ما بين خطاب المحبة «لِتَعَارَفُوا» وخطاب الكراهية «لِتَتَنَابَذُوا وتنافروا»: كرة القدم كساحة للصراع القيمي
* الدُّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار
– أولًا: الجسد الرياضي وروحه الصراعية
في اللحظة التي تتحول فيها كرة القدم من مجرد لعبة إلى ظاهرة ثقافيّة كونيّة، تنتقل تلقائيًا من حيّز الترفيه إلى فضاء المعنى. هنا، تتحول المباراة إلى نصّ مفتوح، والملعب إلى منصة لإنتاج الخطابات وتفكيكها.
هذه الدراسة لا تتناول الرياضة في بعدها التنافسي الرياضي البحت، بل تستقصيها بوصفها ساحة رمزيّة كبرى، حيث تُخاض معارك الهويّة والذاكرة، ويتقابل خطابان متعارضان في جذورهما: خطاب يدعو إلى التعارف الإنساني مستندًا إلى منطق التعدديّة والتلاقي مع الآخر: القريب والبعيد، وآخر يكرّس للتنابذ والتعبئة العدائيّة.
التساؤل الجوهري الذي تطرحه هذه الصفحات هو: كيف تتحول اللعبة الأكثر شعبيّة في العالم إلى مرآة تعكس تناقضاتنا الجمعيّة، وإلى أداةٍ تُستخدم تارةً لبناء الجسور وتارةً أخرى لتعميق الخنادق وعدم الجسور؟
– ثانيًا: افتتاحيات العالم: قراءة في رؤى الكون
يمكن اعتبار حفل افتتاح أي بطولة كرويّة كبرى بيانًا تأسيسيًا، أو “عقدًا رمزيًا”، يحدد الإطار الدلالي الذي سيدور فيه الحدث. إنه لحظة استعلاء تتجاوز الرياضة لتعلن عن رؤية للعالم.
افتتاح كأس العالم قطر 2022 لم يكن استثناءً؛ فاستحضار الآية القرآنية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم… لِتَعَارَفُوا﴾، لم يكن مجرد زخرفة دينيّة أو محليّة. لقد كان إعلانًا فلسفيًا وسياسيًا في آنٍ واحد. إنه يؤسس لمبدأ “الاعتراف” المتبادل بوصفه الغاية من التنوع البشري. هنا، تُقدَّم الرياضة كوسيط أخلاقي، كفضاء محايد (أو يُفترض أن يكون محايدًا) يتحقق فيه هذا التعارف عبر المنافسة الشريفة.
الرياضة، في هذه القراءة، هي لغة مشتركة تتخطى حواجز الجغرافيا واللسان، وتجسد فكرة “المواطنة العالميّة” المؤقتة، حيث الانتماء الوحيد هو للإنسانيّة وللجماليّة الرياضيّة.
لكن، ماذا لو أن هذا “الفضاء المحايد” نفسه كان مجرد وهم؟ ماذا لو أن تاريخنا المجروح وذاكرتنا الصراعيّة تتبعنا حتى داخل أسوار الملعب؟
هنا ينقلب المنطق رأسًا على عقب.
ثالثًا: تشريح الانزياح: من “لتعارفوا” إلى آليات “التنابذ والتنافر”
في مقابل نموذج التعارف، تبرز نماذج أخرى وكثيرًا ما تُرى في السياقات المغاربيّة والعربيّة؛ حيث يُختطف المجال الرياضي ليصبح امتدادًا لمعارك سياسيّة وتاريخيّة مؤجلة.
في هذه الحالة، لا يُنظر إلى المنافس كخصم رياضي، بل كعدوّ رمزي، تجسيد لماضي من الظلم أو الحاضر من التهديد. هذه العملية ليست عفويّة، بل هي نتاج “تعبئة رمزيّة” مُخطَّط لها. إذ تُستدعى رموز تاريخيّة (معارك، استعمار حركات التحرر وتقرير المصير، نزاعات حدوديّة)، وتُحمَّل دلالات جديدة، وتُقدَّم للجمهور عبر خطاب إعلامي وشعاراتي يعيد تأطير الواقع.
تتحول المباراة إلى “استعراض للذاكرة الانتقائية”. تُسكت فصول المصالحة والتعايش، وتُرفع نبرة فصول الظلم والصراع. الهويّة الجمعيّة، التي يفترض أن تكون مركبة ومتطورة، تُعاد صياغتها على عجل في بوتقة الانفعال العاطفي. تُختزل “نحن” في موقف دفاعي عدائي، وتُجسَّد “هم” في صورة تهديد وجودي.
السؤال الأنثروبولوجي المقلق هنا: هل نحن نلعب كرة القدم، أم أن كرة القدم هي التي تلعب بنا وبمخيالنا الجمعي الهش؟
– رابعًا: تشريح الجمهور: بين الوجدان المأزوم والوعي المُستلب
في قلب هذه الآلية، يقف المتلقي المشجع. إنه ليس المحرك الأصلي لهذا الخطاب في معظم الأحيان، بل هو وسيطه الناقل وأرضيته الخصبة.
يأتي الفرد بحثًا عن متعة الجمال الحركي وعن دفء الانتماء العاطفي إلى نادٍ أو وطن. لكنه يجد نفسه داخل “مختبر للمشاعر الجمعيّة”. تُهندس مشاعره عبر الهتافات، واللافتات، والخطابات الإعلامية المغذية. يتحول من فاعل يبحث عن المتعة إلى وسيط يعيد إنتاج خطاب الكراهية، غالبًا دون وعي نقدي بطبقاته السياسية.
هذه القابليّة للاستقطاب لا تنفصل عن السياق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي والبيئي الأوسع. إن مجتمعات تعيش تحت وطأة الإحباط واليأس، وتشهد انسدادًا في الأفق السياسي، وتفتقر إلى مناعة نقديّة قويّة، تكون تربة خصبة لتحويل الغضب المكبوت إلى هويات صلبة وجاهزة. يصبح الملعب متنفسًا لهذا الغضب، و”الآخر” الرياضي هدفًا بديلًا مقبولاً اجتماعيًا لتفريغ هذا التوتر.
– خامسًا: نموذج مضاد: الزليج كاستعارة للتكامل
في مواجهة هذا الانزياح نحو التنابذ، تبرز محاولات لاستعادة البعد الجمالي والتكاملي للرمز.
شعار كأس أمم إفريقيا المغرب 2025، المستلهم من فن الزليج، يقدم استعارة ثريّة. الزليج، في جوهره، هو فن “التعدد داخل الوحدة”. كل قطعة خزفيّة مختلفة في لونها وشكلها، ولكنها لا تكتسب قيمتها الجمالية والمعنى إلا عند اكتمال اللوحة واتحادها في نسق متناغم.
هذا هو النموذج المضاد للتعبئة العدائيّة: رياضة لا تنفي الخصم، بل تجعله جزءً ضروريًا من اكتمال الصورة. المنافسة هنا ليست للإقصاء، بل هي شرط لإبراز الجمال والتفوق. إنه استدعاء لخيال جماعي بديل، يقوم على أساس التآزر لا التنافر، ويرى في الاختلاف مصدر إثراء لا تهديد.
– سادسًا: صراع التأويلات: القلب النابض للأزمة
الاستنتاج الجوهري هنا هو أن الصراع ليس في حدث المباراة ذاته، بل في القراءات التي تُسقط عليه. الملعب هو المسرح، ولكن النص يكتبه المعلقون، والسياسيون، والإعلام، والنخب الثقافيّة، والذاكرة الجمعيّة.
الصدام هو صدام تأويلات: هل نرى في اللقاء الرياضي فرصة لـ “تعارف” يتجاوز الصور النمطيّة، أم مناسبة لتجديد مشاعر “العداء” وتكريسها؟ هل نستدعي التاريخ كمخزون للحكمة والتعلم، أم كمستودع للأحقاد والثأر الرمزي؟
هذا يقودنا إلى صراع قيمي أعمق: بين نزعة إنسانيّة تبحث عن المشترك وتوسع دائرة التعاطف، وتؤمن بأن الرياضة يمكن أن تكون “هدنة مؤقتة” تفتح نوافذ للتفاهم، وبين نزعة انكفائيّة هُووياتيّة ترد على الإحساس بالمهانة أو التهديد بتصلب الهويّة وتحويلها إلى حصن منيع، حيث يصبح الغضب هو العلامة الأبرز للانتماء.
* خلاصة: كلفة الضجيج وضرورة الصوت الإنساني
لكل خطاب ثمنه الباهظ. خطاب الكراهيّة، حتى وإن بدأ كلهوٍ جماهيري أو استقطاب تكتيكي، لا يبقى حبيس المدرجات. إنه يتسرب إلى النسيج الاجتماعي، ويُعادي الروح النقديّة، ويُمهّد الطريق ثقافيًا لأشكال من العنف والاستبعاد ومحاولة الإقصاء.
الأخطر من ذلك هو “الازدواجيّة القيميّة” التي يولدها، حيث نعيش تناقضًا صارخًا بين تبني خطاب التعارف في الفضاء الرسمي والمجرد، وممارسة التنابذ والتنافر في الفضاء العاطفي والرمزي.
الرياضة، في نهاية المطاف، هي مرآة مكبرة لمجتمعاتنا. ما نراه على المدرجات هو انعكاس مكثف وحاد لما يعتمل في أدوارها الخلفيّة. فاستباحة هذا الفضاء العالمي وتحويله إلى ساحة حرب رمزيّة، ليست خسارة رياضيّة فحسب؛ إنها خسارة لفرصة تاريخيّة نادرة لـ “تعارف” حقيقي.
ربما حان الوقت لنتساءل: هل نريد للرياضة أن تكون آخر ساحاتنا المشتركة التي نهدرها في صراعاتنا القديمة، أم يمكن أن نعيد لها دورها كجسر هشّ، لكنه ضروري، للاستماع إلى “صوت الإنسان للإنسان”، قبل أن يختفي هذا الصوت تمامًا تحت ضجيج الهتافات والصدامات والتصريحات المندفعة والغير مسؤولة التي تسيء للبلد، ويصبح الصراع الرمزي هو اللعبة الوحيدة التي لا نعرف قواعدها، ولا ندرك أننا جميعًا خاسرون فيها.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





