النخلةُ التي فاوضتِ المدينةَ وانتصرت.. حينَ ينحني العُمران وتبقى النخلةُ المراكشيةُ واقفةً شامخةً تتوسط الطريق..

 

 

 

 

 

* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 

    في مراكش، المدينة التي تتزين بالنخيل كما تتزين القصائد بالاستعارات، يبدو أن بعض النخلات قد نالت حصانةً دبلوماسيةً تفوق ما تتمتع به بعض السفارات والقنصليات، حتى ليخال المرء أنها ارتقت إلى منزلةٍ لا ينازعها فيها أحد.

    فالطريق ينعطف احترامًا لها، والرصيف يتقوس إجلالًا لها، وحركة السير تعيد حساباتها، والمهم في النهاية ألا تُزعَج النخلة الموقرة في مقامها السامي.

    أنا ابنُ مجتمع الواحات، أعرف يقينًا أن النخلة ليست قطعةً أثريةً ملتصقةً بالأرض إلى يوم القيامة، ولا كائنًا يستحيل نقله. فمنذ عقود تُنقل أشجار النخيل بالشاحنات والرافعات من واحات الجنوب الشرقي إلى الفيلات والقصور والساحات العمومية والشوارع، ثم تعيش وتثمر بصورة طبيعية متى احترمت الشروط العلمية والتقنية لعملية نقلها وإعادة غرسها.

    وهذا أمرٌ معروف لدى المختصين؛ فالنخيل من الأشجار التي يمكن نقلها بنجاح إذا روعيت مجموعة من الضوابط، أهمها:

1.     الحفاظ على جزء كافٍ من الجذور.
2.     حماية القلب النامي (الجُمّار).
3.     تقليل الصدمة الميكانيكية أثناء النقل.
4.     إعداد حفرة مناسبة، مع توفير الري والمتابعة اللازمة بعد الغرس.

    ولهذا تُنقل بالفعل آلاف أشجار النخيل لتزيين الشوارع والمنتجعات والفيلات، سواء في المغرب أو في غيره من البلدان.

    لكن ما يحدث هنا مختلف.

    يبدو أن بعض نخيل المدن، وتحديدًا في مراكش، قد دخل مرحلةً جديدة، لم يعد معها مجرد شجرة، بل تحول إلى رمز يحظى بما يشبه التبجيل الحضري.

    أصبح التعامل معه أقرب إلى تعامل الهندوس مع البقر. هناك، يرى الهندوسي البقرة تمشي في وسط الطريق، فيفسح لها المجال احترامًا. وهنا، يبدو أن بعض مسؤولي التهيئة يرون النخلة تتوسط الشارع فيقولون بكل طمأنينة: “ليتغير مسار البشر… أما النخلة فلا تُمس.”

    ويا للمفارقة..!
    فبقرة الهند تأكل العشب، أما بعض نخيل مراكش فيستهلك جزءًا من ميزانيات التهيئة الحضرية والمجالية وهو واقف في منتصف الطريق، بينما يلتف العمران من حوله كما يلتف الماء حول الصخرة.

    وللإنصاف، فإن كثيرًا من المدن المغربية، ولا سيما ذات الطابع التاريخي أو السياحي، مثل مراكش، تتعامل مع بعض الأشجار المعمرة باعتبارها جزءًا من ذاكرتها العمرانية ورصيدها الرمزي، لا مجرد عنصر نباتي عابر. لذلك قد يُعاد تصميم طريق أو رصيف حفاظًا على شجرة قديمة.

    وهذا لا يعني بالضرورة وجود “تقديس” بالمعنى الديني، وإنما هو مزيج من المحافظة على التراث، والاعتبارات البيئية، والرمزية الجمالية.

    ومن زاوية أنثروبولوجية أوسع، تكاد جميع المجتمعات تصنع لنفسها رموزًا تتجاوز قيمتها المادية؛ فقد يكون الرمز شجرةً تاريخية، أو ضريحًا، أو حيوانًا مقدسًا، أو مبنىً عتيقًا، أو حتى صخرةً ارتبطت بالذاكرة الجماعية.
    وكما قال أبو نواس، ساخرًا من الوقوف على الأطلال:
    عاجَ الشقيُّ على دارٍ يُسائلُها
    وعُدتُ أسألُ عن خمّارةِ البلدِ.

    فالاختلاف بين الشعوب ليس في وجود الرموز، وإنما في طبيعة هذه الرموز وحدود التعامل معها. فهناك من يرفعها إلى منزلةٍ رمزية عليا، وهناك من ينظر إليها بوصفها جزءًا من دورة الحياة، ينتفع بها دون أن يجعلها فوق الإنسان.

    وهنا يفرض السؤال الأنثروبولوجي نفسه:
    إذا كانت بقرة الهندوس قد احتاجت قرونًا طويلة حتى ترسخت مكانتها في الوعي الجمعي، فكيف استطاع بعض نخيل مراكش، وفي زمن الإدارة الرقمية، والخرائط الطبوغرافية، والدراسات التقنية، أن يقنع المجلس الجماعي، ومكاتب الدراسات، ومهندسي التهيئة، بأن يلتوي الرصيف، وينحرف الطريق، وتُعاد هندسة المجال كله من أجله، بينما يبقى هو شامخًا في مكانه، لا يتحرك قيد أنملة؟

    وأيُّ مدرسةٍ في فن الإقناع تخرّجت منها هذه النخلة المراكشية حتى نالت من الحصانة العمرانية ما لم تنله حتى بعض السفارات والقنصليات؟

    وأنا أتأمل هذه المفارقة، عاد إلى ذهني فيلم «R+4» للمخرج داوود أولاد السيد، وبطولة عبد الله فركوس. لم يكن سبب التذكر قطعة الأرض، بل النخلة التي تتوسطها.

    يرث حميد بقعةً صغيرة لا تتجاوز ستين مترًا مربعًا، يحلم بأن يقيم عليها بيتًا يأويه وأسرته، لكن النخلة الواقفة في وسطها تتحول إلى ذريعة تمنعه من البناء، ويُمنع منعًا باتًا من اقتلاعها، حتى تبدو وكأنها اكتسبت حصانةً تعلو على حقه في الانتفاع بملكه.

    غير أن الفيلم يصوغ مفارقته الكبرى حين تنهار هذه الحصانة نفسها أمام النفوذ؛ فالنخلة التي كان الاقتراب منها محظورًا تصبح قابلةً للاقتلاع عندما تتبدل موازين القوة.

    وهنا يغادر الفيلم قصة العقار ليطرح سؤالًا يتجاوز الأرض إلى العدالة:
    هل كانت النخلة هي المانع الحقيقي… أم أن المانع كان هو صاحب الأرض؟

    ولعل هذا هو السؤال نفسه الذي تثيره بعض مشاهد التهيئة الحضرية في مراكش؛ فهناك منعت النخلة إنسانًا من أن يبني بيته، وهنا يُعاد رسم الطريق من أجلها.

    وفي الحالتين، لا تبدو النخلة هي البطل الحقيقي، بل السلطة التي تمنح الرمز قيمته، ثم تعيد تعريف هذه القيمة كلما تغيّرت موازين القرار.

    المشكلة، إذن، ليست في النخلة، بل في الإنسان الذي يقرر متى تصبح النخلة إرثًا لا يجوز الاقتراب منه، ومتى تتحول إلى مجرد شجرة يمكن اقتلاعها إذا اقتضت مصلحة الأقوياء.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...