مفارقة العَدَم المُؤسِّس: خطاب المظلوميّة وأزمة الشرعيّة في الدولة الجزائريّة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*الدُّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار

 

 

1. حين يُنفي المُهين ويُستدعى الأثر:
كيف تُفسِّر دولةٌ ما شعورًا جماعيًا بالمهانة بينما تعلن رسميًا أن فاعل هذه المهانة “لَمْ يُولَدْ بعد”؟
هذا السؤال ليس مجرد استنطاق لتصريح عرضي، بل هو مفتاح لقراءة أعمق لبنية خطابيّة تحتكرها سلطة تقف عند مفترق تأسيسي بين الواقع والتخييل.
إن النفي المطلق الوارد في العبارة الشعبيّة كما سماها فخامة رئيس الدولة الجزائريّة نفسه– “اللي يسخر أو يحتقر الجزائر مازال ما ولداتوش أمو” – لا يقتصر على دحض حادثة بعينها، بل ينسف الأسس المنطقيّة لأي ادعاء بالاحتقار عبر الزمن؛ سواء في الماضي أو الحاضر وحتى المستقبل في انتظار أن يولد.
فإذا كان المُهين مشروعًا مستقبليًا غير متحقق في الواقع، سواء في الماضي أو الحاضر؛ فما هو منشأ ذلك الإحساس الجمعي العميق بالإهانة والاحتقار الذي يغذي الخطاب الرسمي ذاته؟
هنا تبرز المفارقة التأسيسيّة: خطاب يُنكر وجود العدو المُحتقر في الواقع، فيما يُعيد إنتاجه وتدويره بلا انقطاع في المخيال والتمثل الجماعي كشرط لاستمرار شرعيّته التعبويّة.
2. التشريح البنيوي: سرديّة “حگرونا المَرُّوكْ” بوصفها كذبة ودعاية تأسيسيّة
لم تكن رواية “حگرونا المَرُّوكْ” مجرد سرديّة تاريخيّة لحرب الرمال سنة 1963، بل تحولت منذ لحظة المرحوم أحمد بن بلة إلى سرد مؤسِّس للدولة الحديثة. لم يكن الهدف تفسير هزيمة عسكريّة أو نزاع حدودي، بل كان الهروب إلى الأمام من مسئوليّة بناء مؤسسات وطنيّة قادرة على تجاوز إرث الاستعمار.
لقد حوّل الخطاب الرسمي ضعف الجيش الناشئ وهشاشة الدولة الفتيّة إلى مؤامرة خارجيّة مكتملة الأركان، مسقطةً بذلك أسباب الفشل الداخلي على عدوٍ خارجي.
هذا التحويل لم يبقَ في إطار البلاغة العاطفيّة؛ فقد رفعه المرحوم هوّاري بومدين إلى مستوى العقيدة الرسميّة، حيث تمّ تحويل الحدث إلى تابو لا يُمسّ، وأرشيف لا يُفتح، وجرح مقدّس يُنزف عند الحاجة.
وهكذا، تحولت “الكذبة – الدعاية” من مجرد تبرير آني إلى بنية دائمة في المخيال السياسي، تُستخدم لـ”شدّ العصب الوطني” وإسكات الأسئلة المحرجة حول الأداء الداخلي عبر تصدير الأزمة إلى عدو خارجي تعلق عليه الشمّاعة.
3. التناقض الجدلي: بين نفي الفاعل واستثمار الأثر
يضعنا التصريح الشعبويّ الرئاسي الأخير أمام معضلة منطقيّة لا مهرب منها: إما أن تكون سرديّة “حگرونا المَرُّوكْ” صحيحة، وبالتالي يكون النفي المطلق كاذبًا؛ وإما أن يكون النفي صحيحًا، وعندها تتحول السرديّة التأسيسيّة برمتها إلى وهم سياسي مُصنَّع، فلا يمكن للخطابين أن يتعايشا دون أن يلغيا أحدهما الآخر.
إلا أن الممارسة السياسيّة تكشف عن قدرة النظام على إدارة وتدبير هذا التناقض عبر ما يمكن تسميته “اقتصاد الخطاب المزدوج”:
1. خطاب خارجي ناعم ينفي العداء،
2. وخطاب داخلي مشحون يغذّي الذاكرة الجريحة.
هذه الازدواجيّة لا تعكس فحسب أزمة مصداقيّة نظام حاكم، بل تكشف عن نمط وجودي للسلطة: سلطة تعتمد في شرعيتها على استمراريّة الشعور بالمظلوميّة، حتى عندما تعلن أن أساس هذا الشعور وهمي.
إنها مفارقة السلطة التي تحتاج إلى عدو محتمل لتماسك داخليها، ثم تكتشف أو تعلن أن هذا العدو غير موجود إلا في خطابها الوهمي.
4. من “العدو الخارجي المحتمل” إلى “العدو المُتخيَّل”: تحولات الخطاب واقتصاد الشرعيّة
يمثل التصريح تحولاً نوعيًا؛ وإن كان غير مقصود؛ في بنية الخطاب الرسمي: انتقالًا من الحديث عن عدو خارجي ملموس إلى الإشارة لعدو متخيل ومحتمل لم يتحقق بعد.
هذا التحول ليس بريئًا، بل هو مؤشر على أزمة عميقة في أدوات الشرعنة التقليديّة. فبعد ستة عقود من استثمار سرديّة المظلوميّة، يبدو أن المصادر التقليديّة للخطاب التعبوي قد استُنفدت، ما يدفع السلطة إلى استدعاء عدوٍ في طور الوجود، أو بالأحرى، في طور العدم.
يُظهر هذا التحول كيف أن السلطة أصبحت أسيرة خطابها الخاص: فبعد أن روّجت لعقود لفكرة المؤامرة الخارجيّة، تجد نفسها مضطرة إلى الحفاظ على إطار هذا الخطاب حتى عندما تفرغه من مضمونه الواقعي.
العدو لم يعد دولة أو نظامًا، بل أصبح احتمالاً مستقبليًا، وهو ما يفتح الباب لاستمرار غير محدود لخطاب المظلوميّة والحُكرة، حتى في غياب المظلوم منه.
* الخلاصة: الدولة التي تحاكم شبحًا..!
في نهاية هذا المسار التحليلي، يبرز سؤال مصيري: ماذا تبقى لسلطة بنت شرعيتها على مقاومة عدو، حين تعلن أن هذا العدو “لم يُولد بعد”؟
التصريح لا يمثل مجرد زلّة لسان أو تناقضاً عابراً، بل هو ربما من حيث لا يدري قائله؛ اعترافٌ ضمني بأن رأس المال الرمزي الذي اعتمدت عليه السلطة لعقود قد استُنفد، وأن الإهانة المؤسِّسة كانت، في جوهرها، صناعة محليّة لملء فراغ الشرعيّة.
هنا تكمن المأساة العميقة: دولة لم تستطع، أو لم تشأ، أن تبني شرعيّتها على الإنجاز والمواطنة والقوّة الضاربة والأولى في شمال أفريقيا والعالم؛ فاختارت طريقًا أقصر عبر تخليد صورة الضحيّة.
ولكن حين تُجبر، تحت وطأة التطورات أو منطق الخطاب ذاته، على نفي وجود المُهين، فإنها تُفقد ذاتها الأساس الذي قامت عليه.
إنها الدولة التي ترفع الدعوى ضد شبح، وتحاكم عدماً، وتستمد وجودها من محاكمة كِيان أعلنت هي نفسُها أنه غير موجود.
وفي هذا المفترق، لا يبقى سوى سؤال واحد: أي مستقبل لشرعية تقوم على محاكمة عدوٍ محتمل لَمْ يُولَدْ بَعْد أو ربّما الوعي لَمْ يَلِدْ رَجُلاً عاقلاً ورَشِيدًا بعد؟

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...