* الدكتور عبد الله شَنْفَار
* في راهنيّة السؤال في البحث عن القيمة والرمز:
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا.)
البدعة ليست في قراءة القرآن جماعة؛ وإنما في إنكار الخير الذي يُقرّب الناس من القرآن.
شوقًا إلى تقليد قرآني أصيل ارتبط بوجدان المغاربة، وهو ما يُعرف بـ القراءة الجماعيّة المغربيّة أو القراءة الحزبيّة، التي كان الناس يجتمعون عليها بعد الصلوات في المساجد، يقرأون القرآن بصوت واحد على طريقة متقنة، تُظهر الانسجام والاحترام لكلام الله.
فهي تربية على الجماعة والسكينة والخشوع. ليست بدعة مذمومة لأنها لا تُنكر أصلًا من أصول الدين، بل تُعين على المقصود الشرعي.
البعد الروحي والاجتماعي: القراءة الجماعيّة المغربيّة ليست مجرد أداء صوتي، بل تجربة روحانيّة تجمع الناس على كلام الله، تربيهم على النظام، وتغرس حب القرآن في الصغار والكبار، وتُسمِع الناس جمال التلاوة الجماعيّة الموزونة.
حين نتأمل التجربة المغربيّة في قراءة القرآن جماعةً داخل المساجد؛ نكتشف أننا لا نقف أمام مجرّد ممارسة صوتيّة طقسيّة، بل أمام بنية رمزية جد معقدة تتقاطع فيها الذاكرة الروحيّة مع الوعي الجمعي، لتشكل ما يشبه “جغرافيا للسكينة”.
هذه القراءة التي عُرفت في الوِجدان الشعبي المغربي باسم القراءة الحزبيّة، ليست فقط تلاوة منغّمة مرتلة لكلام الله، بل هي تمثّل شكلًا من أشكال الاجتماع على المقدّس، حيث يلتقي الصوت الفردي بالصوت الجماعي، ويتحوّل الفعل القرائي إلى نَفَسٍ اجتماعي وروحي مشترك.
غير أن هذا التراث، الذي ظلّ قرونًا علامةً على الانسجام الروحي للمغاربة، أُدرج في العقود الأخيرة ضمن دائرة الاتهام، واعتُبر من قِبل بعض التيارات المُوغلة في التطرف، بدعة محدثة لا أصل لها.
وهنا تتبدّى الإشكالية حول طبيعة التّدَيّن:
هل يُمكن للعادة الدينيّة الجماعيّة أن تُفهم خارج مقولات البدعة والسنة؟ أم أن تصنيفها وفق هذا الثنائي يُغلق إمكان القراءة الفقهيّة والسوسيولوجية التي تستوعب التحول في القيّم والممارسات التّديُّنيّة عبر الزمن؟
أولًا: القراءة الجماعية بوصفها ممارسة ثقافيّة تعبديّة وروحيّة
تاريخيًا، تشكّلت القراءة الجماعيّة في المغرب ضمن سياق ديني واجتماعي متشابك، حيث كان المسجد فضاءً لتلاوة القرآن وتربية الناشئة وحفظ الجماعة على صلة دائمة بالوحي. كان القرّاء يجتمعون بعد الصلوات لتلاوة الحزب المقرر بصوت واحد منسجم، وفق أداءٍ مغربيّ رصين تراكم عبر الأجيال.
هذه الممارسة ليست مجرّد تقليد صوتي، بل هي آلية تربوية للحفظ، ووسيلة لغرس النظام والانضباط الروحي، وفضاء للتنشئة الاجتماعيّة التي تجعل من القرآن نسيجًا حيًا في الحياة اليوميّة.
إنها بهذا المعنى لا تُضيف عبادة جديدة إلى الدين، بل تُعيد تشكيل العلاقة مع القرآن في قالب جماعيّ، يجعل النصّ المقدّس موضع مشاركة وجدانية أكثر من كونه موضوعًا فرديًا للنجاة أو الثواب.
ثانيًا: بين الاتهام بالبدعة ومشروعية الوسيلة
إن تصنيف القراءة الجماعية ضمن البدع، انطلاقًا من غياب نصّ صريح في الممارسة النبوية، يتجاهل أن الفقه الإسلامي ذاته قد ميّز بين البدعة التعبدية التي تُنشئ عبادة بلا أصل، والبدعة الوسائلية التي تخدم غاية مشروعة.
فالاجتماع على تلاوة القرآن لم يُنكر في أي مذهب معتبر، بل نُقل استحبابه عن أئمة كبار كالإمام النووي الذي رأى أن في الاجتماع على القراءة تجلٍّ للسكينة والطمأنينة.
أما القراءة بصوت واحد، فليست إلا صيغة أداء جماعي تحقق مقصود الحفظ والمراجعة، شأنها شأن المؤسسات القرآنية أو الحِلَق التعليمية التي نشأت لاحقًا.
لقد أدرك العلماء المغاربة: كابن الحاج، وزروق، والكتاني، وابن عاشور…؛ وغيرهم كثر، هذا البعد المقاصدي، فاعتبروا القراءة الجماعيّة من العادات الحسنة التي تؤدّي وظيفة شرعيّة واجتماعيّة، ما دامت لم تُرفع إلى مرتبة الوجوب أو التقديس الطقوسي المغلق.
ثالثًا: في البعد الأنثروبولوجي للطقس الجماعي
القراءة الجماعية ليست فقط ظاهرة دينية، بل هي نظام رمزي جماعي يعيد إنتاج التوازن بين الفرد والجماعة، وبين الصوت والسكينة.
فحين يتوحّد الصوتان: صوت الفرد وصوت الجماعة، في نغمة واحدة، يُستعاد الشعور بالانتماء إلى “الكلّ”، إلى الأمة المتعبّدة.
بهذا المعنى، يمكن قراءة هذه الظاهرة كاستعارة أنثروبولوجية لوحدة الأمة حول نصّها المؤسس، وكأنّ تلاوة القرآن جماعةً هي تجسيد حسّي لفكرة الاجتماع على القيم المشتركة، في مقابل النزعات الفردية المتنامية في العصر الحديث.
إنّها فعل مقاومة ناعمة ضد تفكك الروابط الاجتماعية، ووسيلة لصيانة الذاكرة الصوتية التي شكّلت جزءًا من هوية الإسلام المغربي، بكل ما يحمله من توازن بين القانون والروح، بين الظاهر والباطن.
رابعًا: في العلاقة بين الفقه والقيم
إن النقاش حول “بدعية” القراءة الجماعية ليس نقاشًا فقهيا محضًا، بل هو تجسيد لصراع أعمق حول مركزية القيّم: هل ينحصر الفقه في حفظ النصوص والحدود الظاهرية، أم يمتد ليشمل روح الاجتماع الإنساني الذي تنشأ فيه تلك النصوص؟
إنّ فقه الظنيات، كما يطرحه الفكر المقاصدي، لا يهدف إلى ضبط الممارسة فحسب، بل إلى توجيهها نحو تحقيق مقاصد العدل والسكينة والتآلف.
ومن هذا المنظور، تصبح القراءة الجماعية تعبيرًا عن فقهٍ للقيم قبل أن تكون مسألة شكلية؛ ففقهها في معناها الأوسع هو فقه للتماسك الاجتماعي ذاته.
خلاصة: نحو إعادة الاعتبار لروح الجماعة
إنّ الدفاع عن القراءة الجماعية ليس مجرّد حنين إلى ماضٍ تراثي، بل هو دفاع عن نمط في الوجود الديني يرى في الجماعة معنى، وفي الصوت المشترك قيمة، وفي اللقاء على النصّ فعلًا مؤسّسًا للهوية.
فالبدعة ليست في أن يتلو الناس القرآن بصوت واحد، بل في أن ينقطعوا عن روح الاجتماع التي جعلت من القرآن رابطًا بين القلوب لا مجرد نصّ محفوظ في المصاحف.
إن استعادة هذا الفعل الجماعي، في زمن تتناسل فيه الفردانيات الدينيّة والسياسية، هي محاولة لإعادة وصل الفقه بالقيمة، والعبادة بالمعنى، والقانون بالروح؛ أي لإعادة إحياء الإنسان في النصّ والنصّ في الإنسان.
* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





