مجرد عبء
  قد تحقق القيادة نجاحًا تكتيكيّاً سريعًا، يبدو في لحظته دليلًا على الكفاءة والشجاعة والجرأة، إلا أن غياب الرؤية الإستراتيجيّة قد يؤدي لاحقًا إلى نتائج عكسيّة. ويُمثّل هذا النمط ما يُمكن تسميته بنجاح: ”الوهم الظرفي”، حيث تتحوّل ضربة ناجحة إلى مبرر لسياسات ارتجاليّة وعشوائيّة؛ تُغرق الفاعل في سلسلة من القرارات غير المحسوبة العواقب.
  هذا، وتُجسّد معارك الكرامة سنة (1967) مروراً بسنة 1073، وصولاً إلى عَمَلِيَّةُ طُوفَانِ الأَقْصَى كما سمتها فصائل المقاومة الفلسطينية أو هُجُومِ السَّابِعِ مِنْ أُكْتُوبَرَ؛ مثالًا دالًّا: فقد اعتُبرت في حينها “نصرًا رمزيًا” أعاد الاعتبار للمقاومة، لكنها فتحت المجال لتوسيع ميداني لم يكن مؤمّنًا سياسيًا، مما أسفر لاحقًا عن مواجهات عنيفة. هذا الانتقال من النصر التكتيكي إلى الفشل الاستراتيجي الذريع؛ يكشف عن هشاشة البناء السياسي حين يُبنى على ردود أفعال غير مؤسسية.
3. القبيلة والعشيرة والطائفة كفاعل غير مرئي في القرار السياسي
  تشير العديد من الدراسات السوسيو – أنثربولوجية إلى أن النسق القبلي والطائفي والعشائري،’؛ ما يزال، في كثير من المجتمعات، فاعلًا خفيّاً يُعيد تشكيل القرار السياسي في صورته الحديثة. بحيث تتغلغل البنية القبليّة والطائفيّة في أجهزة الدولة وتُنتج نمطًا من “العقل السياسي الانفعالي” الذي يُسارع إلى الرد قبل التقدير، ويُفضّل “الحسم الظرفي” على “الاستثمار الاستراتيجي”.
  إن “الدولة الواجهة”، في هذه السياقات العامة، ليست سوى غلاف قانوني لقرارات تُصاغ داخل مجالس ولاءات تقليديّة حركيّة وطائفيّة وقبليّة. وبذلك تُختزل الدولة في جهاز للتنفيذ لا للتفكير، ويصبح القرار امتدادًا لصورة الزعيم وليس نتاج مؤسسات تفكير وسياسات عامة وعموميّة.
4. مفارقة الزعامة: بين التمثيل الرمزي والعقل الاستراتيجي
  الزعيم، في النظام الانفعالي، لا يُنتخب لقدرته على التفكير الاستراتيجي من خلال عملية التوقع والتموقع، بل لقدرته على التجسيد الرمزي. وحين يُطالب بالتفكير خارج النسق، يجد نفسه في مواجهة “شرعيّة انفعاليّة” قد تسحب منه التأييد الشعبي إذا بدا مترددًا أو عقلانيًا أكثر من اللازم.
  في هذا السياق، يُصبح مفهوم “الحكمة” معرضاً للتأويل ك: ”جبن سياسي”، ويتحوّل مفهوم “التريث” إلى “تخاذل”، مما يُجبر الفاعل السياسي على المبالغة في الردّ بدلًا من استباق الأزمة بتفكير وتخطيط استراتيجي. وهي مفارقة قاتلة للزعامة: فإمّا أن تُرضي الجمهور الغاضب والجموع الشعبيّة وتفشل في الاستراتيجيا، أو أن تفكر بمنطق الدولة وتُتهم بالخيانة والخنوع والتنازل أو التطبيع.
5. في الحاجة إلى جبهة حنفاء الحضارة: من ضيق الحركة والطائفة والحزب إلى أفق الإنسان
  في مقابل هذه الأنماط التقليدية من الزعامة التي لا ترى أبعد من لحظة الإجماع العشائري أو الرمز الطائفي، تبرز الحاجة إلى جبهة جديدة من “حنفاء الحضارة المعاصرين”.
  إنهم أولئك الذين لا يتحركون تحت عباءة القبيلة ولا ضمن ضوابط الانتماء المذهبي أو الحزبي أو الطائفي، بل يستجيبون لنداء الإنسانيّة، ويشتبكون مع أسئلة المصير الكوني بوعي كوني أخلاقي وقيّمي يتجاوز الاصطفاف والهويات المغلقة.
  هم أبناء الفكرة، لا العشيرة أو القبيلة أو الحركة أو الحزب؛ مشاريعهم تتجاوز صراع المواقع إلى أفق المعنى، وينظرون إلى العالم لا من نوافذ الانتماء الضيق، بل من موقع المسئوليّة التاريخيّة تجاه الإنسان، كقضية لا كهوية. فالمسألة اليوم لم تعد مجرد تنازع بين أطراف محليّة أو إقليميّة تبحث عن هيمنة ظرفيّة، بل صراع بين من يُعيد إنتاج الانفعال ومن يسعى إلى بناء الاستبصار. بين من يردّ على الحدث ومن يشتغل على بنية المعنى.
  في زمن التصدّع الأخلاقي والاحتباس السياسي، لا يكفي الانتماء لهوية ما؛ بل يتطلب الأمر ضميرًا تأمليًا يشتغل على المستقبل، لا على استعادة رماد الأمس. وهنا تبرز جبهة الحنفاء كمشروع يتجاوز الكتل الأيديولوجية، ويُعيد الاعتبار للفعل الأخلاقي داخل الحقل الحضاري، لا بوصفه ترفًا بل بوصفه ضرورة.
  إن بروز هذه الجبهة، وإن كانت متناثرة في شكل أفراد أو مبادرات ف10كريّة هنا وهناك، يمثل محاولة لاستعادة “الجدوى الأخلاقيّة والقيّمية” من السياسة، ولبناء زعامة جديدة تتجاوز الكاريزما الخطابيّة، نحو عقل سياسي مستبصر، متحرر من جاذبيّة اللحظة، ومتجذر في وعي إنساني عميق.
6. نحو بناء ثقافة استراتيجية عقلانيّة مضادة للانفعال العاطفي
  إذا كانت الأزمة كامنة في البنية، فإن الحل لا يمر فقط عبر تغيير النخب، بل عبر مراجعة شاملة لمنظومة إنتاج القرار. وهذا يستدعي بناء ثقافة سياسيّة جديدة تُعلي من قيمة التفكير الاستراتيجي، وتُعيد الاعتبار للعقل البارد، وتُربّي على تأجيل ردّ الفعل لصالح بناء الفعل المؤسسي.
  في هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى تفكيك الرموز الجماعية المنتجة للقرار الانفعالي، وإلى إعادة هندسة العلاقة بين الجمهور والقيادة بما يُفسح المجال لإنتاج زعامات مفكّرة لا زعامات منصاعة.
خلاصة عامة: من يربح لحظة قد يخسر المستقبل
  من خلال هذه الدراسة يبدو أن النجاح التكتيكي لا يُمثّل بالضرورة مؤشّرًا على نجاعة القيادة، بل قد يكون أحيانًا دليلاً على ضعفها الاستراتيجي إذا لم يُواكبه بناء مؤسسي ووعي بعيد المدى محدد أجندة النوايا السياسيّة والعسكريّة، بشكل دقيق.
  في السياقات التي تحكمها القبيلة والطائفيّة الدينيّة والرمز؛ يصبح التفكير في الزمن الطويل مجرد ترف، والانتصار الظرفي غاية، والزعيم رهينة لرغبة الانفعال.
ويبقى السؤال المصيري: هل نحتاج إلى قادة وزعامات جدد؟ أم إلى مجتمع جديد يُنتج زعامة تفكّر خارج طائفة وقبيلة اللحظة؟
نحتاج إلى جبهة حنفاء الحضارة المعاصرين، الذين يجيبون على إشكالات الإنسانيّة، وليس مشروع حركة أو طائفة أو قبيلة أو عشيرة أو حزب؛ فالأمر أكبر منهم بكثير.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...