من الانسحاب إلى الاستئناف: القيّم الصوفيّة كجبهة مقاومة للانهيار الروحي في زمن الذكاء الاصطناعي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* د. شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 

       يعيش الإنسان المعاصر مرحلة غير مسبوقة من الانسحاب الوجودي، حيث تتضافر التحولات التقنية مع تحولات القيم لتدفعه نحو حالة من الاستقلال الكامل عن الفعل. لم يعد الفعل البشري هو المصدر الحصري للمعنى والإبداع، بل غدا الإنسان متلقيًا سلبيًا أمام طوفان الآلة التي تنتج بدلاً عنه: الصور، المعنى، اللذة، وحتى الذكاء ذاته.
       في هذا السياق، يبرز التصوف كأداة نقدية واستراتيجية حضارية لإعادة الإنسان إلى موقعه الفاعل. فالتصوف، بعيدًا عن كونه طقسًا سكونيًا، يمكن أن يتحول إلى جبهة نقدية روحية، تستعيد الفعل الإنساني في مواجهة تفكك الروابط الاجتماعية، والانغماس في اللذة الفورية، وانحسار الذوق والفعل القيمي.
* المحور الأول: مظاهر الفقر الروحي والقيمي في زمن الذكاء الاصطناعي
– الانسحاب من الحياة والاستقالة من الفعل
       الإنسانية اليوم تهوي نحو انهيار قيم عميق يتجلى في ثلاث دوائر مترابطة:
1. انسحاب من العلاقات الاجتماعية الحقيقية: يبتعد الإنسان تدريجيًا عن العالم العياني نحو العالم الافتراضي، حيث تُستبدل الصداقات والروابط الوجدانية بعلاقات افتراضية عقيمة، مفتقدة إلى جذورها الروحية.
2. انسحاب من الذوق والفعل القيمي: لم يعد الإنسان يخلق ذوقه الخاص، بل يُملى عليه من الخارج، في دائرة مغلقة تفقد معها الذات حريتها الذوقية، فتستبدل الفاعلية بالاستهلاك المبرمج.
3. انسحاب من المجاهدة إلى اللذة الفورية: الانغماس في اللذة اللحظية يقوض قدرة الإنسان على تأجيل المتعة ومقاومة النزعة التلقائية، فيتحول الفعل الحضاري إلى استهلاك بلا مجاهدة أو معنى.
       هذا الانسحاب المتكامل يفضي إلى تفكك الروابط بين الروح والفعل، والمعنى والوجود، ويطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن للإنسان أن يستعيد موقعه الفاعل في ظل عالم يفرض عليه الاستهلاك الفوري والتشتت الرقمي؟
* المحور الثاني: القيم الصوفية كأدوات مقاومة للانهيار الروحي
– استعادة الحضور الذاتي والفاعلية
       تقدم القيم الصوفية إمكانية استعادة الفعل الروحي والوجودي للإنسان عبر أربعة أبعاد رئيسية:
1. الذكر: ليس مجرد ترداد لفظي، بل فعل مقاومة للغفلة، واستعادة للحضور الداخلي وسط طوفان البيانات والرغبات.
2. المجاهدة: مواجهة الانسياق التلقائي وراء الرغبات، واستعادة مبدأ تأجيل اللذة وبناء الذات عبر جهد واعٍ.
3. الصحبة: استعادة العلاقات الحقيقيّة، القائمة على التربية والتناصح، كحاجز ضد الانعزال الاجتماعي والوحدة الوجودية.
4. الزهد: تحرير الإنسان من عبودية الأشياء، وإعادة تعريف الكرامة الإنسانية على قاعدة حرية داخلية واستقلال الذات.
       السؤال الإشكالي: كيف يمكن تحويل هذه القيم الصوفية، التي كانت تمارس تاريخيًا في إطار زوايا الطرق الروحية، إلى أدوات نقدية حضارية تناهض التفكك القيمي وتعيد للإنسان سيادته على وجوده؟
* المحور الثالث: نحو مشروع تصوف حضاري نقدي
– استئناف الفعل ونقد الزمن
       المطلوب هو تصوف حضاري جديد ينهض كجبهة نقدية وروحية، ويستعيد الإنسان إلى موقع الفعل التاريخي، لا كائن مستهلك سلبي. ومن أبرز سمات هذا المشروع:
1. تصوف يستأنف الفعل: يعيد الإنسان إلى العالم بقيمه، ويعيد المجاهدة والذوق إلى سياق الفعل المؤثر والمجتمعي.
2. تصوف ينقد زمانه: استخدام القيم الصوفية كأدوات نقدية لمعالجة الانغماس في الاستهلاك، التفكك الاجتماعي، والتشتت الرقمي.
3. تصوف يعقلن الغضب ويوطن الفعل: تحويل الطاقة السلبية والغضب إلى مشروع إيجابي وبناء، يعيد الإنسان إلى موقعه الحضاري.
4. تصوف يستعيد السيادة على الذات والعالم: عبر الذكر والمجاهدة والصحبة والزهد، يستعيد الإنسان سيادته على انتباهه، رغباته، علاقاته، وحاجاته.
* الخلاصة: نداء استئناف الفعل
       ما يعيشه الإنسان اليوم ليس مجرد أزمة تقنية أو معرفية، بل أزمة وجودية حقيقية تهدد جوهر الإنسان ككائن فاعل، مجاهد، ذائق، ومعاشر.
       مشروع التصوف الحضاري الجديد لا يدعو للهروب من العالم، بل إلى العودة إليه بروح مستأنفة، قادرة على عقلنة الغضب، توطين الفعل، واستعادة السيادة الداخلية. إنه نداء إلى استئناف الفعل، وبناء جبهة روحيّة نقديّة تعيد للإنسان مكانته ودوره التاريخي، وتواجه الانسحاب والفقر الروحي في زمن الذكاء الاصطناعي والجفاف والتصحر القيميّ.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ؛
المفكّر والباحث المغربي المتخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، والناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والأنثروبولوجي والاقتصادي والثقافي والبيئي؛ من مواليد 13 يونيو 1970 بفم زكيد إقليم طاطا؛
يُعد من أبرز الأسماء في المشهد الأكاديمي والثقافي بالمغرب.
– محصل على شهادة الإجازة في الحقوق (تخصص الإدارة الداخليّة)
– ومحصل على شهادتين للدراسات العليا:
1. الأولى في علم السياسة
2. والثانية في علم الإدارة.
– محصل على دبلوم الدراسات العليا في العلوم الإداريّة.
– محصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق
* وذلك كله بكليّة الحقوق بجامعة القاضي عياض بمراكش
* له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته:
* الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000).
* الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)،
* والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).
* الصوفيّة وأدوارها في الأمن المجتمعي: من آليات الضبط التقليدي إلى رهانات الاستئناف الروحي في زمن الأزمات (كتاب جماعي (2025)

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...