* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
من أكثر الأوهام رسوخًا في الحياة المهنيّة أن يعتقد الموظف أن غيابه، ولو ليوم واحد، سيؤدي إلى تعطّل العالم من حوله..!
ويشتد هذا الوهم كلما ارتفعت المسئوليّة شْوَيّة، واتسعت دائرة الاختصاص والصلاحيات الممنوحة، وطالت سنوات الارتباط بالمؤسسة.
عندها يبدأ الموظف بتأجيل إجازاته، ويحمل العمل إلى بيته، ويظل حاضر الذهن حتى في أوقات الراحة، مقتنعًا بأن انتظام المرفق العام أو المؤسسة يتوقف إلى حد بعيد على الوُجُود الفعلي والشخصي له.
لكن الحقيقة أكثر هدوءً وبساطة، وأعمق دلالة؛ فالعالم لم يبدأ بنا، ولن يتوقف عند غيابنا.
هذه الحقيقة ليست دعوة عدميّة تهدف إلى التبخيس أو إلى التقليل من قيمة العمل والالتزام أو إلى التهاون في أداء الواجب؛ بل هي دعوة إلى إعادة النظر في العلاقة النفسيّة التي يقيمها الموظف مع عمله، وفي الثقافة المؤسسيّة التي تجعل الانشغال المستمر معيارًا للجدارة والكفاءة في الأداء، حتى يغدو الموظف أسيرًا لفكرة مفادها أن قيمته المهنية تُقاس بمدى استنزافه واستغراقه لذاته..!
هذه المسألة ليست جديدة في العلوم الإداريّة؛ فقد تناولها الفيلسوف البريطاني (برتراند راسل) في مقالته الشهيرة تحت عنوان: «في مديح الكسل»، وهي من أكثر النصوص الفلسفيّة شجاعة وجرأة في نقد أخلاقيّات الإفراط في العمل الحديثة.
غير أن عنوان المقالة قد يوقع القارئ في سوء فهم؛ فمفهوم «الكسل» عند المفكر (راسل)؛ ليس دعوة إلى البطالة أو التنصل من المسئوليّة أو التقاعس في العمل، بل هو دفاع عن حق الإنسان في الاستمتاع بوقت من الفراغ بوصفه شرطًا لازدهار الفكر والإبداع والتوازن النفسي.
وينطلق (راسل) من ملاحظة دقيقة مفادها أن الحضارة الحديثة ورثت تصورًا أخلاقيًا يجعل كثرة العمل فضيلة في خدّ ذاتها، حتى أصبح الإنسان يُقاس بعدد الساعات التي يقضيها في العمل، لا بجودة ما ينجزه، ولا بالأثر الذي يتركه، ولا بقدرته على الإبداع وحسن التدبير.
وهكذا نشأت ثقافة تمجّد الانشغال المفرط، حتى أصبح الإرهاق دليلًا على الإخلاص، وأضحت الراحة تُفسَّر أحيانًا بوصفها تقصيرًا، لا حاجة إنسانيّة مشروعة.
ومن هنا يبرز الفرق الجوهري بين العمل والإفراط في العمل. فالعمل ضرورة اجتماعيّة وأخلاقيّة لا تستقيم الحياة من دونها، وهو أساس ضمان السيادة والوُجُود والاستمرار والأمن والطمأنينة والسكينة والاستقرار والتنمية والعمران وتحقيق المصلحة العامة.
أما الإفراط في العمل فهو تجاوز الحد الذي يبقى فيه العمل وسيلة، ليغدو غاية في ذاته، ويتحول فيه الالتزام المهني إلى هوية نفسية مغلقة، ويصبح الإنسان أسيرًا لفكرة أنه لا يملك حق التوقف أو التفويض أو الاستراحة.
وليس بعيدًا عن هذا المعنى ما يمكن تسميته بثقافة الاستغناء؛ فالإنسان لا يُستنزف فقط بما ينجزه، وإنما أيضًا بما يعتقد أنه لا يستطيع الاستغناء عنه.
وكما يصنع السوق حاجاتٍ قد لا تكون ضروريّة، تصنع الثقافة المهنيّة بدورها حاجاتٍ رمزيّة، فيتوهم الموظف أن المؤسسة لا تستقيم إلا بحضوره، وأن قيمة وجوده تُقاس بمدى صعوبة الاستغناء عنه.
والحال أن الاستغناء، في الحالتين، ليس إنكارًا للحاجة، بل إعادة تعريف لها.
إنه لحظة نقد يكتشف فيها الإنسان أن كثيرًا مما اعتبره ضرورة لم يكن سوى بناءٍ ثقافي أو نفسي ترسخ بفعل العادة والتوقعات الاجتماعية.
ومن هنا يغدو الاستغناء فعلًا تحرريًا، لا لأنه يرفض العمل أو تحمل أمانة المسئوليّة، بل لأنه يعيد العلاقة بهما إلى حدودها الطبيعية، فيتحول الإنسان من أسيرٍ لوهم الضرورة إلى فاعلٍ يملك حرية تحديد ما يحتاج إليه حقًا.
وهنا يبدأ الاستنزاف الحقيقي للجهد الفكري والجسدي والصحي والنفسي.
فليس ما يرهق الإنسان دائمًا كثرة المهام، بل الإحساس المستمر بالمسؤولية المطلقة، والخوف المزمن من الخطأ ومعناه: مخالفة الضوابط القانونيّة والغلط، ومعناه: توهُّمُ الشيء والأمور على غير حقيقتها، والاعتقاد بأن المؤسسة لا يمكن أن تستمر بالكفاءة نفسها في غيابه.
وهذا الوهم يمنح صاحبه شعورًا خفيًا بالأهمية، لكنه يسلبه في المقابل صفاء سريرته الداخليّة، ويجعله حاضرًا في العمل، وغائبًا عن أسرته، منشغلًا في إجازته، متوترًا حتى في لحظات راحته الصحية، حتى يصبح التعب جزءً من تعريفه لنفسه.
غير أن المؤسسات الرشيدة لا تُبنى على أساس أشخاص لا يمكن الاستغناء عنهم، وإنما تُبنى على أساس أنظمة وإجراءات ومعارف مؤسسيّة تضمن وُجُود واستمراريّة واستقرار المرفق، بصرف النظر عن تغير الأشخاص بقاؤهم أو ذهابهم.
فالمؤسسة التي تتوقف بغياب فرد، مهما بلغت كفاءته، لا تعبّر عن قوّة تنظيميّة؛ بل تكشف عن خلل بنيوي في بنيتها الإداريّة وآلياتها في الإدارة والتدبير والتسيير.
ولهذا، فإن الإدارة الحديثة لم تعد تقيس نجاحها بوجود “الموظف البطل أو المُنقد أو المُخَلّص” الذي يحمل المؤسسة على كتفيه، ويختزل نجاحات باقي المؤسسات والأفراد في شخصه؛ وإنما بقدرتها على توزيع المعرفة، وتفويض الاختصاص والصلاحيات والمهام، وتوثيق الإجراءات، وصناعة البدائل، وبناء ذاكرة مؤسساتيّة تضمن وُجُود واستمراريّة الأداء وجودته.
وإذا أسقطنا هذه الرؤية على واقع الوظيفة العموميّة المغربية، وجدنا أن الإشكال لا يرتبط دائمًا بوفرة العمل أو قلته، بل كثيرًا ما يرتبط بثقافة تنظيميّة تجعل بعض الملفات حبيسة مكاتب بعينها، أو مرتبطة بأشخاص بعينهم، فينشأ انطباع لدى المرتفقين بأن الإدارة تتوقف بغياب موظف معين، بينما يكشف ذلك في حقيقته عن حاجة إلى مزيد من التنظيم، والتفويض، ورقمنة المساطر، وتدبير المعرفة داخل المرفق العمومي وإشراك نواب في مسلسل ومسارات القضايا والمشاكل والقرارات حتى نضمن ذاكرة للإدارة.
فالوظيفة العموميّة، في جوهرها، ليست مجالًا لإبراز أهمية الأفراد بقدر ما هي فضاء لضمان استمراريّة واستقرار الخدمة العامة وفق مبادئ المساواة والانتظام والاطراد. ومن ثم، فإن نجاح الإدارة لا يُقاس بمدى اعتمادها على موظف استثنائي خارق للعادة، وإنما بقدرتها على أداء وظائفها بالكفاءة نفسها، مهما تغير الأشخاص أو تعاقبت المسؤوليات.
ومن زاوية أخرى، لا يكمن الاستنزاف المهني في كثرة العمل وحدها، بل قد ينشأ من البيئة التنظيميّة ذاتها. فكم من موظف لا يرهقه حجم الملفات بقدر ما يرهقه غياب الأمان النفسي داخل محيط العمل؛ إذ يقضي يومه حذرًا من كلمة قد تُساء قراءتها، أو اجتهاد قد يُفهم على غير مقصده، أو صمت قد يُحمَّل دلالات لم يقصدها.
وعندئذ يصبح العبء النفسي أثقل من عبء المهام، لأن العقل يعمل في حالة تأهب وحذر دائمين، وهو ما ينعكس سلبًا على جودة الأداء، واتخاذ القرار، والعلاقات المهنيّة.
ولذلك، فإن الراحة ليست ترفًا إداريًا، ولا امتيازًا شخصيًا، وإنما ضرورة نفسية وعقلية ومهنية. ففي أوقات الفراغ يستعيد الإنسان توازنه، ويجدد طاقته، ويعيد ترتيب أولوياته، ويجد متسعًا للقراءة والتأمل والإبداع، وهي كلها عناصر تنعكس مباشرة على جودة أدائه عندما يعود إلى عمله.
وليس من قبيل المصادفة أن كثيرًا من أعظم الإنجازات الفكريّة والعلميّة والأدبيّة وُلدت في لحظات التأمل والهدوء، لا في بيئات الاستنزاف المستمر. فالعقل، كما يحتاج الجسد إلى النوم، يحتاج إلى فسحات من السكون ليعيد إنتاج أفكاره ويستعيد قدرته على الابتكار.
ويبقى البعد الأعمق في هذه القضية هو علاقة الإنسان بذاته. فإذا استمد الموظف قيمته من وظيفته وحدها، فإن أي تعثر مهني، أو انتقال إداري، أو تقاعد، أو غياب اضطراري، سيبدو وكأنه فقدان لمعنى وجوده. أما إذا أدرك أن العمل أحد أدواره في الحياة، لا الحياة كلها، فإنه يصبح أكثر اتزانًا، وأكثر قدرة على العطاء، وأقل خوفًا من التغيير.
إن الحكمة لا تكمن في أن نكون أكثر انشغالًا، بل في أن نحسن تدبير انشغالنا، وأن نعرف متى نعمل، ولماذا نعمل، ومتى نستريح. فالإنتاج الحقيقي لا يُقاس بعدد الساعات، وإنما بجودة الأثر، كما أن قيمة الموظف لا تُقاس بقدر ما يستنزف نفسه، بل بقدر ما يسهم في بناء مؤسسة قادرة على الاستمرار من بعده.
وفي النهاية، فإن أجمل ما نتعلمه من هذه الرؤية أن العالم لا ينتظر أحدًا، وهذه ليست حقيقة قاسية، بل حقيقة مطمئنة؛ لأنها تعلّمنا التواضع، وتحررنا من وهم أن العالم يتوقف على خدماتنا، وتدفعنا إلى أداء واجباتنا بإخلاص، ثم مغادرة مكاتبنا ونحن مطمئنون إلى أن قيمة الإنسان لا تكمن في أن يكون محور دوران المؤسسة، بل في أن يترك وراءه مؤسسة أكثر انتظامًا، وأكثر قدرة على خدمة الناس، وأقل اعتمادًا على الأفراد.
فذلك هو المعنى الحقيقي للنجاح الإداري، وهو أيضًا جوهر الفلسفة التي دافع عنها (برتراند راسل): أن العمل وسيلة لبناء حياة إنسانيّة وُجوديّة كريمة، لا غاية تبتلع الإنسان وتستنفد وجوده.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





