التزوير الإيديولوجي للتاريخ: تشريح الغدر والخيانة المنهجيّة بين أقنعة العلم ومخالب التعصب..

 

 

 

 

* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 

ليست المصيبة أن يُكتب التاريخ بيدٍ جاهلة، فذاك خطأ قابل للتصويب، وضلال يفضحه منطق الأشياء. المصيبة الكبرى، والبلاء الذي ينخر عظم الأمم، أن يُكتب بقلمٍ متعلّم يضبط الحرف ويُحسن الصياغة، لكنه يغمس مداده في سم العنصريّة، ويُشرّح الوقائع بمشرط التعصب الأيديولوجي.

هنا لا نواجه خطأ تاريخياً فحسب، بل نواجه جريمة معرفية مركّبة؛ إذ يخرج إلينا المزوّر بزيّ الأكاديمي النزيه، ليُلبس التحيّز الفجّ رداء النظرية، ويُقدّم الكراهية الممنهجة في أطباق المعرفة الموثّقة، صانعاً روايات زائفة تتوارثها الأجيال على أنها «حقائق علميّة» لا يرتقي إليها الشك.

إنه تزوير لا يتوسّل الغباء، بل يتقنع بالذكاء الخبيث. يُمارَس بوعيٍ جراحي بارد، وبحرفيةٍ تحسن فنون الحجب والتمرير والبتر والتدليس والتلفيق والزيادة والنقصان:

1. حجبٌ متعمّد لوثائق مفصلية لا تُرضي السرديّة المسوّقة، وكأنها لم تكن يوماً في مسرح الحدث.
2. تمريرٌ ماكر لأحداث هامشيّة أو عينة بحث أو دراسة حالة؛ يُنفخ فيها حتى تنتفخ كالحقائق المركزيّة، لتُلهي العين عن جوهر ما جرى.
3. •تحريفٌ ناعم للنصوص باقتطاعها من سياقاتها، لتؤدي معاني لم يقصدها أصحابها قط.
4. تدليسٌ فاقع بتفاصيل مفتعلة تُضاف ببراءة مصطنعة لإثبات مزاعم أيديولوجية جاهزة سلفاً.
5. بترٌ صريح لكل ما لا ينسجم مع الأجندة، فيُمسخ الجسد التاريخي ليبدو مشوّهاً على مقاس المزوّر.

وهكذا، يتحول التاريخ؛ في أيدي هؤلاء؛ من ساحة شاسعة للمعرفة والإنصاف، إلى معمل سري لصناعة الوعي الزائف، ووقود لصراعات لا تنطفئ.

والأدهى أن اكتشاف هذه الآليات ليس بالأمر الهيّن؛ لأن مرتكبيها لا يأتون من هوامش الثقافة، بل من صميم مؤسساتها.

إنهم أولئك الذين يُحسنون القراءة والكتابة بامتياز، ويحتلون مواقع استراتيجية في التدريس والبحث والإعلام، ويتوسلون بشهاداتهم وبروتوكولاتهم الأكاديميّة كدروع واقية، ليُهرّبوا سردياتهم المشوّهة إلى وعي الجماهير وكأنها خلاصة الفكر وثمرة التحقيق.

يرتدون ثوب المثقف ليُضفوا على أحكامهم المسبقة قداسة العلم، فتغدو مغالطاتهم أشد فتكاً من الجهل الساذج؛ ذلك أن الجاهل يُخطئ فيُكتشف، أما المتعلم المزوّر فيُضلّل وعليه أوسمة الخبرة.

غير أن الحقيقة التاريخيّة أصلب عوداً من كل محاولات الطمس. إنها قوّة كامنة، لا تموت، تنام في بطون الوثائق المهملة، وتختزن في ذاكرة الشهادات الحيّة، وتسكن الوعي الجمعي للأمم، تنتظر لحظة الانبثاق على أيدي باحثين يمتلكون أمانة المنهج وشجاعة المواجهة الفكريّة، فيفضحون الزيف ويقيمون صرح الحقيقة على أنقاض التدليس.

التاريخ حقل شديد الحساسيّة، لأنه الذاكرة الحيّة التي تصوغ الهوية وتُشكّل مصير الجماعات. وحين يتعامل معه متعصب يلبس ثوب المثقف، يغدو أكثر قدرة على تمرير سمومه في عسل الخطاب العلمي، فيصبح ضرره متعدياً للأفراد إلى بنية الوعي الجمعي ذاته.

لذلك، فإن المواجهة الحقيقيّة للتزوير الأيديولوجي لا تكون بالصراخ ولا بالشعارات، بل ببناء وعي نقدي صارم لدى القارئ، وترسيخ قيّم النزاهة العلميّة التي لا تساوم، والتزام المنهج الصارم في التحليل والاستقصاء، وفضح أساليب الحجب والانتقاء والتحريف والانتحال كلما طلّت برأسها من تحت أقنعة العلم.

فالتاريخ لم يكن يوماً، ولن يكون، ملكاً لطائفة تحرسه، ولا لقبيلة تحتكره، ولا لأيديولوجيا تصمّمه على هواها.

التاريخ؛ ذاكرة الإنسانيّة في صيرورتها، وصورة من صور الحقيقة الكبرى، يجب أن تُكتب بأمانة من لا يخاف، وتُقرأ بعقل من لا ينخدع أو تنطلي عليه الحيلة، وتُناقش بإنصاف من لا ينحاز.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...