* الدكتور عبد الله شنفار
انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3)، يأتي الإعلان الربّاني الخالد بانتهاء الوحي التشريعي واكتمال المشروع الإلهي في صورته النهائية. فهذه الآية تختزل المفاهيم الثلاثة: الكمال، والتمام، والرضى، في تركيب لغوي بالغ الإحكام والدقة.
* تمهيد إشكالي: هل يمكن للوحي أن يُعلن الاكتمال؟
ما الذي يعنيه الوحي حين يُصرّح أن الدين قد “كَمُل”؟ هل هو كمال مغلق أم مفتوح؟ وهل الكمال يعني الكفاية أم المثالية؟ ثمّ، ما الفرق بين “التمام” و”الكمال” في بنية النص القرآني؟ هذه الأسئلة لا تقف عند حدود التأويل اللفظي، بل تفتح أفقًا لفهم العلاقة بين المشروع الإلهي في التاريخ والإنسان المتدين عبر الزمن.
* أولًا: الكمال والتمام: هل هما مترادفان أم متكاملان؟
هل التمام هو الكمال، أم أن العلاقة بينهما تشبه العلاقة بين الشكل والمضمون؟ التمام في اللسان العربي يُشير إلى استيفاء الشيء لأجزائه دون نقص، وهو أقرب إلى المفهوم الهندسي أو البنائي. أما الكمال، فيتجاوز هذا ليحيل إلى المثالية، أي أن الشيء ليس فقط مكتملًا، بل في أفضل صورة ممكنة.
عندما يقول الله تعالى: “أكملت لكم دينكم”، فالمعنى أن منظومة الدين من تشريع، وحدود، ومرجعيات، قد بلغت الغاية، بحيث لا تحتاج إلى إضافة. أما قوله: “وأتممت عليكم نعمتي”، فيعني أن ما هو موهوب من الله، من هدى ورحمة وهداية ووضوح، قد استوفى جميع جوانبه الظاهرة والباطنة. وبهذا، يكون الإسلام في بنائه النهائي دينًا غير قابل للإضافة، ولا للتعديل، ولا للنسخ.
فهل هذه الخاتمية تغلق باب الاجتهاد؟ أم تُبقي باب التفاعل مفتوحًا دون مسّ البنية الجوهرية؟
* ثانيًا: الرضى الإلهي: هل هو لحظة تاريخية أم حقيقة مطلقة؟
النص لا يكتفي بإعلان الاكتمال، بل يُنهي بخاتمة حاسمة: “ورضيتُ لكم الإسلام دينًا”. هل الرضى هنا مجرّد تصديق، أم تثبيت للشرعية الأبدية؟
الرضى في هذا السياق ليس فعلًا وقتيًا مرتبطًا بالزمن النبوي، بل هو إعلان دائم بالقبول والشرعية المطلقة. الدين الإسلامي ليس خيارًا بشريًا تم التوافق عليه، بل هو اختيار إلهي لخاتمة العلاقة بين الخالق والمخلوق. فالوحي لا يُنتظر منه المزيد، ولا يُرتقب بعده وحي. وهذا ما يفسر أن الرضى هنا جاء بعد الكمال والتمام؛ لأنه يعبّر عن حكم نهائي في مصير التجربة الدينية.
ولكن، كيف يمكن لهذا الرضى أن يستمر في عالم تتغيّر فيه السياقات، وتتصارع فيه التأويلات؟ وهل الرضى الإلهي يعني دائمًا الرضى الاجتماعي؟
* ثالثًا: الدين والتدين: بين الثبات والوضعيات التاريخية:
هل يعني اكتمال الدين أن كل ممارسة دينية هي انعكاس للكمال؟ هنا يبرز سؤال حاسم: ما الفرق بين الدين والتديّن؟
الدين، كما تُشير إليه الآية، هو وحي إلهي ذو بنية مكتملة. أما التديّن، فهو التفاعل البشري مع هذه البنية، وهو متغير، نسبي، متأثر بالظروف التاريخية والاجتماعية. لذا، فإن كمال الدين لا يستلزم كمال التدين، بل على العكس، قد نجد ممارسات تدينية لا تمتّ إلى جوهر الدين بصلة، أو تحيد عن كماله.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى: كيف يتعامل الباحث مع نصٍّ كامل من حيث البناء، في واقع يشهد تدينًا ناقصًا أو مشوهًا؟ هل يعود ذلك إلى قصور في فهم النص؟ أم إلى تعقيدات الواقع؟
* رابعًا: الكمال في دنيا النقص: مفارقة الوجود البشري
في حياة الناس، يُقال: “الكمال لله وحده”. وهذا ما عبّر عنه أبو البقاء الرندي في بيته الخالد:
لِكُلِّ شيءٍ إذا ما تَمَّ نُقصانُ
فلا يُغَرَّ بطيبِ العيشِ إنسانُ
فكيف يُعلن النص القرآني كمال الدين، بينما كل شيء في عالم الناس خاضع للزوال والنقص؟ الجواب يكمن في التمييز بين المصدر والممارسة. فالدين الكامل نزل من عند الله، الكامل المطلق، أما الممارسة فهي تجلٍّ بشري لهذا الدين، وهي لا تسلم من القصور، ولا تنجو من التناقض.
لكنّ هذا لا يعني التشكيك في الكمال الإلهي، بل استدعاء دائم للعودة إلى مرجعية هذا الكمال لتقويم الممارسة، لا لنسخ النص أو تجاوزه.
* خلاصة مركبة: ما بعد الاكتمال:
إذا كان الدين قد كَمُل، والنِّعمة قد تَمَّت، والرضى قد ثُبّت، فإن التحدي الأكبر ليس في استحداث جديد، بل في الحفاظ على المسافة بين النص والتشويه، وبين الأصل والتقليد.
فهل يمكن بناء نماذج تدينية معاصرة دون المساس بالبنية الأصلية للوحي؟ وهل يستطيع العقل المسلم أن يُبقي هذا الكمال حاضرًا دون أن يختزله في طقوس أو جمود فقهي؟
إن الآية تُنهي عصر الوحي، لكنها تفتح أفقًا لا ينتهي في الفهم، والتفسير، والتجديد في ضوء الأصل لا على حسابه.
بهذا المعنى، يظل الرضى الإلهي حالة مشروطة بالبقاء في دائرة الكمال الأصليّة، وليس بالادعاء الزائف بامتلاكها دون مراجعة أو نقد.
___
* (تحقيق المعاني وتأصيل الدلالات من القرآن، واللغة، والتاريخ)





