* الدكتور عبد الله شنفار
في زمنٍ كانت السياسة تُدار خلف الجدران السميكة وتُقدَّم للناس في صيغ جاهزة، يفرض البث المباشر اليوم واقعًا جديدًا يعرّي الفعل السياسي ويكشف هشاشته البنيويّة.
فما تنقله شاشة القناة الأولى من وقائع الجلسات البرلمانيّة لا يعكس مجرد خلافات عابرة، بل يُظهر ارتدادًا إلى صراعات الشارع، ويكشف عجز المؤسسة عن إدارة الاختلاف بطريقة بنّاءة.
وهنا يتصل السياق العام بالآية الكريمة: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً. وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إِلَّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ؛ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ)؛
فالاختلاف سنة طبيعيّة، لكنه يختلف جوهريًا باختلاف موضوعه وطبيعته.
في المشهد البرلماني المغربي المعاصر، نجد أن أغلب الخلافات لا ترتبط بالقضايا العظيمة؛ كالسياسات التشريعيّة، العدالة الاجتماعية والمجاليّة، الجيل الجديد لبرامج التنميّة الاجتماعيّة الترابيّة المندمجة، النموذج الاقتصادي أو القضايا الاجتماعيّة والثقافيّة والبيئيّة الجوهريّ؛
بل تدور حول الهامشيات، مثل: الحزازات الشخصيّة والاستعراض الإعلامي والردود الغريزيّة وتخوفات مستقبليّة بلا رؤية.
وهكذا، بينما الاختلاف المفيد هو ما يدفع الأمة إلى إنتاج رؤى وحلول بنّاءة، نجد أن الاختلاف الذي يهيمن اليوم داخل البرلمان غالبًا ما يكون اختلافًا تافهًا أو عبثيًا، يعكس ضعف المخيال السياسي، ويكرّس الانقسام والانفعال على حساب الفعل التشريعي والاجتماعي الفعّال.
* البث المباشر… من النقل إلى التشريح المؤسّساتي
تعرّي الكاميرا ما كان يُدار في الظلّ: صراعات غريزيّة، وانقسامات هويّة ضيقة، واستعراضات فرديّة على حساب المصلحة العامة.
البرلمان، الذي يفترض أن يكون فضاءً لإنتاج الممكنات، يتحول إلى مرآة مكسورة تعكس عجز النخب عن إدارة وتدبير الاختلاف بطريقة عقلانيّة ومؤسساتيّة، وتكشف عن فجوة بين لغة النخب التقليديّة ووعي الجيل الرقمي الجديد.
* مستويات الأزمة:
1. أزمة المخيال السياسي والثقافة التداوليّة؛
النقاش البرلماني غالبًا ما يغيب فيه التفكير الاستراتيجي، ويتحول إلى صراع هووياتي قائم على نوع من الطائفيّة أو الانتماءات السياسيّة الحزبيّة أو الجهويّة، بدل أن يكون اختلافًا حول قضايا عظيمة. وهذا يخلق فجوة بين المؤسسة والمجتمع ويعطل القدرة على التوصل إلى تسويات خلاقة.
2. الانزياح من البرنامجين إلى الغريزيّة
الاصطدامات الخطابيّة المستمرة تشير إلى تحول الصراع السياسي من صراع برامجي وسياسي إلى صراع غريزي شخصاني. والنتيجة تكون: تراجع الهيبة الرمزيّة للمؤسسة وتقويض قدرتها على إنتاج القانون وصياغة المعنى.
3. القطيعة بين الأجيال:
الجيل الجديد، وُلد من رحم الانفجار والفائض الرقمي، لا يثق كثيراً بالمؤسسات التي فقدت شرعيّتها الرمزيّة.
الاختلاف الحالي بين النخب والجيل الجديد هو اختلاف لغوي وإبستيمولوجي أكثر من كونه سياسيًا أو اجتماعيًا، مما يفاقم أزمة الشرعية.
* تداعيات الأزمة:
العجز المتعدد الأطياف والأبعاد؛ يمتد إلى جوهر المؤسسة: عدم قدرتها على إدارة وتدبير النقاشات والحوارات الداخلية؛ معناه: عجزها عن إنتاج تشريعات قادرة على مواجهة تحديات المجتمع.
بالمقابل، القدرة على إنتاج الخلاف بمستوى عالٍ، مقابل ضعف إنتاج الحلول، يفتح الباب أمام احتجاجات أقل تنظيمًا وأكثر عنفًا.
* نحو أفق إصلاحي وإمكانيّة التجاوز:
رغم الصورة القاتمة، توفر لحظة الانكشاف فرصة لإعادة بناء الثقافة السياسيّة على أسس متينة، تقوم على:
1. شرعية الإنجاز بدل الهوية؛
2. التسويات الخلاقة بدل الصراع الصفري؛
3. قواعد برلمانيّة تدعم النقاش التشريعي الجاد بدل الاستعراض؛
4. الانتقال من المعارضة السلبية إلى المشاركة البنّاءة؛
5. اعتماد مبادئ الحكم الرشيد لتعزيز مبدئي الشفافيّة والمساءلة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
* خلاصة:
البرلمان هو مرآة المجتمع والنخب. وما يكشفه البث المباشر اليوم؛ ليس مجرد انفعال أو خلاف شخصي، بل صورة عميقة لأزمة الشرعيّة السياسيّة. والفرق بين الأمة التي تُبنى وأخرى تعيد إنتاج أزماتها يكمن في طبيعة الاختلاف:
1. الاختلاف حول القضايا العظيمة يبني الدولة والمستقبل.
2. الاختلاف حول الهامشيات يعيد إنتاج الانقسامات ويهدر طاقة الأمة.
* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





