أنظمة تحديد التشوير الطرقي المتغيّرة: نحو أنطولوجيا جديدة للطريق بين المرونة الرقميّة والسيادة القانونيّة
* الدُّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار
تتناول هذه الدراسة أنظمة تحديد السرعة المتغيّرة (Variable Speed Limits) بوصفها تحوّلًا أنطولوجيًا في فهم الطريق، لا مجرد أداة تقنيّة لتنظيم السير.
تنطلق الورقة من نقد فلسفة السرعة الثابتة، لتبيّن كيف تعيد الأنظمة الذكيّة صياغة العلاقة بين القانون والسياق العام، وبين السلطة والانصياع، ضمن إطار حكامة ذكيّة للبنية التحتيّة.
كما تناقش الإشكالات السوسيو-تقنيّة المرتبطة بالشرعيّة، والرقابة، والعدالة المجاليّة، مع إسقاط تحليلي على السياق المغربي، حيث تتقاطع الحاجة الملحّة إلى تقليص الحوادث المميتة مع محدوديّة الأدوات الوقائيّة التقليديّة.
هذا، وتخلص الدراسة إلى أن السرعة المتغيّرة تمثل انتقالًا من منطق الضبط القانوني الجامد إلى منطق السلامة التكيفيّة القائمة على الاستباق والمعرفة اللحظيّة لتدبير المخاطر.
– من الثابت الديناميكي إلى الفضاء المتغيّر نحو إعادة تشكيل فلسفة السلامة الطرقيّة
لم يعد الطريق مجرد سطح خرساني أو إسفلتي يربط بين نقطتين، بل تحوّل إلى فضاء سوسيو-تقني حيوي تتقاطع داخله إرادة السائق مع قيود الآلة، ويتواجه فيه القانون بوصفه نصًا مجردًا مع الواقع بوصفه سياقًا متقلبًا.
في هذا الإطار، تبرز أنظمة تحديد السرعة المتغيّرة (VSL) لا كحل تقني محض، بل كعلامة على تحوّل عميق في العقليّة الإداريّة للسلامة الطرقيّة.
هذا التحوّل يثير سؤالًا مركزيًا: كيف يمكن لقانون يقوم على أساس الثبات النسبي أن يحكم فضاءً يتسم بالانسياب، واللاتوقع، والتغير المستمر؟
وهل تمثل التقنيّة هنا أداة تنفيذ محايدة، أم وسيطًا يعيد تشكيل علاقة السلطة بين المنظِّم والمُنظَّم، بحيث يتحول الامتثال من خضوع قسري إلى استجابة عقلانيّة لمقتضيات اللحظة؟
– أولًا: تفكيك الثبات والجمود: نقد فلسفة السرعة التقليديّة
تستند فلسفة التشوير الطرقي الكلاسيكي إلى افتراض ضمني مفاده أن الطريق كيان قابل للاختزال في قيمة سرعة واحدة صالحة لكل الأزمنة والأحوال.
غير أن هذا الافتراض يتجاهل الطبيعة الديناميكيّة للطريق بوصفه فضاءً للمخاطر المتغيرة والمحتملة الحدوث.
إن فرض سرعة موحدة في ظروف ضباب كثيف، أو كثافة مروريّة خانقة، لا يمثل فقط إجراءً غير فعّال، بل يكشف عن فجوة أنطولوجيّة بين “القانون كما هو مكتوب” و“الطريق كما هو مُعاش”.
في هذا السياق، تمثل أنظمة السرعة المتغيّرة محاولة لردم هذه الفجوة، عبر الانتقال من منطق الحكم المفترض المسبق إلى منطق الحكم في الزمن الحقيقي (En temps réel).
غير أن هذا الانتقال يفتح إشكاليّة شرعيّة دقيقة: هل تظل سلطة تحديد الخطر حكرًا على النص التشريعي، أم تنتقل جزئيًا وتدريجيّاً إلى منظومة استشعار وخوارزميات تدّعي قراءة الواقع بدقة أعلى من التقدير البشري؟
– ثانيًا: العقد الاجتماعي الرقمي نحو إعادة تفاوض بين السلطة وبين السائق والمنظومة الذكيّة
لا تفرض أنظمة السرعة المتغيّرة القرار بقدر ما تُقنع به. فاللوحات الإلكترونيّة لا تصدر أوامر صمّاء، بل تعرض “اقتراحًا عقلانيًا” مؤسسًا على معطيات آنية: تحوّلات في حالك الطقس وطبيعة الرؤية والكثافة في الضباب المتردد.
بهذا المعنى، ينتقل السائق من مواجهة رمز معدني ثابت إلى التفاعل مع حَكَم متحرك يستمد شرعيّته من كونه “شاهدًا موضوعيًا” على الواقع.
هنا، تتحول العلاقة من نموذج الآمر المطيع إلى نموذج الناصح المستجيب، حيث يصبح الامتثال فعل تعاون لا مجرد انصياع.
لكن هذه المرونة الظاهريّة تخفي توترًا بنيويًا: فكلما ازدادت قدرة النظام على التنبؤ بسلوك الأفراد، ازدادت كثافة الرقابة المضمرة.
ويطرح ذلك سؤالًا فلسفيًا وسياسيًا: هل نقبل بتوسيع نطاق الرقابة مقابل وعد بالأمان؟ وأين تنتهي السلامة المشروعة وتبدأ هندسة السلوك؟
– ثالثًا: الاستباقيّة الجذريّة: من ثقافة ردّ الفعل إلى هندسة فعل المنع
التحول الأعمق الذي تحمله هذه الأنظمة يتمثل في نقل مركز الثقل من العقوبة اللاحقة إلى المنع الاستباقي. فهي لا تنتظر الخطأ لتعالجه، بل تعيد تشكيل البيئة الطرقيّة لتقليص احتمال وقوعه أصلًا.
هذا المنطق يزعزع المفهوم الكلاسيكي للمسؤولية الفرديّة؛ فإذا كانت البنيات التحتيّة الطرقيّة قادرة على استشعار المخاطر وتوجيه السلوك الجماعي لتفاديها، فإن غياب هذه البنيات لم يعد مجرد نقص تقني، بل تقصير أخلاقي ومؤسساتي.
ومن هنا، يمكن اعتبار توفير أنظمة ذكيّة للسلامة الطرقيّة واجبًا عموميًا لا يقل أهمية عن إنشاء الطرق والمنشآت نفسها.
– رابعًا: التحديات السوسيو-تقنية: الثقافة والعدالة ووهم الحياد
لا تعمل أنظمة السرعة المتغيّرة في فراغ اجتماعي. فنجاعتها مرهونة بثقافة مروريّة قادرة على استيعاب منطقها التكيفي.
في مجتمعات اعتادت على الثبات والجمود، قد يُنظر إلى التخفيض الاستباقي للسرعة بوصفه مبالغة أو تقييدًا غير مبرر.
كما تطرح هذه الأنظمة إشكاليّة العدالة المجاليّة: هل ستُحصر في المحاور الاستراتيجية والمناطق الغنية، أم تُعمَّم باعتبارها حقًا في السلامة؟ ثم إن الخوارزميات نفسها ليست محايدة؛ فهي تجسّد اختيارات بشرية حول مستوى المخاطر المقبولة، وأولوية الانسيابيّة مقابل السلامة.
السؤال هنا ليس تقنيًا، بل سياسي: من يحدد هذه المعايير، وبأي مساءلة ديمقراطيّة؟
– خامسًا: السياق المغربي: من أزمة الحوادث إلى سؤال الحكامة
في المغرب، حيث ما تزال مؤشرات الحوادث المميتة مرتفعة جداً، يكشف الاعتماد شبه الحصري على التشوير الثابت والردع الزجري عن حدود المقاربة التقليديّة. فالتنوع المناخي، وتفاوت جودة الطرق، والضغط المروري المتزايد، كلها عوامل تجعل من السرعة الثابتة أداة قاصرة عن إدارة وتدبير المخاطر الواقعيّة.
إن إدماج أنظمة السرعة المتغيّرة في الشبكة الطرقيّة المغربيّة لا ينبغي أن يُقرأ كمشروع تكنولوجي معزول، بل كجزء من تحول أوسع نحو حكامة ذكيّة للبنية التحتيّة، قوامها البيانات، والاستباق، وتكامل الأدوار المؤسساتيّة.
* خلاصة: الطريق ككائن حي: السلامة بوصفها خاصيّة ناشئة
لا تمثل أنظمة تحديد السرعة المتغيّرة نهاية المسار، بل خطوة في اتجاه إعادة تصور الطريق ككائن حي يتفاعل مع محيطه ومستخدميه.
ومع اقتراب عصر المركبات المتصلة والذاتيّة القيادة، قد تنتقل السلامة والأمان من مجال الإشارة المرئيّة إلى مجال الاتصال المباشر بين الطريق والمركبة.
غير أن السؤال الجوهري الذي يظل مفتوحًا، هو: إذا أصبح الطريق قادرًا على “الوعي” بظروفه وتوجيه السلوك، فإلى أي حد سنسمح لهذه الأنظمة بأن تعيد تعريف علاقتنا بالحرية، وتدبير المخاطرة، والقرار؟
إن الجواب لا يكمن في التقنيّة وحدها، بل في نقاش مجتمعي عميق حول نوعية الحياة التي نرغب في بنائها داخل فضاءاتنا العامة الذكيّة.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





