ثغرات الأمن السيادي: الدولة بين صلابة المؤسسة والقابليّة للاختراق الرمزي..

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار

 

 

الثغرة ليست مكانًا يتسلّل منه الآخر، بل معنى غائبًا يُخلي الدولة من نفسها.
هذه المقولة تذكّرنا بأنّ أخطر تهديدات السيادة ليست ماديّة فقط، بل تبدأ من داخل المؤسسات والوعي الجمعي، حيث يفقد الموظف أو المواطن الشعور بالانتماء والمعنى.
لذا، يصبح من الضروري رصد الولاء الرمزي وتحصين المؤسسات وتعزيز السرديّة الوطنيّة المشتركة، كخطوة أولى نحو بناء مناعة سياديّة حقيقيّة.
  في زمن تتراجع فيه الحروب الصلبة لصالح أشكال “الاختراق الناعم”، لم تعد السيادة مجرد سيطرة على الأرض لضمان الوُجود من خلال ترسيم حدود وضبط السكان وتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية والعمران؛ بل قدرة على صون الولاء للوطن وضبط المعلومة وتأطير الوعي الجمعي.
من هنا تبرز “الثغرات السياديّة” ليس كفجوات تقنيّة فحسب؛ بل كمؤشرات بنيويّة على عمق هشاشة الدولة من الداخل.
أولاً: من الدفاع إلى التحصين: السيادة كمعنى
  لم تعد الدولة تُختبر في قدرتها على تحقيق الردع بنوعيه: الخاص والعام فقط، بل في قابليتها للاختراق. فالسيادة اليوم ليست جغرافيا محروسة، بل بنية رمزيّة ومؤسسيّة تُختبر يوميًا أمام الفاعلين الجدد عبر: الفضاء الرقمي الافتراضي ووسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي والمجتمع والإدارات نفسها.
  الثغرة ليست دائمًا ما يُنفذ منه، بل ما لم يُبنَ أصلًا: غياب المشروع الوطني الجامع وضعف المناعة المؤسسيّة، وانفصال المعنى عن الممارسة اليوميّة.
ثانياً: مسألة الولاء: معركة بلا سلاح
  الولاء لا يُختزل في الانضباط أو الطاعة، بل يُبنى عبر الاعتراف والحماية والإدماج. الموظف أو النخبة التي لا ترى نفسها جزءً من مشروع الدولة الرمزي، تتحوّل وظيفتها إلى هامشٍ معلق بين المصلحة الشخصيّة واللامبالاة.
ومن هنا تتسرب الاختراقات الكبرى: ليس بالخيانة الصريحة، بل بالولاء التكتيكي والفراغ الداخلي.
ثالثاً: الهشاشة المؤسساتيّة: الجزر المنعزلة
  الثغرات الأمنيّة تولد غالبًا من داخل الجهاز نفسه. مؤسسات تعمل كجزر منعزلة، تفتقر للتنسيق الأفقي والعمودي، أو تتنازع على الاختصاصات بدل التكامل. وضعف الكفاءة وتداخل المصالح، وغياب يقظة إداريّة حقيقيّة؛ كلها تصنع ثقوبًا غير مرئيّة، تُختبر فيها الدولة ككيان لا يعرف جسده بعضه البعض.
رابعاً: الطبيعة البشريّة: الإنسان كجهاز هش بحكم طبيعته
  الاختراق الحقيقي يبدأ من الإنسان: طموح زائد أو إحباط مهمل، أو فساد صغير يتحوّل إلى ثغرة إستراتيجيّة. فالموظف الذي لا يرى في وظيفته رسالة وطنيّة، بل مورد رزق فقط؛ قد يتحوّل إلى “نقطة ضعف” قابلة للاستثمار.
وهنا يبرز “الأمن الأخلاقي” كمفهوم استراتيجي: لا يقوم على المراقبة وحدها، بل على زرع ثقافة الانتماء والمناعة الرمزيّة.
خامساً: المعلومة كسلعة سياديّة
  في العصر الرقمي، المعلومة ليست محتوى محميًا فقط، بل مرآة لمدى قوّة المؤسسة التي أنتجتها. فحين تتحول الوثيقة الرسميّة إلى سلعة تباع وتشترى، فهذا معناه أن القيمة الرمزيّة قد انهارت قبل أن تنهار الحماية التقنيّة.
مفهوم السيادة للدول اليوم تُقاس بالقدرة على تحويل المعلومة إلى سرديّة مشتركة، لا بمدى إخفائها.
سادساً: من الدولة الأمنيّة إلى الدولة الإستخباراتيّة
  الدولة الحديثة لا تُختبر في امتلاك القوّة العسكريّة والاقتصاديّة والسياسيّة وحدها، بل في بناء “عقل استخباراتي” مدني ورمزي، يحوّل الأمن من وظيفة إلى ثقافة، ومن رد فعل إلى مناعة. فالدولة المحصّنة هي التي ترى التهديد في الذات غير المؤطرة بقدر ما تراه في الآخر.
* اقتراحات تركيبيّة للتجاوز والتصدي لثغرات محاولة الاختراق:
1. نحتاج إلى إعادة تعريف مفهوم الولاء: ليس كطاعة ميكانيكيّة، بل كمشاركة في مشروع رمزي وظيفي جامع.
2. نحتاج إلى تحصين المؤسسات: عبر هندسة إداريّة أفقيّة وعموديّة تنسج جسدًا سياديًا متناغمًا ومترابطاً ومتكاملاً ومتعايشاً ومتمازجاً؛ لا جزرًا منفصلة.
3. نحتاج إلى بناء أمن نفسي رمزي: يجعل من الإنسان فاعلًا في مناعة الدولة، لا ثغرة فيها.
4. نحتاج إلى سيادة المعلومة بالمعنى: حماية المعطيات لا بالحجب والتمرير والتصرف فيها بالزيادة والنقصان والتدليس؛ بل بجعل المواطن شريكًا في سرديّة الحقيقة.
* خلاصة: الدولة ككائن سردي
  الثغرة السيادية، في النهاية، ليست موقعًا جغرافيًا، بل حالة رمزيّة. الدولة التي تفتقد إلى سرديّة مقنعة؛ تفتح ثغراتها بنفسها، حتى وإن أحكمت أسوارها. فالسيادة ليست امتلاك القوّة فحسب؛ بل امتلاك الوعي والمعنى أيضاً.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ؛
المفكّر والباحث المغربي المتخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، والناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والأنثروبولوجي والاقتصادي والثقافي والبيئي؛ من مواليد 13 يونيو 1970 بفم زكيد إقليم طاطا؛
يُعد من أبرز الأسماء في المشهد الأكاديمي والثقافي بالمغرب.
– محصل على شهادة الإجازة في الحقوق (تخصص الإدارة الداخليّة)
– ومحصل على شهادتين للدراسات العليا:
1. الأولى في علم السياسة
2. والثانية في علم الإدارة.
– محصل على دبلوم الدراسات العليا في العلوم الإداريّة.
– محصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق
* وذلك كله بكليّة الحقوق بجامعة القاضي عياض بمراكش
* له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته:
* الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000).
* الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)،
* والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).
* الصوفيّة وأدوارها في الأمن المجتمعي: من آليات الضبط التقليدي إلى رهانات الاستئناف الروحي في زمن الأزمات (كتاب جماعي (2025)

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...