استقالة جماعيّة من الفعل التواصلي: قراءة في تحوّلات المجال التداولي ومأزق العقل العمومي..
* الدكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار
– أوّلًا: بين تهاوي الفهم وتحوّل الوعي
هل يمكن للفعل التواصلي أن يبقى فاعلًا حين يتحوّل المجتمع من فضاء للفهم إلى بنية للتدبير؟
في زمنٍ تتنازع فيه الرموز والوسائط، يبدو أنّ الاستقالة الجماعيّة من الفعل التواصليّ ليست موقفًا اختياريًا؛ بل مآلًا بنيويًا لانكسار الوعي الجمعيّ.
فالتواصل، الذي كان يُفترض أن يشكّل قاعدة الاجتماع السياسي والثقافي، أصبح يُمارَس ضمن منظومات مغلقة تُنتج خطابًا بلا أفق، ولغة بلا إنصات، وجدلاً بلا معنى.
لقد تراجعت اللغة من كونها أفقًا للفهم إلى كونها آليةً لإدارة الانفعال، وغابت الإرادة المشتركة لصالح عقلٍ إجرائيّ يختزل الحوار في المصلحة.
هل نحن أمام أزمةٍ تواصليّة، أم أمام تحوّل أنطولوجيّ يطال جوهر الفعل السياسي والاجتماعي والثقافي في آنٍ واحد، حيث تتفكّك إمكانات اللقاء لصالح تكنولوجيات العزلة؟
– ثانيًا: انحسار المجال العمومي وتحوّل السياسة إلى إدارة رمزيّة
هل يمكن لسياسةٍ بلا تواصل أن تظلّ سياسة؟
حين يُختزل الفعل السياسيّ في تدبير السلطة بدل ممارستها الحواريّة، شيء طبيعي أن يتراجع المعنى التداوليّ للمجال العموميّ، ويتحوّل الفعل الجماعيّ إلى أداءٍ رمزيّ مُفرغ من المضمون النقديّ.
لقد صارت السياسة تواصليّةً في الشكل، سلطويّةً في الجوهر: تُقدّم خطاب المشاركة بينما تُقصي إمكان الاختلاف كمبدأ قرآنيّ: (وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ؛ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ.)
بهذا المعنى، تتبدّى الاستقالة من الفعل التواصليّ السياسيّ في خضوع المواطن لمنطق التمثيل الإعلاميّ، حيث يُدار الوعي عبر آليات مشهد الصورة والتكرار، لا عبر الحُجّة والحوار.
وهل يمكن لعقلٍ عموميّ أن يتكوّن من داخل فضاءٍ تُحدّد خوارزميّاته خريطة الانتباه الجماعي؟
هكذا تنقلب الديمقراطيّة من ممارسة نقديّة إلى مشهد تواصليّ محكوم بآليات السوق الرمزيّ، فيغدو النقاش العامّ مجرّد صوتٍ داخل صدى أكبر من المعنى ذاته.
– ثالثًا: التفكّك الاجتماعي وموت المعنى المشترك
في أي لحظة تحوّل المجتمع من نسيجٍ تواصليّ إلى أرخبيل من الذوات المنعزلة؟
لم يعد الاجتماع الإنسانيّ يقوم على منطق التفاهم وحسن الإصغاء؛ بل على توازن هشّ بين مصالح متنافرة تُدار بلغةٍ بلا مشترك.
لقد أُفرغت المفاهيم من دلالتها الجماعيّة: “الحريّة” صارت ذاتيّة، و”العدالة” صارت إجرائية، و”الهوية” تحوّلت إلى مجرد سرديّة فرديّة بلا أفق جمعيّ.
هذه الاستقالة من الفعل التواصليّ الاجتماعيّ ليست مجرّد أزمة قيّم، بل تحوّل في بنية الإدراك؛ إذ لم تعد الروابط الاجتماعيّة قائمة على أساس التجربة المشتركة، بل على أساس التجاور الرقميّ الذي يوهمنا بالقرب فيما يعمّق المسافة.
هل يمكن للعيش المشترك أن يستمرّ دون ذاكرة مشتركة للغة؟
وهل يمكن للخطاب الاجتماعيّ أن يكون تواصليًا حين ينفصل عن التجربة المعيشة ويتحوّل إلى مادة استهلاكيّة تُدار بالخوارزميات والافتراضي الرقمي؟
– رابعًا: الثقافة كحقل صراع رمزيّ بعد تآكل التداول
حين تستقيل الثقافة من دورها النقديّ، تتحوّل إلى نظام رمزيّ مغلق ينتج المعنى وفق الطلب.
إنّ الفعل التواصليّ الثقافيّ يفترض وجود فضاء نقديّ يُتيح جدليّة الاختلاف والتأويل، لكنّ الثقافة الراهنة خضعت لمنطق التماثل والعرض؛
صارت التعدديّة سلعة، والمغايرة أداءً جماليًا لا موقفًا معرفيًا.
هكذا تفقد الثقافة طابعها التداوليّ لتصبح واجهة لتدوير الرموز، تُعيد إنتاج القيّم الإستهلاكيّة تحت أقنعة الحداثة والتنوّع.
فهل ما زال المثقف فاعلًا تواصليًا أم صار وسيطًا في اقتصاد المعاني؟
إنّ الصمت الثقافيّ، الذي يختبئ وراء الضجيج الإعلاميّ، ليس نقصًا في الكلام بل فقدان للقدرة على الفهم المشترك، حيث تُستبدل اللغة بالمؤثرات من خلال: “الإيموجي- Emoji” وهي أيقونات تعبيريّة وصور صغيرة تستخدم للتعبير عن المشاعر أو الأفكار في المحادثات ومختلف التفاعلات الرقميّة. و”الميمز- Meme” وهي محتوى (صور ومقاطع فيديوهات وعبارات) تنتشر بسرعة عبر الإنترنت غالبًا ما تكون مضحكة أو ساخرة، وتحمل معنى أو فكرة متداولة بين المستخدمين، والحجة بالذوق، والنقد بالتصفيق.
– خامسًا: نحو فعل تواصليّ جديد: من الإصلاح إلى إعادة التأسيس
إذا كانت الاستقالة الجماعيّة من الفعل التواصليّ تعبّر عن انكسار البنية التداوليّة للمجتمع، فإمكان تجاوزها لا يكون بالعودة إلى النماذج القديمة؛ بل بتأسيس فعل تواصليّ نقديّ بديل.
هذا الفعل التواصليّ الجديد لا ينشد التوافق؛ بقدر ما يسعى إلى الاعتراف بالاختلاف كشرطٍ للفهم، وتعيد للخطاب السياسي والاجتماعي والثقافي وظيفته الأنطولوجيّة بوصفه ممارسة لبناء المعنى لا لإدارته وتدبيره.
إنّ حُسن الإصغاء للآخر: القريب والبعيد، في هذا السياق، يصبح فعلًا سياسيًا وثقافيًا بامتياز، لأنّ من لا يُحين الإصغاء؛ لا يشارك في صناعة المعنى، بل يستهلكه فقط.
فهل يمكن إعادة بناء المجتمع على أساسٍ من الإصغاء المشترك؟
وهل يمكن للثقافة أن تستعيد دورها كوسيط للفهم بعد أن صارت مرآة للتماثل؟
* استنتاجات عامّة: ما بعد التفاهم
ربّما لا يكون ما نشهده اليوم مجرّد أزمة تواصليّة، بل تحوّلًا أنطولوجيًّا في ماهيّة الفعل الإنسانيّ ذاته، حيث يتراجع الفهم لصالح الأداء، والحوار لصالح التكرار، والإنسان لصالح صورته.
لكنّ هذا الانكسار قد يكون فرصةً لإعادة اكتشاف المعنى، لا في الكلام الذي يُقال، بل في الصمت الذي يتيح حُسن الإصغاء لما لم يُقل بعد.
ففي عالمٍ يتكاثر فيه التواصل دون فعل تواصليّ، قد يكون الفعل النقديّ الأسمى هو أن نتعلّم كيف نصغي لأنفسنا أولاً، وللآخرين: القريبين منّا والبعيدين لبناء جسر التواصل… لا كيف نتكلّم.
_____
* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





