هيبة الظلّ وسلطة الفراغ: تأمّلات في أنثروبولوجيا ما بعد المنصب داخل الدولة المغربية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدُّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار

 

 

– مقدّمات بصيغة الغياب: أو حين يكون الرحيل اختبارًا للكيان
أيُّ معنى يبقى للفاعل العمومي حين تُسحب منه العلامات والرموز والنياشين، التي كانت تمنحه قابليّة الظهور داخل المجال؟ وهل يكشف التقاعد عن هشاشة ذاتيّة أم عن طبيعة مخصوصة للشرعيّة التي بنتها الدولة حول ممثليها؟
ثمّة لحظة فارقة في حياة مَن قضى عقودًا في صناعة وبلورة وتمرير وتنفيذ القرار، ورسم الحدود بين المسموح به والممنوع، واحتكار نيابة السيادة في أطراف الدولة. لحظة يغادر فيها صاحب الصفة مكتبه، فيكتشف أن الصفة كانت هي الجسد، وأن ما تبقّى منه –بعد نزع المنصب– ليس سوى صدى خافت في ممرات كانت تعجّ بالهيبة.
هنا ليست الإحالة على التقاعد نهاية عقد عمل، بل انفصال عن نظام رمزي بأكمله. ففي الثقافة السلطويّة التي نسجت الإدارة المغربية عبر قرون، لم يكن رجل الإدارة موظفًا يُؤجر على كفاءته وأداءه، بل امتدادًا بشريًّا للمركز، وظلًّا متحركًا للسيادة.
من هذا المنطلق، لا يكون السؤال: كيف يقضي المتقاعدون أيّامهم أو بقيّة حياتهم بعد المغادرة؟ بل: كيف يُعاد تشكيل الذات بعد أن تُسحب منها الألقاب والرموز والنياشين التي كانت تُعرِّفها للعالم؟
– أولًا: أنثروبولوجيا الهيبة: أو حين يكون القرب من المركز مسألة وجود لا وظيفة
في العمق التاريخي للإدارة، لا تُشتقّ الهيبة من القانون، بل من المسافة. المسافة الذات والموضوع، بين صاحب القرار والمجال، بين النائب والممثَّل، بين من يتحكّم في الرمز ومن يخضع له.
الهيبة ليست عنفًا صريحًا، ولا كاريزما فرديّة، بل هي هذه الهالة التي تتسرّب إلى الجسد من موقع صاحبها في السلسلة التراتبيّة. صغير الموظف في أدنى السلم إلى أعلاه؛ لا يتكلّم باسمه، بل تنطق الدولة على لسانه.
هذه البنية تخلق تماهيًا وجوديًا: مَن يجلس في موقع القرار لا يمثل الإدارة فحسب، بل يصير هو الإدارة في عين من حوله. المشكلة الأنثروبولوجية العميقة تبدأ حين يُفصل هذا الجسد عن الكرسي، فتُسحب منه الهيبة كما تُسحب الروح من الجسد.
ليس غريبًا إذن أن يعيش البعض، مرحلة التقاعد كموت رمزي، وأن يتحوّل البعض الآخر إلى ظلّ حائر بين ماضٍ يتوارى وحاضر لا يعترف. وهنا يبرز السؤال الثقيل:
هل كان الاعتراف الذي نالوه طيلة عقود؛ موجّهًا إلى كفاءاتهم وأدائهم أم إلى المقاعد والمهام التي شغلوها؟ وإذا كان الجواب يميل إلى الاحتمال الثاني، فهل يمكن للمرء أن يتصالح مع فكرة أنه كان طوال حياته المهنية مجرد قناع للإدارة أكثر منه وجهًا لنفسه؟
– ثانيًا: بنية الفراغ: أو حين يتحوّل الصمت إلى مرارة
الصمت، قيمة كبرى في ثقافة الإدارة. صمت عن القرار، وصمت عن الذات، وصمت عن المشاعر.
تعوّد رجالات الدولة على نكران الذات المؤسساتي وإخفاء التعب والغضب والانكسار، لأن هيبة المنصب تمنع الاشتكاء. لكن هذا الصمت لا يتبدّد بالتقاعد، بل يتحوّل إلى ترسّب نفسي.
فمَن أمضى أربعين عامًا لا يتكلّم، ولا يستطيع فجأة أن يقول أو يكتب. لذلك، حين تظهر المرارة في جلسات بعض المتقاعدين، لا ينبغي فهمها بوصفها كراهيّةً أو نقمةً أو بغضاً حقدًا شخصيًا، بل بوصفها انفجارًا متأخرًا لصوت مكبوت.
إنها اللغة الوحيدة التي تبقى حين تُغلق كل لغات العمل والصنع والفعل والتأثير. المقارنة المستمرّة بين عهدهم وعهد الخلفاء، والنقد اللاذع لكل قرار جديد، ليس ناتجًا عن عمى عن واقع التحوّلات، بل عن وجع الامحاء. إنه صراخ من لا يُسمع.
تلك المرآة التي تعكس لرجل الإدارة المتقاعد، صورة هامشيّة بعد عقود من المركز، قد لا تحطّم كرامته بقدر ما تحطّم روايته عن نفسه. بحيث لم يعد هو مَن يُنتظر قراره، بل مَن يُنتظر أن يرحل.
هذا التحوّل من الرجل الفاعل إلى المفعول به، ومن صاحب الأمر والنهي والمنع والإذن، إلى متلقّيه، هو ما يولّد ذلك الشعور بالإحباط بأن الزمن قد خانه لا بأنه هو من غادره.
– ثالثًا: تحوّلات الدولة: من منطق الضبط إلى منطق الإدارة والتدبير
غير أنّ المسألة ليست نفسية فقط. فالدولة المغربية نفسها لم تَعُد هي الدولة التي خدموها. مع دستور 2011، ومسار الجهويّة المتقدّمة، وانتقال مركز الثقل من الوصاية إلى الشراكة، ومن الهيبة العموديّة إلى النجاعة الأفقيّة، حدث تحوّل جوهري في مفهوم السلطة ذاتها.
رجل الإدارة والسلطة اليوم ليس ظلّ المركز، بل مدبّر ومهندس التراب والسياسات الحضرية. ليس حارس الحدود الرمزيّة، بل مهندس التنميّة المجاليّة المحلّية.
هذا التحوّل يخلق فجوة بين جيلين:
1. جيل تربّى على أن السلطة مسافة وهيبة وامتداد،
2. وجيل يمارسها كفاءة وتواصلًا وإدارة وتدبيرًا.
فالجيل الأول يرى في التحولات والتغيير الحاصل؛ تراجعًا عن صلابة وهيبة الدولة، والثاني يقرأه تحديثًا لضروراتها ومتطلباتها.
ليس المطلوب محاكمة أي من الرؤيتين هو على صواب أو خطأ؛ بل فهم أن الصراع ليس بين أشخاص، بل بين منطقين متباينين لتدبير العلاقة بين المركز والمجال.
لكن السؤال الذي يبقى مشرعًا:
هل يمكن لدولة تنتقل من المنطق الأبوي إلى المنطق المؤسسي أن تتحمّل مسئوليّة من شيّدوا شرعيّتها القديمة؟ أم أن قوّة الدولة تكمن تحديدًا في قدرتها على ضمان الأسس التي وجدت من أجلها، وهي: الوجود والسيادة والأمن والاستقرار والاستمرار والتنمية والعمران ووسائل العيش المستدام لمواطنيها؛ دون الالتفات إلى مَن غادروا، تمامًا كما يستمر النهر رغم تغيّر مياهه؟
– رابعًا: الرأسمال الرمزي بين التجميد وإعادة التحويل
هنا نستحضر أداة مفكّرة للرأسمال الرمزي: الهيبة والاعتراف والاحترام والتقدير والاعتبار والمكانة والدور، كلها أشكال من الرأسمال غير المادي الذي يراكمه الفرد طيلة مساره الإداري والمهني.
في المجتمعات التقليديّة، يُحتفظ بهذا الرأسمال مدى الحياة. أمّا في المجتمعات الحديثة، يُعاد تحويله إلى أشكال أخرى: خبرة واستشارة وكتابة وحضور سياسي وثقافي واجتماعي وجمعوي.
ما يعانيه بعض رجال الإدارة المتقاعدين، ليس غياب الرأسمال الرمزي، بل عجز المؤسسات عن استقباله وتحويله.
لا توجد في المغرب؛ كما في بعض الدول؛ مجالس إستشاريّة عليا أو مهام رمزيّة أو طقوس تكريم مؤسساتيّة، تستوعب خبرات هؤلاء وتحوّلها إلى رأسمال معرفي تستفيد منه الأجيال الجديدة. فيُترَك الرأسمال المتراكم ويهمش ويستبعد ليتجمّد، ثم ليتبخّر، ثم ليتحوّل إلى حسرة فيموت.
لكن أليس من المشروع أن نتساءل: لماذا تنتظر الدولة أن تمنحك المعنى بعد الخدمة؟ أليست القدرة على إنتاج المعنى من خارج المنصب هي الاختبار الحقيقي للنضج؟
حين لا يستطيع المرء أن يعيش بلا كرسي، فهل كان هو من يجلس على الكرسي أم الكرسي من كان يجلس عليه؟
– خامسًا: الأقنعة الأربعة: كيف يواجه المتقاعدون مرآة الفراغ؟
ليس المتقاعدون كتلة نفسيّة واحدة، ولا يصحّ اختزالهم في صورة الناقم الكاره أو الحاقد. ثمّة على الأقل أربعة أنماط وجوديّة لمواجهة ما بعد السلطة:
1. النمط الأول: الانسحاب الهادئ؛
يوجد فئة مَن يعتبرون السلطة مجرّد مرحلة، ويعودون إلى ذواتهم كما يعود المسافر إلى بيته. لا حنين ولا مرارة، بل امتنان صامت على فرصة الخدمة، وقناعة بأن من أعطى وقته للدولة لا يجب أن يطلب من الدولة أن تعطيه هويته.
2. النمط الثاني: إعادة التموضع والتموقع؛
يوجد أيضاً فئة مَن يرفضون فكرة النهاية، فيحوّلون الخبرة إلى عائد رأسمال جديد، من خلال: تقديم استشارات والانخراط في جمعيات وكتابة مذكرات وتقارير تجربة مفيدة وخالدة ووساطات محليّة.
ينتقلون من منطق القرار إلى منطق التأثير في سلطة ومصدر القرار، ومن الهيبة الممنوحة إلى الهيبة المبنيّة.
3. النمط الثالث: النوستالجيا السلطويّة؛
يوجد كذلك فئة مَن يظلّون أسرى أوهام الماضي، ويعيشون الحاضر كنوع من الخطأ في التوزيع. يقارنون، وينتقدون، ويدينون، بل يسحبون ويستنكرون وينددون ويتذمّرون ويشوشون؛ ليس لأنهم أشرار، بل لأنهم لم يجدوا جسرًا يعبرون عليه من ضفة المنصب إلى ضفة الذات.
4. النمط الرابع: داء الحسرة والمرارة الصامتة؛
وهذه الفئة هم الأكثر مأساويّة. لا يتكلّمون ولا يقارنون وولا يعترضون. فقط ينسحبون من المجال العام، يمرضون بصمت، ويموتون رمزيًا قبل موتهم الفعلي. لقد كانوا المنصب، وحين رحل، رحلوا معه.
هذه الأنماط لا تخضع لإرادة كاملة، بل هي حصيلة تفاعل بين البنية النفسية للفرد، والسياق العام المؤسّسي لخروجه، والرصيد الرمزي الذي تراكم لديه. لكنها تشير جميعها إلى حقيقة واحدة: السلطة كاشفة لا صانعة. من كان متوازنًا قبلها، غالبًا ما يخرج منها متوازنًا. ومن كانت هويته رهينة المنصب، يصبح الفراغ مرآته الوحيدة.
– سادسًا: هل تحتاج الدولة إلى هندسة ما بعد السلطة؟
السؤال الذي يتسلّل من بين كل هذه التحليلات لا يتعلّق فقط بالأفراد، بل بالدولة نفسها. حين تترك دولة رجالاتها يواجهون مصيرهم بمفردهم بعد عقود من الخدمة، ألا تفقد جزءً من رأسمالها الرمزي هي أيضًا؟ ألا تبعث برسالة ضمنيّة إلى مَن ما يزالون في الخدمة مفادها أن الولاء لا يُستعاد، وأن الاعتراف موقّت، وأن الدولة كيان يستهلك ويأكل البشر ثم يتخلّى عنهم؟
بعض الدول بنت تقاليد في تكريم رجالات الدولة السابقين: مجالس استشاريّة، ومهام رمزية، وكتابة للتاريخ الرسمي، ومشاركة في الاحتفالات الوطنيّة. وهذا ليس ترفًا شعائريًا، بل استثمارًا في الرأسمال المعنوي للدولة نفسها.
فحين يكرم الوطن أبناءه السابقين، إنما يكرّم فيهم نموذج العطاء الذي ينتظر الأبناء الحاليّين والمستقبليّين. لكن الطرف الآخر من السؤال لا يقلّ إحراجًا:
أليس جزءً من نضج الدولة أن تنتقل من منطق الأبويّة إلى منطق المواطنة؟ أليس من علامات الصحّة المؤسسيّة أن تظلّ الدولة موجودة ومستمرّة آمنة ومستقرة، بغضّ النظر عن الأسماء التي تمرّ منها؟ وهل المطلوب حقًا أن تتحوّل الدولة إلى أمّ رحيمة ورؤوم تطمئن أبناءها بعد الكبر، أم المطلوب أن يتحرّر الأبناء من عقدة الأمومة في علاقتهم بالدولة؟
* استنتاج: الهيبة المتجدّدة أو الانمحاء الصامت
تظلّ الهيبة في الثقافة الإدارية والسياسية، معضلة غير محلولة. هل هي فضيلة يجب الحفاظ عليها لأنها تشكّل صمام أمان ضدّ انهيار سلطة الدولة في المجال؟ أم هي بقايا نمط تدبيري تجاوزه الزمن، ولم يَعُد صالحًا للمفهوم الجديد لدولة تقوم على أساس المؤسسات والقانون والجهوية؟
ربما تكمن المفارقة في أن الدولة المغربية اليوم تعيش تحوّلاً لا يلغي الهيبة، بل يعيد تعريفها. هيبة الكفاءة والأداء، بدل هيبة المسافة. هيبة الخدمة بدل هيبة المقام. هيبة ما بعد المنصب بدل هيبة الموقع.
هذا التحوّل لا يقلق فقط مَن غادروا، بل يقلق أيضًا مَن ما يزالون، لأنه يعيد تشكيل شروط اللعبة برمّتها.
في النهاية، تظلّ العلاقة بين رجل الإدارة والسلطة والدولة أشبه بعلاقة الممثل بالمسرح. حين يُسدل الستار، لا يبقى من الدور سوى الذاكرة. والممثل الحقيقي هو مَن يعرف كيف يخلع القناع دون أن يفقد وجهه.
أما أولئك الذين التصق القناع بوجوههم، فلن يجدوا لأنفسهم خلاصًا، وسيقضون ما تبقّى من العمر واقفين خلف ستائر مسارح مهجورة، ينتظرون إضاءة لا تأتي، ومصفّقًا من الجمهور لا يعود.
ليس السؤال: كم من الوقت أمضيتَ على خشبة المسرح؟ بل: ماذا بقِيَ منك حين تُطفأ الأضواء؟

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...