* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ
– التضوّر: لغةً واصطلاحًا:
في اللغة، “تضوّر” من الجذر (ض و ر)، وهو فعلٌ يدلّ على التلوّي من الألم أو الجوع، ويُقال: تضوّر جوعًا، أي اشتدّ به الجوع حتى تلوّى جسده وأخرج صوتًا من ألمه.
وجاء في المعاجم: تضوّر يتضوّر تضوّرًا، أي صرخ أو أنَّ أو تلّوى من شدة الجوع أو الضرب. وهو صوت البطن حين يخلو من الغذاء، وصوت المتألّم حين يعجز عن الصمت.
أما اصطلاحًا، فقد تجاوز التضوّر دلالته الحسيّة إلى أفقٍ مفاهيميّ يُحيل إلى الجوع المُمنهج لا العارض، وإلى الألم البنيوي لا الظرفي. إنّه حالة وجوديّة مركّبة تُعبّر عن انكسار الكائن الإنساني تحت وطأة النقص، لا في الطعام فقط، بل في الأمان، وفي الكرامة، وفي حقّه البديهيّ في الامتلاء. والتضوّر في هذا السياق يصبح ليس فعلًا جسديًا فحسب، بل لغة للمقاومة الصامتة، وجغرافيا للألم الاجتماعي المسكوت عنه.
ليس “التضوّر” مجرّد جوع، بل هو الجوع حين يفقد حياده الفيزيولوجي، ويتحوّل إلى حالة وجوديّة تُربك الكيان كلّه. فاللفظة، في أصلها العربي، تحيل إلى التلوّي والصوت الخارج من الأعماق: وجع يتخطى المعدة ليصبح لغةً للألم وصدىً للحرمان. إنه الجوع حين يُقهر الإنسان لا من فراغ الطعام فحسب، بل من امتلاء القهر. في “التضوّر” تنقلب اللغة على ذاتها: من مجرّد توصيفٍ لحالة، إلى بلاغة مأساويّة تُترجم نظامًا من التجويع، حيث الصوت الخارج من البطن ليس فعلًا غريزيًا، بل شهادة ضدّ الصمت المُعمَّم
في زمن يُختَزل فيه الإنسان إلى عُقدةٍ من الاحتياجات البيولوجيّة، ماذا يبقى من كرامته حين يصير الجوع ليس فقط صمتًا في المعدة، بل صراخًا في الضمير؟ وكيف يمكن للغة أن تُمسك بتلابيب الألم حين يصبح “التّضوّر” ليس فعلًا لغويًا متداولًا، بل معيشًا يوميًا، يتحرك في الأزقة ويصرخ في الظلال؟
ليست غزة جائعة بالمعنى الاقتصادي الصرف، بل هي متضوّرة: متلويّة من قهر مركّب يتجاوز فقدان الخبز ليبلغ غياب الأمان، وتجرّع اللوعة ومضغ الألم واجترار اليأس واستحضار الذكريات الأليمة وانكسار الروح أمام عنفٍ لا يُقاس بالمعدّلات ولا تُرصد آثاره بالأرقام.
أولًا: الجوع: حين يصير الاحتياج معبرًا عن الهيمنة
ليس الجوع في غزة طارئًا أو محض عارضٍ إنساني، بل هو فعل مقصود، مُصمَّم في بنيته ليكون أداة سيطرة لا تقل فتكًا عن الصواريخ.
فالمعابر لا تُغلق فقط لتقييد الحركة، بل لتضييق ما يُسمّى “الهامش الحيوي” لبقاء السكان. هنا، لا نتحدث عن شح في الموارد، بل عن تجويع ممنهج، وعن رغبة في تقليص الإنسان إلى كائنٍ متضرّع، يتلوى من الداخل ويتآكل من ذاته.
إنّ “التضوّر” هنا لا يُشير فقط إلى ألم البطن، بل إلى انكسار الفعل الإرادي، وإلى استسلام الجسد أمام احتكار الخبز كأداة تحكُّم.
إن التضوّر الغزّي هو نوع من الخطاب السياسي المسكوت عنه، حيث يُمارس القهر والإدلال من خلال إضعاف الأجساد، ومن ثم تقويض الإرادة.
التضوّر هو تَجسيدٌ لفعل “ضارَ” كما في الجذر العربي، لا بمعناه الحركي فحسب، بل بما يحمله من دلالات الجوع القاهر والحرمان المؤلم المؤدلج.
فما يُراد لغزة ليس أن تجوع فحسب، بل أن تعتاد الجوع، أن تُروّض على القلّة، وتُدرَّب على تقبّلها كقَدَر لا كجريمة.
ثانيًا: الخوف: من صمت السماء إلى ضجيج الذاكرة
لكن هل يكتمل الجوع بلا خوف؟
في غزة، لا يُفصل الخبز عن الأمان، ولا يُنتزع الحليب من يد الأم دون أن يرتعش جسدها خوفًا من قصفٍ قد يأتي بعد دقائق.
الخوف في هذه المدينة ليس حالة نفسيّة طارئة، بل بيئة دائمة، نَفَسٌ يملأ الرئتين ويستقر في العظام. فالطفل الذي يتضور جوعًا لا يفصل بين ألم المعدة وارتجاف الجدران، إذ كليهما متصلان بمنظومة حرمان تُعِدّه لعيشٍ مُجتزأ، في عالم لا يسعه ولا يعترف بحقه في الاطمئنان.
الخوف هنا ليس فرديًا، بل متوارث، متداخل مع الذاكرة الجمعيّة التي تُعيد تكرار الأسى بصورٍ جديدة. والخوف لا يعني مجرد توقع الأذى، بل هو معرفة عميقة بأن الحياة يمكن أن تُنتزع بلا مقدمات.
لذلك، فإن التضوّر في غزة ليس صرخة فردٍ بل نداء جماعي من مجتمع يعاني من “انعدام الأمان الوُجودي”، حيث لا غذاء، ولا شراب مضمون، ولا مأوى آمن، ولا مستقبل يمكن التخطيط له.
ثالثًا: في التفكيك: حين يصير الفقر بنية لا حالة
قد يُغري البعض اختزال الألم والمأساة في عناوين “المجاعة” أو “الاحتلال”، لكن مثل هذا الاختزال يفوّت علينا قراءة البنية المركّبة للقهر.
إن غزة لا تعاني من فقرٍ مادي فقط، بل من بنية إفقار ممنهج، تجعل من التضوّر حالة يوميّة مفروضة، لا نتيجة طبيعيّة لضعف الموارد، بل ثمرة مباشرة لسياسات تجويع وعزل وعقاب جماعي.
التضوّر هنا ليس مجرد حالة فيزيولوجيّة، بل مفهوم سوسيولوجي يُعبّر عن تمفصلات الهيمنة في تفاصيل الحياة اليوميّة: من رغيف الخبز إلى جرعة الدواء، من الخوف من الغد إلى الحنين لأمسٍ أكثر رحمة.
فما يُرتكب في غزة ليس مجرّد تجاهل لحقوق وكرامة الإنسان الوُجُديّة، بل إعادة إنتاج لصيغة “اللامرئي”؛ حيث يُفترض بأهلها أن يتأقلموا مع الجوع، أن يبرّروا خواء وفراغ الموائد، أن يُخضعوا أحلامهم لاقتصاد الحصار.
وهذه هي أخطر أنواع الهيمنة: حين يُطالَب الضحية بالصمت، لا لأن الظلم مشروع، بل لأن معاناته صارت معتادة.
رابعًا: المفارقة المأساوية: حين يُنتزع المعنى من الجسد والروح معًا
في غزة، يقف الناس بين الآيتين:
يُحاولون الثبات كأولياء، لا يخافون ولا يحزنون، رغم أن الجوع ينهش بطونهم والخوف يُقيّد أنفاسهم.
السكينة التي وعد الله بها أولياءه، يقابلها في واقعهم حصارٌ يقطع عنهم الطعام ويزرع في قلوبهم الرعب.
والأمان الذي امتنّ به على قريش، يُنتزع اليوم من أطفال غزة، كأنما يُعاقَبون على وجودهم ذاته.
إذا كان الله قد رفع عن أوليائه الخوف والحزن تكريمًا، وأطعم قومًا وآمنهم شكرًا، فإن ما يُرتكب اليوم في غزة هو نقيض هذا التكريم وخرق لهذا الشكر:
حصار يُجَوِّع، وقصف يُرعب، وغياب للضمير يُحزن ويُفزع معًا.
خامسًا: خلاصة مؤقتة لا تُغلق الجرح
لا يمكن للغة، مهما بلغت من بلاغة، أن تحتوي تمامًا معنى أن يتضوّر شعبٌ بأكمله جوعًا وخوفًا.
لكن يمكن لها أن تقاوم الاختزال، أن تُسائل البنى، وتكشف آليات الإخضاع المتواريّة خلف أرقام الإغاثة وتصريحات المانحين.
في غزة، لا يموت الناس فقط من القصف اليومي، بل من الجوع والمرض الذي يُصنع، ومن الخوف الذي يُزرع، ومن الصمت الدولي الذي يتواطأ.
ولعلّ أقسى ما في التضوّر أن يصبح عاديًا، أن يُفرغ من رمزيّته الثوريّة، ليُختزل في نشرة أخبار، أو فقرة في تقرير.
لكن، هل يمكن لأمة أن تتعوّد على التلوِّي جوعًا؟ وهل يمكن لجسدٍ أن يُدرَّب على الجوع دون أن يفقد روحه؟
تلك، ربما، أسئلة لا تُطرح على غزة فقط، بل على الضمير العالمي والإنساني بأسره.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ؛ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





