الاختلاف: سنّة إلهيّة أم دأب بشري عقيم؟ قراءة أنثروبولوجية في جدليّة التنوع والصراع
* الدكتور عبد لله شنفار
(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ).
بهذه الآية التأسيسية، يضع النص القرآني إصبعًا جليًا على نبض الوجود الإنساني: الاختلاف سُنَّة كونيّة، وليس طارئًا أو عيبًا.
إنه جزء من هندسة الخلق، وحكمة بالغة في تصميم المسرح البشري.
فالسؤال الجوهري الذي تثيره هذه السنّة ليس عن مشروعيّة الاختلاف ذاته، بل عن جوهره ومساره: أيٌّ من هذه الاختلافات التي تملأ فُسْحَتَنا الجمعيّة هي امتدادٌ لتلك الحكمة الإلهية، وأيُّها مجرد ضجيج عقيم في دهاليز التاريخ؟
الاختلاف، في صورته الساميّة، هو محرك التراكم والاحتشاد الحضاري. إنه الجدل الخلاق حول أسئلة الوجود الكبرى: كيف نبني العدالة؟ بأية مقاييس نوزع الثروة والفرص؟ كيف نصوغ نظامًا تربويًا يطلق الطاقات الممكنة ولا يقيد العقول؟ كيف نوازن بين سلطة الدولة وحريات الأفراد؟ كيف نخطط لمدنٍ ذكيّة تليق بإنسانيّتنا، ونؤمّن ماءً وطاقة لأحفادنا، ونتعامل مع تحولات عالمٍ يذوب ويتشكل تحت أقدامنا؟
هذا النقاش؛ لو وقع؛ سيكون نعمة ومباركة، وسيُلبس السياسة رداءها الحقيقي كفنٍّ للممكن وجهدٍ عقلاني لتدبير الاختلاف ذاته.
إنه الاختلاف الذي تُشير إليه الآية وتُباركه: (وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ).
لكنَّ المشهد؛ مع الأسف؛ يُسفر غالبًا عن وجهٍ آخر للاختلاف، هو أقرب إلى التمزق الأنثروبولوجي منه إلى الجدل الاستراتيجي. إنه اختلاف الأفخاخ لا اختلاف الأفكار، وصراع الهويات الضيقة لا رحابة الرؤى.
ينحدر ليصير:
صراعًا على الجوهرة لا على الخريطة: حيث تحل المناكفات الشخصيّة، وصراعات النفوذ الداخلي، والتحالفات الهشّة القائمة على ردود الفعل، محل النقاش البرامجي. يصير الهمُّ هو “من” لا “ماذا”.
ولغة الغرائز لا لغة العقل: حزازات تاريخية متجددة، وخطاب مزايداتي يستثمر في الانقسام، لا في البحث عن أرضية مشتركة. يصبح الاختلاف أداةً للاستعراض والإثارة الإعلاميّة، خاصة في ساحات التواصل الاجتماعي حيث يتحول إلى عروض مسرحية فارغة.
ثم خوفًا مرضيًا من المستقبل: اختلافٌ قائم على التخوف السلبي والارتباك، لا على التحليل والاستبصار. تغيب الحكمة، ويحضر الهلع من الانتخابات القادمة، أو من فقدان موقع، أو من ظلال التحديات العالمية، دون جرأة على مواجهتها بخطط واضحة.
هذا الوجه الثاني ليس من “سُنَّة الاختلاف” في شيء. إنه عجز عن الارتقاء إلى مستوى الحكمة الإلهية المودعة في تنوعنا. إنه تحويل لطاقة الاختلاف الخلاقة إلى طاقة تدميرية تلتهم الجهد والزمن، وتُبقي القضايا الحقيقية في دهاليز الانتظار.
1. كيف يتحوّل الاختلاف من “مُكوِّن أنثروبولوجي” إلى “مورد استراتيجي”؟ وهل يمكن قياس قدرة المجتمعات على تحويل التنوع إلى رأس مال حضاري؟
2. هل تمتلك الجماعات البشرية “ذاكرة اختلاف”؟ وكيف تشكّل هذه الذاكرة البعيدة أنماط الصراع أو التعايش في الحاضر؟
3. ما الحدّ الفاصل بين الاختلاف كوظيفة بنيوية في المجتمع، والاختلاف كأيديولوجيا تُصنَع؟ وكيف يُستخدَم هذا الحدّ في إعادة هندسة الفضاء العام؟
4. إلى أي حد يمكن اعتبار “الفوضى الاختلافية” شكلًا من أشكال المقاومة الرمزية ضد نماذج السلطة التقليدية؟ ولماذا تتكرر في المجتمعات التي تعاني من هشاشة الدولة؟
5. هل يمكن وجود “رقمنة للاختلاف” تُعيد تشكيل الهويات عبر الخوارزميات؟ وما أثر الذكاء الاصطناعي في إعادة توزيع حق الاختلاف أو مصادرته؟
6. كيف تُنتج البيئات الحضرية أنماطًا جديدة من الاختلاف لا تشبه اختلاف القرية أو الصحراء أو الجبال؟ وهل يغيّر المكان طبيعة الصراع أم يغيّر أدواته فقط؟
7. ما هي آليات تحوّل الاختلاف الصحي إلى صراع عقيم؟ وهل يمكن هندسة “موانع اجتماعية” تمنع الانتقال إلى هذا المستوى؟
8. إذا كان الاختلاف سُنَّةً كونية، فهل يمكن اعتبار الصراع انحرافًا طارئًا أم ضرورةً تطورية؟ وما الذي يحدد وجهته في كل مجتمع؟
9. كيف تُصاغ “روايات الاختلاف” داخل الثقافة؟ ومن يمتلك حق تأويل التعدديّة: النخب، أم الجماعات، أم المؤسسة الدينيّة، أم الخطاب الإعلامي؟
10. هل يمكن وجود مجتمعات “تُفرِط في الانسجام” حتى تفقد القدرة على الابتكار؟ وكيف نفسّر التوازن الدقيق بين التناغم البنّاء والاختلاف المُولِّد للمعنى؟
11. ما علاقة الاقتصاد السياسي بعلّة الاختلاف؟ وهل تتغيّر طبيعة الخلافات حين يتحوّل المجتمع من اقتصاد ندرة إلى اقتصاد معرفة؟
12. كيف يؤثّر الخوف لا الرأي في إعادة تشكيل خرائط الاختلاف داخل المجتمع؟ وما هو دور الخيال الجمعي في تضخيم أو تقليص مساحة الخلاف؟
13. هل تمتلك الأمم “مَلكة الاختلاف” مثلما تمتلك ملكة الشعر أو الفلسفة؟ وهل يمكن دراسة الاختلاف بوصفه مهارة حضارية قابلة للتعلُّم والتطوير؟
الجواب عن هذه التساؤلات، هو التحدي الحضاري الذي تواجهه أمتنا؛ وأي أمة؛ ليس في إلغاء الاختلاف، فهذا محال ومخالف للحكمة.
التحدي هو في ترشيده وتنضيجه. تحويله من ثرثرة سجالية إلى حوار مؤسسي، ومن صراع على الكراسي إلى تنافس على الأفكار، ومن حفريات في ماضي الخلافات إلى استشراف لمستقبل التحديات.
عندها فقط، عندما يختلف الساسة والمفكرون والمصلحون حول “التعليم، الصحة، العدالة المجالية، الثورة الرقمية، الأمن المائي والطاقي، إصلاح الإدارة”، يكون اختلافنا تفسيرًا عمليًا لقوله تعالى: (وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ). عندها نتحول من كوننا أمة تختلف؛ وهو واقع محتوم؛ إلى كوننا أمة تختلف لكي تَخْلُق؛ وهو الإنجاز المنشود.
وهذا هو الفارق بين الاختلاف كسُنَّة إلهيّة، والاختلاف كدأب بشري عقيم.
* نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





