بين وهم الاكتمال وحتميّة التجاوز: قراءة نقديّة في ديناميّة الإدارة والابتكار المؤسسي والإداري
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
أولاً: السياق العام للإشكالية:
يُعَدّ سؤال الإدارة والتدبير والابتكار في المؤسسات العموميّة أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في الفكر الإداري والتنظيمي المعاصر.
يحدث أحيانًا أن تكشف التفاصيل الصغيرة عن أعطابٍ كبرى في الرؤية الإداريّة.
بإحدى الدول التي آمنت أنظمتها بفعل التطور والابتكار وضرورة التجاوز؛ وفي زيارة مفاجئة لإحدى المؤسسات العموميّة، المشهود لها بالانضباط والجودة وحسن الخدمة، قدّم رئيسها عرضًا متقنًا حول حصيلة الأداء وكيفيّة إدارة وتدبير شؤون المرفق العمومي.
العرض كان مقنعاً جداً، مشبعًا بالأرقام والنتائج، مكللًا بإعجاب الزائرين وثقتهم. وقد بدا وكأن المؤسسة بلغت ذروة تميزها، ولم يعد أمامها سوى التتويج بالتصفيق.
لكن اللحظة الحاسمة لم تكن في العرض ذاته، بل في السؤال البسيط الذي طرحه المسؤول الحكومي الرفيع المستوى في ختام الجولة، وهو: ما هي آفاق المؤسسة وبرامجها المستقبليّة خلال السنوات الخمس المقبلة؟ سؤال مباشر ومنطقي، لكنه فتح كوّة على ما هو أعمق.
أجاب الرئيس، وهو في نشوة فخر واحتفاء بما تحقق من إنجازات، وقال: “سيدي، لقد بلغنا القمّة في الإنجاز، ولم يعد لدينا ما نضيفه بعد الآن.”
هنا، ساد الصمت. المسؤول الحكومي أخفى دهشته، وابتلع ملاحظته، وأَسَرَّهَا فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِ لَهُ أية ردّة؛ وغادر دون تعليق. غير أن القرار جاء في اليوم التالي: إعفاء الرئيس، مع رسالة شكر ومجاملة ودّية على خدماته.
الموظفون تساءلوا في دهشة، وبعضهم استنكر القرار بشدة، معتبرًا إياه جحودًا للمنجزات. لكن القراءة الأعمق لم تكن في الشكر ولا في الإعفاء، بل في ما يكمن وراءهما: فالقيادة التي تعتبر القمة نهاية، تفقد شرعيّتها. والإدارة ليست محطة وصول، بل مسايل ومسار وصيرورة لا تنقطع؛ ليست لحظة اكتمال، بل أفقٌ يفرض التجاوز المستمر والمستدام.
القرار لم يكن انتقامًا ولا تنكرًا، ولا جحوداً؛ بل إشارة إلى أنّ حالة الجمود والرُّكود، هي أخطر من الفشل، وأنّ المؤسسة التي تتوقف عند حدود منجزاتها، مهما كانت عظيمة، تبدأ رحلة الأفول.
فالإدارة والتدبير، في جوهرهما، حركة دائمة نحو المستقبل، تراهن على التوقُّع والتّموقُع والخلق والابتكار واستشراف الاحتمالات المختلفة من مخاطر وفرص، لا على الركون إلى ما تحقق.
فبينما تسعى المؤسسات إلى تثبيت مكتسباتها وتجويد خدماتها، تظل الإشكالية الجوهريّة كامنة في كيفيّة تجاوز لحظة الإنجاز إلى آفاق جديدة من التجديد والتطوير.
هذه الورقة البحثيّة تنطلق من حالة واقعيّة رمزيّة، حيث تحولت زيارة رسميّة لإحدى المؤسسات الناجحة إلى لحظة كشف عن محدودية الرؤية المستقبلية لقائدها، مما أدى إلى إعفائه من مهامه رغم جودة ما تحقق.
من هنا تفرض أسئلة جدليّة عميقة نفسها: هل يُمكن للإدارة أن تدّعي الاكتمال؟ وهل النجاح يُقاس بالماضي أم بالقدرة على استشراف المستقبل؟
– الإشكاليّة المطروحة:
تكمن الإشكالية المركزيّة والجوهريّة في التوتر الدائم بين الرضا على الإنجازات المحققة، والقدرة على التجاوز المستمر.
فمن جهة، تحتاج المؤسسات والإدارات العموميّة إلى تثمين تراكماتها ومكتسباتها؛
ومن جهة أخرى، فإنّ الاكتفاء بها قد يتحول إلى فخّ قاتل يعصف بديناميّة القدرة على الخلق والابتكار.
انطلاقًا من ذلك، يمكن صياغة بعض الأسئلة الفرعيّة كما يلي:
هل يمكن لمؤسسة ناجحة أن تعلن الاكتمال في عالم تتحكم فيه التحولات المتسارعة باستمرار؟ وهل يحق لقيادة إدارية أن تعتبر ذروة الإنجاز نقطة النهاية لا بداية لمسار جديد؟
إنّ ما بدا حادثة عابرة في زيارة رسمية إلى مؤسسة عموميّة ذات سمعة متميزة في الجودة والابتكار، تحوّل إلى لحظة كاشفة عن عمق إشكاليات الإدارة العموميّة: حيث حدود الرؤية وجدليّة الاستمرار والمفارقة بين الإنجاز الحاضر والأفق المفتوح.
إنّ ما قاله رئيس المؤسسة ـ بإعلانه بلوغ القمة ـ لم يكن مجرد تصريح، بل علامة على تصور إداري يختزل الإدارة في منجز آني، ويغلق عليها إمكانات المستقبل.
ثانياً: الإدارة كمسار لا كمنتهى
ماذا يعني أن تُختزل الإدارة في قياس لحظة إنجازية؟ وهل يمكن لمرفق عمومي أن يقف عند محطة بعينها في مسار لا يعرف توقفاً؟
تاريخ الفكر الإداري المعاصر يبين أنّ المؤسسات التي تدّعي الاكتمال سرعان ما تقع في فخ الجمود. فالمنجز ـ مهما كان عظيمًا ـ لا يصبح قيمة إلا إذا انفتح على أفق التجاوز. هنا تبرز حتمية النظر إلى الإدارة بوصفها سيرورة مفتوحة، ديناميتها قائمة على التوقع والتكيف والتجديد. فكل ادعاء بالاكتمال ليس سوى إعلان غير مباشر عن بداية الانحدار.
ثالثاً: الابتكار بين الاستدامة والوهم
هل يملك الابتكار حدودًا زمنية أو قمة نهائية؟ وكيف نُميّز بين الابتكار بوصفه دينامية مستمرة والابتكار بوصفه حدثًا عابرًا يُستنفد بمرور الوقت؟
إنّ الحديث عن بلوغ القمة يكشف عن قصور في فهم طبيعة الابتكار المؤسساتي. فالابتكار ليس حدثًا يُنجز ويُغلق ملفه، بل هو حالة ذهنية وتنظيمية متواصلة. كل مؤسسة، مهما بلغت من جودة في خدماتها، تظل مهددة بالتحول إلى كيان ساكن إذا لم تستثمر في دينامية خلق جديدة. هنا يصبح الابتكار المستدام شرطًا وجوديًا لا خيارًا تكميليًا.
رابعاً: القيادة بين التثبيت والتجاوز
هل تقتصر القيادة على صيانة المنجز، أم أنّ جوهرها يكمن في القدرة على خلق آفاق جديدة تتجاوز الحاضر؟
قرار الإعفاء الذي صدر بحق رئيس المؤسسة لم يكن عقوبة بقدر ما كان رسالة: أنّ القيادة العمومية لا تُقاس بقدرة المحافظة على الموجود، بل بقدرة استشراف ما لم يوجد بعد. فالقائد الذي يقدّس ما تحقق يفقد القدرة على إعادة اختراع المؤسسة. ومن هنا تتجلى المفارقة: إنّ النجاح إذا لم يتحول إلى منصة انطلاق للتجديد، يتحول إلى عامل إعاقة للتطور.
خامساً: الاستشراف كشرط وجودي للإدارة
إلى أي مدى يمكن للمؤسسات العمومية أن تصوغ مستقبلها بعيدًا عن وهم الاكتمال؟ وهل الاستشراف رفاهية فكرية، أم ضرورة استراتيجية للبقاء؟
في بيئة متسارعة التحولات، يصبح الاستشراف ضرورة وجودية لا اختيارية. إذ لا يكفي أن تؤدي المؤسسة وظائفها بكفاءة في الحاضر، بل عليها أن تتوقع المخاطر، وتستبق التحديات، وتعيد إنتاج أدوارها باستمرار. إنّ غياب هذه الرؤية المستقبلية يعادل غياب القدرة على البقاء.
سادساً: نحو إعادة تعريف النجاح المؤسسي
هل يمكن أن يُعاد تعريف النجاح بعيدًا عن منطق الإنجاز الثابت، ليُصبح سيرورة لا تقبل الاكتمال؟
النجاح، في ضوء التجربة المدروسة، ليس في ما تحقق فقط، بل في ما يمكن أن يتحقق. إنّ المؤسسات التي تجعل من القمة نهاية، تخون روح الإدارة التي هي بطبيعتها مشروع غير مكتمل. من هنا يفرض نفسه إعادة التفكير في مفهوم النجاح: ليس كحصيلة رقمية، بل كطموح دائم نحو تجاوز الذات.
استنتاجات عامة: الإدارة كأفق لا نهاية له:
إذا كان الماضي شاهداً على إنجاز، فإنّ المستقبل يظل امتحانًا دائمًا للإرادة المؤسسية. ولعلّ الدرس الأعمق هو أنّ الإدارة لا تعرف منتهى، وأنّ كل قمة ليست سوى بداية لطريق جديد.
فهل يمكن إذن صياغة نموذج قيادي يعترف بأن النجاح لا يكتمل أبدًا؟ وهل يمكن بناء ثقافة تنظيمية ترى في الجمود خطرًا أكبر من الفشل؟
هذه الأسئلة تبقى مفتوحة، لأنّ الفعل الإداري- بما هو فعل مقاومة مستمرة ضد حالة السكون والرّكود ـ لا تُعطي جوابًا نهائيًا، بل تظل مشدودة إلى الأفق المستقبلي للتوقع والتموقع، حيث الاحتمالات والمخاطر والفرص تتجدّد بلا توقف.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ؛
المفكّر والباحث المغربي المتخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، والناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والأنثروبولوجي والاقتصادي والثقافي والبيئي؛ من مواليد 13 يونيو 1970 بفم زكيد إقليم طاطا؛
يُعد من أبرز الأسماء في المشهد الأكاديمي والثقافي بالمغرب.
– محصل على شهادة الإجازة في الحقوق (تخصص الإدارة الداخليّة)
– ومحصل على شهادتين للدراسات العليا:
1. الأولى في علم السياسة
2. والثانية في علم الإدارة.
– محصل على دبلوم الدراسات العليا في العلوم الإداريّة.
– محصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق
* وذلك كله بكليّة الحقوق بجامعة القاضي عياض بمراكش
* له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته:
* الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000).
* الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)،
* والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).
* الصوفيّة وأدوارها في الأمن المجتمعي: من آليات الضبط التقليدي إلى رهانات الاستئناف الروحي في زمن الأزمات (كتاب جماعي (2025)





