اكتمال المرجعيّة ولااكتمال التاريخ: في التمييز المنهجي بين المشروع الديني الثابت والمشروع القِيَمي المتحوّل والمتغيّر

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدُّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار

 

 

* حين يُساء فهم الإكتمال:
هل يعني اكتمال الدين اكتمال الصيرورة التاريخيّة؟ وهل اكتمال المرجعيّة يستلزم اكتمال مسلسل ومسار التجربة الإنسانيّة التي تستلهمها؟
هذا السؤال لا يطرح نفسه في الحقول اللاهوتية فحسب، بل يتسلّل إلى المجال السياسي والاجتماعي كلّما جرى التعامل مع الفعل البشري بمنطق الثبات المعياري نفسه الذي يخصّ النصّ المؤسِّس.
هنا يبدأ الإلتباس: إذ يُنقل مفهوم الإكتمال من مجال الوحي إلى مجال التاريخ، ومن مستوى المعيار إلى مستوى التنزيل، فتُغلَق أبواب المراجعة باسم اكتمال الأصل.
والحال أنّ النصّ القرآني حسم اكتمال الدين من حيث مرجعيّته القيميّة: «اليوم أَكْمَلْتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام دينًا». غير أنّ هذا الاكتمال يخصّ البنية المعياريّة، لا تجلّياتها التاريخيّة المتحوّلة.
– أولًا: اكتمال الدين بوصفه اكتمال معيار لا اكتمال واقع
اكتمال الدين لا يعني تجميد الحياة، بل تثبيت الميزان الذي تُوزن به الحياة. إنّه اكتمال في مستوى القيّم الكبرى والمبادئ المؤسِّسة: العدل والكرامة والاستخلاف والمسؤوليّة. هذه القيّم لا تحتاج إلى إضافةٍ بشريّة؛ لأنّ اكتمالها مرتبط بمصدرها المتجاوز للتاريخ.
غير أنّ اكتمال المعيار لا يلغي نسبيّة الفهم، ولا يعفي الإنسان من مسؤوليّة الاجتهاد. فالنصّ ثابت، لكن القراءة متجدّدة؛ والقيمة مطلقة، لكن تنزيلها محكوم بظروف الواقع.
وهنا يظهر الفارق الدقيق بين ثبات المرجعيّة وحركيّة التأويل؛ بين اكتمال النصّ ولااكتمال الفهم البشري له.
– ثانيًا: المشروع القِيَمي بوصفه مسارًا تاريخيًّا مفتوحًا
إذا كان الدين قد اكتمل من حيث المعيار، فإنّ المشروع القِيَمي الذي يسعى إلى تجسيده في الاجتماع البشري يظلّ مفتوحًا وغير مكتمل بطبيعته. ذلك أنّ الفعل الإنساني السياسي، والاجتماعي، والمؤسّسي، والتنموي؛ يجري داخل الزمن، ويشتبك مع تحوّلاته، ويتأثّر بتغيّر السياقات والقدرات والمعارف.
إنّ كلّ تجربة تاريخيّة تُجسّد القيّم تمثّل اقترابًا نسبيًا من المثال، لا تجسيدًا نهائيًا له.
فالقيم لا تُنجَز مرّة واحدة، بل تُختبر في كلّ سياق جديد، ويُعاد اكتشاف أبعادها كلّما تغيّرت شروط الواقع.
ومن هنا، يصبح الإصلاح مشروعًا لا متناهيًا، لا لأنّ القيم ناقصة، بل لأنّ التجربة البشرية بطبيعتها ناقصة ومحدودة.
– ثالثًا: من خطر الخلط إلى تجميد التاريخ
المأزق يبدأ حين يُعامَل المشروع الدنيوي: الدولة والسياسة والتنمية؛ بمنطق الاكتمال الديني. حينها تتحوّل المرجعيّة إلى حصنٍ ضدّ المراجعة، ويُقدَّم النقد باعتباره خروجًا عن الثابت، ويُفهم الإصلاح بوصفه تهديدًا للاستقرار.
في هذا السياق، لا يُلغى الاجتهاد نظريًا، لكن يُفرَّغ عمليًا؛ ويُستبدل منطق التقييم بمنطق التحصين الرمزي. فتتحوّل القيم من معيارٍ للحركة إلى غطاءٍ للجمود، ويُختزل الثبات في شكلٍ مؤسّسي معيّن، لا في المبدأ الذي يُفترض أن يوجّهه.
والنتيجة أنّ التاريخ يتوقّف عن كونه مجالًا للتقريب من المثال، ويصبح مجالًا لإعادة إنتاج الصيغة نفسها باسم الحراسة على الأصل.
– رابعًا: الفجوة البنيويّة بين المثال والواقع
ليست المسافة بين القيّم والواقع دليلًا على خللٍ في القيم، بل حدًّا أنطولوجيًا في الفعل الإنساني. فالإنسان يعمل داخل شروط محدودة، ويصوغ قراراته في ظلّ نقص المعرفة وضغط المصالح وتعقيد البنى الاجتماعية.
من هنا، يكون التصحيح الذاتي واجبًا قيميًا، لا انحرافًا عن القيمة. إنّه اشتغال دائم على تقليص الفجوة بين المثال والممارسة. فالمرجعيّة المكتملة لا تُغني عن المراجعة؛ بل تجعلها أكثر إلحاحًا، لأنّ قيمة العدل مثلًا لا تتحقّق بمجرد إعلانها، بل بتجديد أدوات تحقيقها.
– خامسًا: الميزان والوزن: استعارة في الفهم المنهجي
يمكن اختزال التمييز في صورةٍ منهجيّة واضحة: ما اكتمل هو الميزان، أمّا الوزن فمتغيّر.
الميزان ثابت بمعاييره، لكنّ ما يُوزن به يتبدّل بتبدّل الأحوال.
حين يُخلط بينهما، يُتصوَّر أنّ كلّ تجربة تاريخيّة تعبّر عن الدين تعبّر عنه نهائيًا، في حين أنّها ليست سوى محاولة ضمن سلسلة محاولات.
والمجتمع الذي يدرك هذا الفرق يظلّ حيًّا، لأنّه لا يُقدّس تجاربه، بل يُقوّمها في ضوء ميزانٍ أعلى منها.
* خلاصة: بين اكتمال المعنى وحركيّة الفعل:
إنّ اكتمال الدين يمنح المعنى والثبات، أمّا لااكتمال الفعل الإنساني فيمنح الحركة والإمكان. والتوازن بينهما هو ما يقي المجتمعات من الوقوع في أحد تطرفين:
إمّا ذوبان المرجعيّة في نسبية مطلقة،
أو تجميد التاريخ باسم اكتمالٍ لا يخصّه.
يبقى السؤال مفتوحًا في أفق الفكر والممارسة: كيف نحافظ على ثبات الميزان دون أن نحوّله إلى عائق أمام الوزن؟ وكيف نُبقي على قدسيّة المرجعيّة دون أن نُسبغ القداسة على اجتهاداتنا التاريخيّة؟

ذلك هو الامتحان الدائم للمجتمعات التي تريد أن تجمع بين المعنى والحركة، بين الثابت والمتغيّر، بين اكتمال المصدر ولااكتمال المسار.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...