تنامي العلاقات الافتراضيّة وتآكل الفعل التواصليّ: تحليل سوسيو-فينومينولوجي لأزمة الحضور في العصر الرقمي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* د. شنفار عبدالله

 

 

– الافتراضي كانزياح عن جوهر الممارسة التواصليّة:
  كيف يمكن للتواصل أن يتحول إلى آلية تفريغ عاطفي بدلاً من كونه وسيلة تعميق للوجود المشترك؟ تُشكّل العلاقات الإنسانية نسيجًا وجوديًا معقدًا، تتقاطع فيه الأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية في تشكيل ديناميات الاعتراف المتبادل. لكن مع تحوُّل المنصات الرقمية إلى فضاء مهيمن للتفاعل، أضحت العلاقات الإنسانية تعاني من انزياح افتراضي، حيث يُستبدل الحضور الجسدي والعاطفي بأداءات تواصلية شكلية تفتقر إلى العمق الوجودي. هذا الانزياح لا يقتصر على الفضاء الرقمي، بل يمتد ليشكِّل بنية خفية تُعيد تشكيل التفاعلات الواقعية ذاتها.
  تهدف هذه الورقة البحثيّة إلى تحليل ظاهرة الانزياح الافتراضي في ثلاثة مستويات:
1. المستوى الأسري،
2. المستوى التربوي،
3. والمستوى الاجتماعي،
مع تسليط الضوء على الآليات السوسيو-ثقافيّة التي تُعمِّق هذه الأزمة، واستكشاف سبل استعادة التواصل الحقيقي كفعل مقاومة ضد تفكُّك الروابط الإنسانية.
1. أولاً: الانزياح الافتراضي في العلاقات الأسرية: السكن المشترك والاغتراب العاطفي
  هل يمكن أن يصبح التواجد الجسدي في مكان واحد غطاءً لغياب الحضور العاطفي؟
  تشير عدة دراسات علم الاجتماع العائلي إلى تصاعد ظاهرة الأسرة المتوازيّة، حيث يعيش الأفراد تحت سقف واحد، لكنهم منغمسون في عوالم رقميّة منفصلة. وهنا، يُمارس التواصل الأسري كطقس شكلي يفتقر إلى التبادل والتفاعل العاطفي أو المعرفي العميق.
* ما بين الزوجان:
يُلاحظ تحوُّل الحوار الزوجي إلى تبادل معلوماتي جاف (مثل مناقشة الفواتير الماء والكهرباء والهاتف والإنترنت أو ترتيبات الأطفال)، بينما يتم تجنُّب النقاشات الوجوديّة حول المخاوف والطموحات أو الأزمات النفسيّة.
* ما بين الوالدان والأبناء:
العلاقة التربويّة تتحول إلى إدارة وتدبير حاجات بدلاً من كونها مساحة للتكوين العاطفي والفكري. حيث يُقدم الآباء الدعم المادي، لكنهم يغيبون عن بناء حوار يعترف بذاتيّة الطفل.
  هذا الانزياح لا يعكس فشلًا فرديًا، بل هو نتاج بنية ثقافيّة تروج للتفاعل السريع غير المتعمق، حيث تصبح العلاقات أشبه بخدمات على الطلب بدلاً من كونها التزامًا وجوديًا.
2. ثانياً: الافتراضي في الفضاء التربوي: التعليم كتلقين رقمي بدلاً من التكوين الإنساني
  هل يمكن اختزال التربية في نقل المعلومات، أم أنها بالأساس عملية بناء للذات المفكرة؟
  في ظل هيمنة النموذج الأداتي في التعليم، يُختزل دور المدرس إلى مزوِّد ومشحون بمعلومات، بينما يُنظر إلى الطالب كوعاء استهلاكي. هذا التحوّل يعكس أزمة أعمق في الفلسفة التربوية.
* المدرس الافتراضي: يُصبح التركيز على إنجاز المقرر بدلاً من تنمية الحس النقدي أو الإبداعي.
* الطالب المُستهلك: يتعامل مع المعرفة كسلعة مؤقتة لاجتياز الامتحان، لا كأداة لتشكيل الوعي.
  تشير أبحاث البيداغوجيا النقديّة إلى أن هذا النموذج يُنتج أفرادًا مُجزَّئين، قادرين على استدعاء كمّ هائل من المعلومات، لكنهم عاجزين كل العجز وغير قادرين على الربط بين المعرفة والواقع المعيش.
3. ثالثاً: الانزياح الافتراضي في المجتمع: الازدحام الجسدي والفراغ العاطفي
  كيف يمكن لمجتمع متصل رقميًا أن يكون منفصلًا وجوديًا؟
  التباعد الاجتماعي عبارة عن وباء صامت، حيث تُستبدل التفاعلات ح بأداءات تواصليّة سريعة. هذه الأداءات تُشكِّل وهمًا بالتواصل، بينما تُعمِّق الشعور بالعزلة.
  الصداقات الرقمية: تتحول إلى علاقات ظلية، تُبنى على صورة مُعدَّلة للذات، لا على الاعتراف المتبادل.
  الخطاب العام: يسود خطاب التفاعل السطحي (مثل المناقشات السياسيّة المُختزلة في شعارات)، مما يُفقد الحوار العام عمقه النقدي.
* استنتاجات عامة: استعادة التواصل كفعل مقاومة:
  إذا كان الانزياح الافتراضي يُشكِّل تهديدًا للوجود المشترك، فكيف يمكن استعادة التواصل الحقيقي؟
1. متطلبات الوعي النقدي: تفكيك ثقافة العلاقات السريعة عبر تعزيز الحوارات المتعمقة.
2. ضرورة إعادة تعريف التربية: تحويل التعليم من التلقين إلى بناء الذات المفكرة.
3. مطلب المقاومة بالحضور: اختيار التواجد العاطفي والجسدي كفعل يومي مُتعمَّد.
  في النهاية، التواصل الحقيقي ليس مجرد ترف، بل هو شرط أساسي لبقاء الإنسانيّة ككيان مرتبط. فكل حياة حقيقيّة هي بمثابة تجديد اللقاء.
فهل نختار الوهم المريح، أم الشجاعة الكافيّه لنكون حاضرين حقًا؟

*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ؛
مفكّر وباحث مغربي، متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة نقديّة، من مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنميّة (2000)، الفاعلون المحليّون والسياسات العمومية المحليّة (2015)، الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...