الفجوة بين القول والفعل: تشريح الأزمة الأخلاقيّة في بنية الغضب الجمعي
* الدكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار
* انزياح الخطاب وتفكك المعنى
متى تتحول الوعود السياسيّة إلى أداة للخذلان الجمعي؟ وهل يمكن للمجتمع أن يحافظ على تماسكه الرمزي حين تتحول قيّمه المعلنة والموعود بها، إلى مجرد شعارات في الخطابات السياسيّة وطقوس لغوية تفتقر إلى المرجعيّة المادية؟
تُشكل الفجوة بين الخطاب والممارسة أحد أكثر الإشكاليات تعقيدًا في التحليل السوسيولوجي للاحتجاجات، حيث لا يعود الصراع مقتصرًا على توزيع الموارد، بل يتحول إلى معركة حول شرعيّة النظام الرمزي نفسه.
في هذا الإطار، يقدم كتاب (تيد روبرت غير) تحت عنوان: “لماذا يثور الناس؟” إطارًا تحليليًا يُظهر كيف أن الإحباط النسبي الناتج عن التناقض بين الوعد والتجربة؛ يولد طاقة ثوريّة تتجاوز الحاجات الماديّة إلى المطالبة بمعنى أخلاقي مغاير.
* أولاً: الانزياح الرمزي وأزمة الشرعيّة
كيف تتحول القيّم المعلنة من أدوات للتماسك الاجتماعي إلى عوامل تفكيك له؟
يرى المفكر (تيد روبرت غير) أن الإحباط النسبي لا ينشأ من الفقر بحد ذاته، بل من الوعي بالتباين بين ما يُوعد به الأفراد من وُعُود وما يختبرونه فعليًا.
فحين ترفع السلطة شعارات العدالة والمساواة بينما تمارس التمييز والتهميش المجالي وغياب العدالة المجاليّة والاجتماعيّة، فإنها لا تخون ثقة الجمهور فحسب، بل تُفكك البنية الرمزيّة التي تُشكل أساس شرعيتها.
هنا يصبح الخطاب السياسي غير قادر على أداء وظيفته التأسيسيّة، ويتحول إلى مجرد ضجيج فارغ، مما يخلق أزمة عميقة في المعنى والثقة.
في هذا السياق، لا يعود السؤال “من يحكم؟” كافيًا لفهم ديناميات الغضب، بل يبرز سؤال أكثر جوهريّة: “كيف تُنتج الشرعية، ومتى تنهار؟”
فالسلطة لا تسقط عندما تفقد السيطرة على الشارع، بل عندما تفقد السيطرة على السرديّة التي تبرر وجودها.
* ثانيًا: الوعي الشقي والتحول من الصمت إلى المساءلة
لماذا يظل المجتمع صامتًا أحيانًا أمام الظلم، بينما يثور في أحيان أخرى؟
الإجابة لا تكمن في شدة المعاناة، بل في لحظة التحول من “الوعي الخاضع” إلى “الوعي الشقي”، حيث يدرك الأفراد أن معاناتهم ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة لتناقض بين المبادئ المعلنة والممارسات اليومية.
هذا الوعي لا يولد الغضب فحسب، بل يولد “الحق في المساءلة”، حيث يتوقف الأفراد عن قبول التبريرات الجاهزة ويبدأون في تفكيك الخطاب السائد.
هنا يتحول الإحباط من حالة نفسية فردية إلى قوة جمعية ترفع سؤالًا جوهريًا: هل يمكن للقيم أن تبقى حية إذا تحولت إلى أدوات تبريرية؟
حين تُجرد العدالة من مضامينها المادية وتتحول إلى شعار، فإنها تفقد قدرتها على تنظيم العلاقات الاجتماعية، مما يخلق فراغًا أخلاقيًا يملؤه الغضب.
* ثالثاً: من الغضب الأخلاقي إلى الفعل الثوري
هل يمكن تفسير الثورة كمحاولة لاستعادة الانسجام بين القيم والتجربة؟
يذهب (تيد روبرت غير) إلى أن الثورة ليست مجرد رد فعل على القمع، بل هي تعبير عن رفض “التزييف المنظم” للواقع.
حين يُكشف التناقض بين القول والفعل، يفقد النظام قدرته على فرض الطاعة الطوعية، ويصبح العنف هو الوسيلة الوحيدة للسيطرة. لكن هذا التحول لا يحدث بين ليلة وضحاها، بل يمر بمرحلة تراكمية من “العصيان الرمزي”، حيث يرفض الأفراد المشاركة في طقوس الخطاب الزائف.
في هذه المرحلة، لا يعود الغضب مجرد انفعال، بل يتحول إلى فعل أخلاقي يستعيد من خلاله الأفراد وكالتهم في تحديد المعنى. الثورة، بهذا المعنى، ليست مجرد صراع على السلطة، بل هي صراع على شرعية التمثيل الرمزي للواقع.
* رابعاً: المقاربة السوسيو-قانونية: حين يفقد النص قدسيته
كيف يمكن للقانون أن يظل فاعلاً إذا انفصل عن الضمير الجمعي؟
تُظهر الفجوة بين القول والفعل أن النظام القانوني لا يستمد شرعيته من النص وحده، بل من قدرته على تجسيد القيم الأخلاقية السائدة.
حين يصبح القانون أداة لتبرير الظلم بدلاً من منعه، يفقد قدسيته ويتحول إلى مجرد أداة قمع. هنا يبرز “التنافر المعياري” بين ما هو قانوني وما هو أخلاقي، مما يدفع الأفراد إلى تحدّي الشرعية القانونية باسم شرعية أخلاقية أعلى.
هذا التنافر يخلق إشكالية عميقة: هل يمكن للمجتمع أن يستمر في الامتثال للقانون حين يفقد احترامه للأخلاق التي يفترض أن يجسدها؟
فحين يصبح الامتثال قسريًا وليس طوعيًا، يتحول النظام من كيان حي إلى هيكل فارغ، قادر على البقاء فقط من خلال الإكراه.
* خامساً: الثورة كمشروع استعادة المعنى
هل تكمن الثورة في رفض الواقع أم في رفض تزييفه؟ الفجوة بين القول والفعل لا تخلق أزمة سياسية فحسب، بل أزمة وجودية تُفقد الأفراد ثقتهم في العالم المشترك.
حين تتحول اللغة إلى أداة خداع، يفقد التواصل معناه، ويصبح الصمت شكلًا من أشكال المقاومة. لكن هذا الصمت لا يدوم طويلًا، لأنه يخفي تحت سطحه بركانًا من الأسئلة التي تبحث عن إجابات.
الثورة، في هذا السياق، ليست مجرد تغيير للنظام السياسي، بل محاولة لاستعادة “اللغة الصادقة” التي تربط بين التجربة والمعنى. إنها رفض للعيش في واقع مُزيف، ومطالبة بحق الوجود في عالم تتطابق فيه الكلمات مع الأفعال.
* خلاصة: هل يثور الناس عندما يجوعون أم عندما يختنقون بالكذب؟
لا تنشأ الثورات لأن الناس يرفضون المعاناة، بل لأنهم يرفضون أن تُقدّم هذه المعاناة على أنها قدر لا مفر منه.
الفجوة بين القول والفعل لا تمثل مجرد خلاف بين الخطاب والممارسة، بل تشير إلى انهيار العقد الرمزي الذي يربط الأفراد بالأنظمة. فحين يُكشف الزيف، يصبح الغضب ليس فقط مشروعًا، بل ضرورة أخلاقيّة.
لكن السؤال الأكثر إلحاحًا يبقى: هل يمكن للسلطة أن تتعلم من التاريخ، أم أنها ستظل تُكرر خطأها الأكبر: الاعتقاد أن الأكاذيب الكبيرة تعيش أطول من الحقائق الصغيرة؟
* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





