طلحة جبريل
في مثل هذا اليوم، 17 نوفمبر 2003، ودّعنا في طنجة الكاتب الاستثنائي محمد شكري، حيث وُري جثمانه في مقبرة مارشان. لم يكن عدد المشيعين كبيراً، لكنهم كانوا من الأسماء البارزة في المشهد الثقافي المغربي.
في حدود الثانية بعد ظهر السبت 15 نوفمبر، أغمض شكري عينيه في المستشفى العسكري بالرباط ورحل. كان قد فقد القدرة على الكلام، وفي آخر مكالمة هاتفية بيننا نطق بصعوبة جملة واحدة: “حالتي سيئة”. كانت تلك آخر مرة أسمع فيها صوته.
خاض شكري معركته مع المرض بلا هوادة طوال تسعة أشهر. كان مصمماً ألا يخسر هذا التحدي. قال لي يوم اكتشاف إصابته: «كنت أفضل أن أحقق الرقم القياسي في مبيعات الكتب، لا في مرض السرطان الذي أصاب ثلاثة أعضاء من جسمي».
حين أُدخل مجددًا إلى المستشفى العسكري، بدا وكأنه استسلم للمرض، وهو الذي قال لي ساخرًا في وقت سابق: “هذا مرض سخيف لا أعرف ماذا يريد مني.. كنت أتوقع كل شيء إلا هذا المرض. هناك معركة بين العلاج والمرض وسنرى من المنتصر. أظن أن المرض أخطأ حين اختار شكري، من المؤكد أنه سيندم. ربما اعتقد أنني دجاجة بشرية، وأنا لست كذلك. لا أعرف من يسخر من الآخر: أنا أم المرض”.
لكن المحزن أن المرض انتصر في النهاية على هذا الكاتب العصامي، الذي تحول من صبي مشرّد في أزقة طنجة إلى كاتب عالمي ذاع صيته في الآفاق. كان يأمل أن يعود من الرباط إلى طنجة ليشارك فريقاً تلفزيونياً إيطالياً بدأ آنذاك تصوير فيلم مأخوذ من روايته الشهيرة
“الخبز الحافي”. ذلك الموعد تأجل إلى الأبد.
في يومه الأخير بدا منهكًا، يتنفس بصعوبة عبر أنبوب أوكسجين، شاحب اللون وقد تساقط شعره، وهو يتكبّد معاناة هائلة. في لحظة غضب لعن المرض، وكأنه أدرك أنه يواجه أسوأ الاحتمالات. كنت أرغب في مغادرة غرفته سريعًا، فقلت له إنني سأعود لاحقًا. غادرت الطابق الثالث، نزلت السلم مثقلًا بالحزن، وخرجت من المستشفى بلا وجهة، والأرض من حولي بدت يبابًا. راودتني فكرة الرحيل، وطفرت دمعة إلى عيني. الموت يصبح غريبًا حين يقترب من دائرتك.
كانت تلك آخر مرة رأيت فيها محمد شكري. وبعد ساعة من مغادرتي، وصلني خبر رحيله. شعرت أنني فقدت شيئًا من نفسي، شيئًا من ذاكرتي، كثيرًا من الماضي وشيئًا من الحاضر.
أيها الصديق العزيز رحمة الله عليك ، لن تبرح الذاكرة .. قط.





