الدولة بوصفها حاملًا للمعنى: تأويل في رمزيّة الخطاب الملكي السامي بمناسبة عيد العرش
* د. شنفار عبد الله(*)
تمهيد: حين يصبح النص القرآني بوابة لقراءة الدولة
فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف [سورة قريش: الآيتين: 3-4]؛ ليس مجرد ختام بلاغي يتخلل خطابًا رسميًا، بل مفصل دلالي يفتح المجال لتفكيك شبكة العلاقات بين الشرعيّة السياسيّة والدعامة القيميّة للدولة.
فالآية لا تُستدعى من موقع التزكيّة الدينيّة؛ بل تُستثمر كحقل دلالي مركّب، يُعبر من خلاله عن رؤية حكم تتجاوز منطق السلطة إلى أفق الرعاية الاجتماعيّة، ومن التقنين إلى التأويل الأخلاقي لمهام الدولة.
هنا، يتجلّى النص بوصفه مرآة لتاريخ اجتماعي ورهانات مستقبليّة، لا كصيغة آيديولوجيّة جامدة، بل كنسقٍ تأويلي يُمهّد لإعادة رسم ملامح الدولة الوطنيّة الاجتماعيّة كمؤسسة تجمع، لا فقط بين السلطة والشرعيّة، بل بين المعنى والعدالة.
أولًا: الدولة بوصفها حاضنة للمعنى: من الحماية إلى التأسيس الرمزي
هل يكفي للدولة أن تُشبع بطون الناس وتؤمن حدودهم؟ أم أن مهمتها العميقة تكمن في صناعة المِخيال الجمعي الذي يربط الأفراد بمصيرهم المشترك؟
إن الآيتين الكريمتين، إذ تمزجان بين مفهومي “الإطعام” و”الأمان”، تُقدِّمان مفهومًا غير تقليدي للحكم، حيث لا تنحصر وظيفة الدولة في توزيع الموارد، بل في بث المعنى أيضاً.
فالمواطن لا يُطمأن فقط بتوفر الخبز، بل بوجود بنية رمزيّة تعيد ترسيخ إحساسه بالكرامة والانتماء.
هنا، تغدو الدولة كيانًا قيمياً، وليس جهازًا بيروقراطيًا، حيث تُقاس جدارتها لا بكفاءة الأداء فحسب، بل بقدرتها على تجسيد تصور عادل ومُعاش عن الحياة الكريمة.
ثانيًا: الشرعيّة كأفق قيمي: بين المعطى السياسي والمطلب الوجودي
في مجتمعات تتآكل فيها الثقة وتُفرغ مفردات “العدالة” و”المواطنة” من مضامينها؛ تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف الشرعيّة لا بوصفها منتَجًا انتخابيًا أو تعاقدًا إجرائيًا؛ بل كأفق قيمي يؤسس للعلاقة بين الحاكم والمحكوم.
فالدولة التي تؤمّن من الخوف وتُطعم من الجوع وتضمن الوُجود والأمن والاستقرار والاستمرار والتنميّة والعمران؛ ليست فقط ملاذًا اقتصاديًا أو أمنيًا، بل هي بنية رمزيّة تنتج الثقة وتؤطرها في مشترك وجودي.
ومن هنا تنبثق إشكالية، تتمحور حول ما الذي يمنح السلطة شرعيتها ومشروعيتها في زمن تتشظى فيه المرجعيّات؟ هل تكفي القدرة على الادارة والتدبير، أم أن الشرعيّة والمشروعيّة، الحقيقيّة لا تُنتج إلا في الحقل الرمزي الذي يُجذر الأمان في المعنى، لا فقط في ضمان وسائل المعاش المستدام؟
ثالثًا: الإطعام من الجوع، الأمن من الخوف، والعدالة الاجتماعيّة في ظل مؤشّرات التنمية: أيُّ معنى للتقدّم؟
على الرغم من التقدّم الكمي الذي أحرزته مؤشّرات التنمية البشرية في المغرب، وتراجع نسب الفقر متعدد الأبعاد، فإنّ التفاوتات المجالية العميقة واستمرار الهشاشة القرويّة يفرغان هذا التقدّم من مضمونه التحرّري.
فهل تُختزل التنميّة في تحسين الأرقام، أم تُقاس بقدرتها على ضمان كرامة العيش وتكافؤ المصير؟ وهل يكفي الدعم المباشر في ظل غياب مشروع مجتمعي يمكّن الفرد من إنتاج ذاته ضمن أفق جماعي؟
الدولة الوطنيّة، بما هي فاعل سياسي وأخلاقي، مدعوّة إلى إعادة تأطير سياساتها من منطق التوزيع إلى منطق العدالة المجاليّة، ومن إدارة وتدبير الظرفي؛ إلى بناء الثقة البنيوي.
فالإطعام من الجوع والأمن من الخوف، كما تشير الآية، ليسا مجرد استجابتين ظرفيتين، بل شرطا تأسيس لأي مشروع وطني يُعيد توزيع القيمة والمعنى.
والسؤال الجوهري يظل: هل نريد تنمية تُنمّي الأرقام، أم دولة تُعيد ترتيب الأولويات حول الإنسان بوصفه غاية السياسات العامة والعموميّة والقطاعية، لا وسيلتها؟
رابعًا: الأمن بمعناه القيمي: بين الطمأنينة الوُجُوديّة والحماية المؤسساتيّة
في تأويل مركّب، لا يُختزل “الأمن” في المعطى الأمني التقليدي، بل يُفهم بوصفه بناءً متكاملًا للطمأنينة والسكينة.
فالأمن ليس فقط ما تمنحه الدولة من حماية ماديّة، بل هو شعور داخلي يُولد من عدالة التوزيع، وضمان الحقوق، وتكافؤ الفرص.
الإحساس بالأمان لا ينبع من غياب الخطر فحسب، بل من حضور الإنصاف. وما الآيتان إلا إشارة إلى هذه المقاربة المزدوجة: “الإطعام من جوع” يقتضي سياسات عدالة مجاليّة وكرامة اقتصادية واجتماعيّة؛ و”الأمان من الخوف” لا يستقيم دون سيادة القانون وثقة المواطن في مؤسساته.
يقول جلالة الملك محمد السادس حفظه الله: “لا نريد مغربًا بسرعتين: أغنياء يستفيدون من ثمار النمو ويزدادون غنى، وفقراء خارج مسار التنمية ويزدادون فقرًا وحرمانًا.”
إنهما بعدان لا يتنازعان، بل يتكاملان في عقد اجتماعي يستند إلى المعنى قبل الأداة، وإلى الكرامة قبل الخدمة.
خامسًا: الدولة العاقلة: من الردع إلى الرعاية، ومن الشرعيّة الإكراهية إلى المشروعيّة القيميّة
إذا كانت الدولة، في نسختها الحداثيّة، تُعرَّف بقدرتها على فرض وحفظ النظام العام، فإن الدولة في ظل تأويل الآيتين تُستبصر بوصفها راعيّةً.
لا تتجلى قوتها في النزعات التّسلطِيّة، بل في القدرة على الإصغاء لنبض شعوبها؛ لا في الردع، بل في الرعاية الاجتماعيّة.
هي دولة “عاقلة”، لأن شرعيّتها ومشروعيتها؛ لا تنبع من الهيمنة، بل من الوفاء لوعود وجوديّة تختزلها الآية بذكاء في “الخبز” و”السكينة”.
هذه الدولة تُربّي ولا تُرهب، وتُطمئن ولا تُهدد، وتُؤسس ولا تُخضع. وهنا تبرز المفارقة: ليست الشرعيّة في الهيمنة الرمزيّة أو القوّة الماديّة، بل في قدرة الدولة على تحويل السلطة إلى مسئوليّة، وعلى جعل المواطن يرى ذاته في المرآة السياسيّة دون اغتراب أو استلاب.
سادسًا: نحو مقاربة ترابيّة مركّبة: أي نموذج للتنميّة في ظل التفاوتات المجاليّة والاجتماعيّة؟
في ظل تصاعد التفاوتات البنيويّة والفجوات المجاليّة، لم يعد كافيًا الرهان على أدوات التنميّة الاجتماعية التقليديّة التي تُعالج الأعراض دون تفكيك البنية المُولّدة لها.
فالسؤال لم يعد فقط عن مدى فعالية السياسات العامة والعموميّة والقطاعيّة، بل عن منطق إنتاجها وموقع المجال في بنيتها.
فهل تُختزل الجهويّة في إعادة توزيع المشاريع والبرامج، أم تُعاد من خلالها صياغة العلاقة بين الدولة والمجال ضمن أفق تشاركي يزاوج بين العدالة الترابيّة والنجاعة المؤسساتيّة؟
لا تنمية بدون تفكيك عقليّة المركز، ولا عدالة بدون إعادة تعريف الدولة كفاعل يضمن الحق في المجال، لا كمجرد موزّع للموارد.
وحين يتقاطع سؤال الماء مع سؤال الدولة، تُصبح الاستدامة مسألة سيادة أكثر منها مجرد تدبير تقني.
بذلك، تغدو التنميّة مشروعًا سياسيًا بامتياز، يُعيد رسم الحدود بين الدولة، المواطن، والمجال.
فهل نحن بصدد هندسة جديدة لعقد اجتماعي ترابي، أم مجرد إعادة إنتاج للأدوات القديمة ضمن خرائط لغوية جديدة؟
سابعًا: إستنتاجات تأمليّة: حين يُصبح النص الديني فضاءً للتأويل السياسي لا أداة للشرعنة
ليست الغاية من توظيف النص القرآني في الخطاب السياسي هو خلق قداسة حول الدولة أو تبرير سياساتها، بل العكس تمامًا؛ هو إعادة فتح أفق المعنى على الدولة، ومنحها بعدًا إنسانيًا وأخلاقيًا يتجاوز منطق الادارة والتدبير.
فالآية لا تُغلِق النقاش بل تفتحه، ولا تُطمئننا إلى ما هو قائم؛ بل تدفعنا إلى مساءلته. إنها لحظة استدعاء رمزي من أجل تأويل مسؤول، لا شعار للتزيين البلاغي.
والسؤال الذي تُخلفه، يبقى مفتوحًا وملغومًا في الآن ذاته: هل يمكن أن تكون الدولة اليوم حاملًا للمعنى، وليس فقط مانحةً للأمن؟
وهل تستطيع، في زمن الشك العام وانعدام اليقين، أن تستعيد دورها كراعيّة لا كمتحكمة، وكضامنة للكرامة الوُجُوديّة الإنسانيّة، لا كحارسة للنظام؟
إن هذا التأويل لا يسعى إلى جعل من الدولة أسطورةً، بل إلى مساءلتها؛ لا إلى تديين السياسة، بل إلى تسييس القيّم؛ لا إلى تثبيت المشروعية في الماضي، بل إلى تأسيسها على المستقبل المشترك.
فحيث يكون الخوف والفقر والجوع والمرض، مجرد أعراض؛ يكون غياب المعنى هو المرض الحقيقي، وتكون الدولة إما هي العلاج أو جزءً من العلّة.
ثامنًا: خلاصة مركّبة: الدولة كإجابة عن سؤال الإنسان
في الأخير، لا يعود السؤال الجوهري متعلقًا بما إذا كانت الدولة توفّر الأمن أو الغذاء والطعام وضمان الأمن الغذائي والطاقي، بل ما إذا كانت تضمن للإنسان معنى وجوده داخل جماعة سياسيّة.
ففي عالم يُعاد تشكيله من قِبل قوى العولمة؛ يصبح المطلب القيميّ، كما في الآية، هو الحَكَم على مشروعية الدولة ومآلاتها.
فإما أن تكون الدولة تعبيرًا عن العدل، أو تفرغ من المعنى؛ إما أن تحتضن الإنسان كغاية، أو تختزله في أرقام ومؤشرات.
وبهذا المعنى، يتجاوز النص القرآني وظيفته التعبديّة، ليُصبح أداة لتفكيك الدولة الحديثة، لا بنفيها، بل بتأويلها من الداخل، في ضوء سؤال مايزال معلقًا: كيف نبني دولة تَطعم من الجوع وتؤمّن من الخوف، وتضمن وُجود الدولة وأمنها واستقرارها واستمرارها وتنميتها وعمرانها؛ دون أن تُفقِد الإنسان نفسه في الطريق؟
____
(*)– نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ؛ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





