انزيّاح الأجيال في البنى المؤسساتية: نحو سوسيولوجيا التحوّل والصراع القيميّ
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
لم يعد التحوّل الاجتماعي الذي تشهده مجتمعاتنا اليوم مقتصراً على الفضاء العمومي أو الشارع العام، بل امتدّ ليعيد تشكيل البنى الداخليّة للمؤسسات ذاتها.
فانزياح “الأجيال” لم يعد ظاهرة ديموغرافيّة فحسب، بل تحوّل إلى إشكاليّة بنيويّة تمسّ أنماط الحُكم والإدارة والتدبير، وآليات اتخاذ القرار، وطبيعة الثقافة التنظيميّة السائدة.
ما نعيشه ليس مجرد تعاقب أجيال طبيعي، بل هو “انزياح قيّمي” (أكسيولوجي – Axiological) يعيد تعريف مفاهيم السلطة والتمثيل الحزبي والنقابي والكفاءة والشرعيّة داخل المؤسسات.
في تحليل هذا الموضوع الشائك، وازالة بعض الألغام من حقل البحث العلمي، ننطلق من ثلاثة أسئلة مركّبة وعميقة وجوهرية ومُبتكرة وغير تقليديّة، تتجاوز الطرح النمطي حول “صراع الأجيال” وتذهب نحو الجذر الفلسفي السوسيو أنثروبولوجي للتحوّل:
1. هل يشكّل الانزياح الجيلي داخل المؤسسات مجرد انتقال في “وسائل إدارة السلطة” (من البيروقراطية إلى الرقمنة)، أم أنّه يعكس تحوّلاً أنطولوجيًا في مفهوم السلطة ذاته، بحيث لم يعد الانتماء إلى مؤسسة ما هو مصدر الشرعية، بل القدرة على إنتاج معرفة فورية تُعيد تشكيل معنى الانتماء والمؤسسة في آن واحد؟
2. إلى أي حد يمكن اعتبار الصراع بين جيل الخبرة وجيل المعلومة تجسيدًا لصدام بين نموذجين حضاريين للزمن: زمن خطّي تراكمي يَمنح الشرعية عبر الاستمرارية، وزمن متسارع متشظٍّ يَمنح الشرعية عبر الفورية؟ وإذا صحّ هذا الافتراض، فهل نحن أمام أزمة أجيال، أم أمام أزمة “تصوّر للزمن” تعيد رسم حدود السلطة والفاعلية؟
3. هل يمكن قراءة الانزياح القيمي داخل المؤسسات بوصفه مؤشراً على نهاية “المؤسسة الكلاسيكية” كمفهوم اجتماعي حديث، وبداية تشكّل “مؤسسة هجينة” أقرب إلى المنصة الرقمية منها إلى الكيان البيروقراطي؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل سيظل الصراع بين الأجيال محورياً، أم أنه مجرد عرض سطحي لتحوّل أعمق يمسّ البنية الوجودية للمؤسسة ذاتها؟
* فرضيات البحث:
– التحوّل في معنى الشرعيّة المؤسساتية:
الانزياح الجيلي داخل المؤسسات لا يمثل مجرد انتقال في أدوات إدارة السلطة (من البيروقراطية إلى الرقمنة)، بل يعكس تحوّلاً جوهريًا في مفهوم الشرعية نفسه؛ إذ لم يعد الانتماء إلى المؤسسة أو الموقع الرسمي هو المحدِّد الأساسي للسلطة، بل القدرة على إنتاج معرفة فورية ورقمية تُعيد صياغة أنماط الانتماء ومصادر الشرعية داخل المؤسسة.
– أزمة الزمن كجذر للصراع:
الصراع بين جيل الخبرة وجيل المعلومة لا يعكس فقط اختلافًا في الرؤية حول الكفاءة، بل هو تجلٍّ لصدام أعمق بين نموذجين للزمن: نموذج خطّي تراكمي يمنح الشرعية بالاستمرارية، ونموذج متسارع متشظٍّ يمنح الشرعية بالفورية.
ومن ثم فإن الأزمة المؤسساتية الراهنة قد تكون في جوهرها أزمة تصوّر للزمن أكثر من كونها صراع أجيال.
– موت المؤسسة الكلاسيكيّة وصعود الهجين المؤسسي:
الانزياح القيميّ الجاري قد يكون مؤشراً على أفول “المؤسسة الكلاسيكيّة” بوصفها كيانًا بيروقراطيًا حديثًا، وبروز شكل جديد من المؤسسات الهجينة التي تقترب في بنيتها من المنصات الرقمية أكثر من الكيانات الاجتماعية التقليدية. في هذا الأفق، يغدو صراع الأجيال مجرد عرض سطحي لتحوّل أعمق يمسّ البنية الوجودية للمؤسسة.
* أولاً: من التعاقب إلى الصدام:
يمكن تفكيك هذه الإشكالية عبر ثنائيّات متقابلة تفضي إلى جدليّة نقديّة أعمق:
1. ثنائية الخبرة المتراكمة في مواجهة المعلومة الفوريّة:
لم يعد الصراع حول “من يعرف أكثر”، بل حول “كيف نعرف؟” فالجيل المؤسس يبني شرعيّته على “رأسمال الخبرة” المتراكم عبر السياق، فيما يبني الجيل الجديد (Z) شرعيّته على “رأسمال المعلومة” القائم على الوصول الفوري للمعارف والأدوات الرقميّة.
وهذا يطرح إشكاليّةً جوهريّة: هل يمكن للبيانات الخام أن تحل محل “حكمة الممارسة” التي تتشكل عبر الزمن؟ أم أن هذه “الحكمة” نفسها قد تكون مجرد أيديولوجيا لإضفاء الشرعيّة
على نمط معين من الممارسة البيروقراطية؟
2. ثنائيّة البيروقراطيّة العضويّة في مواجهة النزعة الآلية:
الجيل القديم يرى في التراتبيّة والاجتماعات الطويلة وشبكات العلاقات، ضمانة لاستقرار المؤسسة واستمراريّتها. بينما يراها الجيل الجديد مجرّد عوائق مصطنعة تعيق الكفاءة.
هنا، يتجلى صدام بين عقليّة “المؤسسة ككائن اجتماعي” وعقليّة “المؤسسة كخوارزميّة” ينبغي تحسينها.
أليست “اللباقة” و”العرف الإداري” شكلاً من أشكال رأس المال الاجتماعي غير الملموس؟ أم أنها أدوات للهيمنة الرمزيّة وإعادة إنتاج النخب التقليديّة؟
3. ثنائيّة السلطة الرسميّة في مواجهة سلطة الكفاءة التقنيّة:
الشّابّة أو الشاب الذي يتقن تحليل البيانات أو الذكاء الاصطناعي، يمتلك سلطة معرفيّة تهدد سلطة المناصب القائمة على الأقدميّة. هذا الانزياح يخلق “ازدواجيّة في الشرعيّة”:
1. شرعية الموقع في الهيكل التنظيمي،
2. وشرعية الكفاءة في الفضاء الرقمي.
فمن الأجدر بتوجيه دفة القرار: حكمة المدير المخضرم الذي عاصر الأزمات، أم براعة المحلل الشاب الذي يمتلك أحدث النماذج التنبؤيّة؟
* المخرجات: تشريح التوتر المؤسساتي:
ينتج عن هذه الثنائيّات مشهد مؤسساتي جد مضطرب:
– مقاومة سلبيّة: حيث يُفرغ النظام الرقمي الجديد من مضمونه عبر الممارسات اليوميّة (“الخبرة” كخطاب دفاعي).
– استقطاب ثقافي: حيث تتحول غرف الاجتماعات إلى ساحات صراع بين “ثقافة الخطوتين للوراء” و”ثقافة القفز خمس خطوات للأمام”.
– العزلة الداخليّة: حيث ينعزل الشباب في “جزر رقميّة” داخل المؤسسة، مكونين ثقافة فرعيّة مضادة.
* ثانياً: هل نحن أمام أزمة ثقة أم أزمة شرعيّة؟
– هل يكمن جذر الصراع في انعدام ثقة الجيل القديم في “نضج” الجديد، وانعدام ثقة الجديد في “كفاءة” القديم؟
– أم أن المسألة أعمق، وهي أزمة شرعية تؤثر على المصداقية المؤسساتية برمتها؟
* ثالثًا: سيناريوهات المستقبل: بين فخ الانقطاع وآفاق التوليف:
1. السيناريو الكابوس: فشل التوليف وانزياح الشرعيّة:
في هذا المسار، تتصاعد ديناميكيّة الإقصاء المتبادل. حيث تتحول المؤسسات إلى حصون منيعة للثقافة القديمة، في حين يبحث الجيل الجديد عن شرعيّته خارجها: في الفضاء الرقمي، أو في الشارع، أو عبر الهجرة.
هل يمكن لمؤسسات أن تبقى ذات مصداقيّة إذا ما انفصلت عن القيّم السائدة لدى الشريحة الأكثر ديناميكيّة في المجتمع؟
هنا، يتحول الصراع من كونه إداريًا إلى كونه سياسيًا وُجوديًا، حيث تهدد “عزلة الجيل Z” بانهيار العقد الاجتماعي الضمني بين الدولة والمستقبل.
2. السيناريو التوليفي: نحو شرعية هجينة:
هنا لا يتم تجاوز القديم، بل إعادة دمجه في عقليّة جديدة. حيث المؤسسة تتحول إلى “منصة” تلتقي فيها “حكمة السياق” مع “براءة التقنيّة”. هنا لا يسلم الكبار السلطة، بل يشاركونها في إطار فرق مختلطة تخلق “شرعيّة هجينة”.
هل يمكن صياغة “عقد اجتماعي مؤسساتي جديد” يعيد تعريف مفهومي “الخبرة” و”الكفاءة” ليشمل الكفاءة الرقميّة والحكمة السياقيّة في آن معاً؟
في هذا النموذج، يتحول الصراع من كونه معركة وجود إلى كونه مصدرًا للإبداع التنظيمي.
* الخلاصة: استفهاميّة الإرادة والرؤية:
الانزياح الجيلي الحالي هو اختبار حقيقي لمرونة النخب وقدرتها على القيادة في زمن الاضطرابات والاحتقانات. والتحدي ليس تقنيًا (كيف ندمج التكنولوجيا) بل هو تحدي سياسي وفلسفي في جوهره:
هل تمتلك النخب الحاليّة البصيرة الكافيّة لرؤية أن مشاركة السلطة مع الجيل الجديد ليست تنازلاً عن مكاسب، بل استثمار في شرعيّة المستقبل؟
وأخيراً، السؤال الأكثر إثارة للقلق: ماذا لو كان “الصراع” الذي نراه ليس مجرد صراع أجيال، بل هو العرض وانعكاسات وتجليّات ومظاهر لتحوّل أعمق: موت بطيء لنموذج مؤسساتي لم يعد قادراً على فهم العالم الذي يفترض أنه يديره ويُدبّر شؤونه؟





