من ازدواجيّة مغرب السرعتين إلى العدالة المجاليّة: نحو هندسة تنمويّة متجددة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* د. شنفار عبد الله

 

 

في ظل التحولات المركبة التي يشهدها المغرب، يتعاظم النقاش حول ضرورة بلورة جيل جديد من البرامج التنموية، يكون قادرًا على تجاوز الإخفاقات البنيوية للنماذج السابقة، وخاصة الازدواجية التركيبية بين مناطق تنعم بالحيوية الاقتصادية وأخرى ترزح تحت التهميش. ويتطلب هذا التحول تجاوز المقاربة التقنية البحتة إلى استحضار الأبعاد الرمزية والاجتماعية والثقافية والسيادية للتنمية.
1. المؤسسة الملكية: ثابت بنيوي وضامن للتحول
تُعد المؤسسة الملكية في السياق المغربي مرجعية محورية في توجيه السياسات التنموية، ليس فقط بصفتها الدستورية، بل أيضًا كفاعل يحمل مشروعية رمزية وتاريخية. وفي ظل تراجع فعالية العديد من الوسائط المؤسساتية، تشكل المؤسسة الملكية صمام أمان وضامنًا لاستمرارية الدولة وفاعلية البرامج التنموية، وهو ما يستدعي تثبيت هذا المعطى في كل تصور استراتيجي.
2. من النمو الاقتصادي إلى العدالة الإدماجيّة
على الرغم من تحقيق المغرب لنسب نمو اقتصادية مهمة خلال العقود الأخيرة، فإن انعكاساتها لم تكن شاملة على المستويين المجالي والاجتماعي.
ويكمن الخلل في أن النمو، عندما لا يُدمج ضمن رؤية شاملة للعدالة الاقتصادية والمجالية، يتحول إلى محفّز جديد للتفاوتات بدل أن يكون أداة لمعالجتها.
وعليه، فإن الفارق لا يُقاس فقط بمعدلات النمو، بل بقدرة هذه الأخيرة على إعادة توزيع الفرص والموارد بشكل عادل.
3. الدولة الوطنيّة وتجديد العقد الاجتماعي
يستدعي الانتقال إلى جيل جديد من البرامج التنموية مراجعة دور الدولة، وتجاوز منطق الدولة الراعية نحو دولة مُمكِّنة. ذلك يتطلب إعادة بناء الثقة، وتوسيع دائرة الفاعلين ضمن رؤية تشاركية تسمح بتمكين المجتمعات من أدوات المبادرة.
لا يكفي نقل الأدوات من المركز إلى الأطراف، بل يجب نقل منطق السلطة من التحكم إلى التفاعل، ومن الرؤية العمودية إلى المقاربة التشاركية العضوية.
4. العدالة المجاليّة: من التفاوت إلى الحق في المجال
تُعد العدالة المجالية مدخلاً حاسمًا لإصلاح الاختلالات البنيوية التي عرفها المغرب تاريخيًا، بفعل سياسات التمركز التي ركّزت الاستثمار في المحاور الساحلية على حساب المناطق الداخلية والجنوبية.
ويُطرح اليوم التحدي المتمثل في دمج المناطق “اللامرئية” ضمن التخطيط التنموي، ليس كمساحات تحتاج إلى إحسان اقتصادي، بل كفاعلين يمتلكون موارد واقتراحات. لذلك، يجب أن تنبني التنمية المجالية على الحق في المجال باعتباره حقًا اجتماعيًا وثقافيًا وإنسانيًا.
5. اقتصاد الحياة بدل اقتصاد السوق
أثبتت التجارب المقارنة أن الاقتصادات التي تجعل الربح معيارًا وحيدًا للفعل التنموي تُفضي إلى هشاشة بنيوية وتفكك مجتمعي.
بالمقابل، يفرض السياق المعاصر الانتقال نحو “اقتصاد الحياة”، الذي يُعيد الإنسان والبيئة إلى مركز العملية الإنتاجية. في هذا النموذج، تُصبح التنمية وسيلة لضمان التوازن بين الاقتصاد، والصحة النفسية، والعدالة البيئية، والانتماء المجتمعي.
6. السيادة التنموية في سياق الأزمات
كشفت الأزمات الصحية والجيوسياسية الأخيرة عن هشاشة سلاسل التوريد العالمية، وعن الحاجة إلى استراتيجية سيادية جديدة تؤسس للاكتفاء الذاتي في المواد الحيوية.
هذا، وتُعد التوجيهات الملكية المتعلقة بإحداث منظومة وطنية للمخزون الاستراتيجي الغذائي والطاقي والصحي، ترجمة لهذه المقاربة السيادية.
فالرهان اليوم لا يقتصر على تحسين الأداء الاقتصادي، بل يمتد إلى تأمين القرار الوطني من التبعية للأسواق الخارجية، وإعادة هيكلة سلاسل القيمة ضمن منطق تعددي ومستقل.
7. التنميّة كفعل ثقافي ورمزي
لا يمكن لأي برنامج تنموي أن يحقق أثره المجتمعي بدون ترسيخ البُعد الثقافي والرمزي في صلب بنيته.
فالتنمية ليست فقط رُزنامة من المشاريع والميزانيات، بل منظومة قيم ومعنى يتبناها المواطنون. وإغفال هذا البعد يؤدي إلى إنتاج سياسات تُفرض من الأعلى وتُقابل بالرفض أو اللامبالاة من الأسفل. لذلك، يجب اعتبار الفعل الثقافي والتأهيل التربوي أساسًا لأي رؤية تنموية مستقبلية.
* خلاصة: نحو مغرب الإمكان
إن التحدي الأكبر لا يكمن في هندسة البرامج، بل في إعادة بناء الإنسان المغربي القادر على الانخراط الواعي في مشروع تنموي جماعي. مغرب الغد يجب أن يُؤسس على العدالة كمبدأ مؤسس، لا كمنحة ظرفية، وعلى الإنسان كمحور وغاية لأي تحول.
لقد آن الأوان للانتقال من مغرب الفوارق والتفاوتات إلى مغرب الإمكان والممكن، بما يعنيه من انخراط سيادي، ووعي مجتمعي، وتخطيط إدماجي عادل، يضع الكرامة الإنسانيّة في قلب كل سياسة وكل مشروع.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ؛ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...