الثقافة الجغرافيّة وإدارة وتدبير المخاطر في المغرب: من المعرفة الوصفيّة إلى الوعي بالسياسات الحضريّة والهندسة المجاليّة
* الدُّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار
– أوّلًا: الكارثة بما هي اختبار للوعي لا للبنية فقط
كيف يمكن لحدث طبيعي أن يتحوّل، في لحظة واحدة، إلى مرآة فاضحة لطريقة تفكير مجتمع بأكمله؟
ليست الكارثة، في معناها العميق، انهيارًا مفاجئًا في الطبيعة بقدر ما هي انكشافٌ عن منسوب الفهم الذي يحكم علاقتنا بالمجال. فحين يُختزل الفيضان في مقارنة مع منشأة رياضية محصّنة، لا نكون أمام خطأ تقني عابر، بل أمام بنية ذهنية تُسَوِّي بين ما يخضع لمنطق هندسي مغلق، وما يتحرّك وفق ديناميات طبيعية مفتوحة، وكأن المجال كتلة محايدة لا تاريخ لها ولا هشاشة.
في هذا التحويل الاختزالي، تغيب الأسئلة الثقيلة: كيف يُبنى العمران في السافلة؟ كيف تُدار الأحواض المائية؟ وكيف تُوزَّع المخاطر قبل أن تتوزّع الخسائر؟
إن تغييب هذه الأسئلة لا يعني غيابها من الواقع، بل انتقالها إلى مستوى الصدمة حين تنفجر الطبيعة خارج السرديات الجاهزة.
– ثانيًا: من جغرافيا الحفظ إلى فقدان أنطولوجيا المجال
ما الذي يجعل الجغرافيا، بكل ما تحمله من قدرة تفسيرية، عاجزة عن حماية الوعي العام من السقوط في المقارنات الساذجة؟
الجواب لا يكمن في ضعف التخصصات، بل في نمط إنتاج المعرفة ذاته. فقد جرى تفريغ الجغرافيا من بعدها الأنطولوجي، وتحويلها إلى معجم أسماء وأرقام، دون تدريب على قراءة المجال كنسق تفاعلي تتقاطع فيه الطبيعة والسياسة والتقنية.
هكذا، لم يعد السد يُفهم كعنصر داخل منظومة حوض مائي، بل كرمز معزول يُستدعى في الخطاب عند الحاجة. ولم تعد السافلة مجالًا هشًّا تُبنى فيه المخاطر بالتراكم، بل فضاءً يُستحضر فقط عند الكارثة.
وفي هذا الانفصال بين المعرفة والمجال، يتكوّن ذلك الشكل الأخطر من الجهل: جهل واثق من نفسه، قادر على الحديث من “عين المكان” دون إدراك لماهية المكان ذاته.
ثالثًا: الذاكرة التاريخية حين تُفصل عن السببية
لا يمكن فهم هذا الخلل الجغرافي دون ربطه بالخلل التاريخي الموازي. فالتاريخ الذي يُدرّس بوصفه رزنامة وقائع، يُنتج وعيًا يرى الحدث دون شروطه، والنتيجة دون مسارها.
هذا، وحين يغيب التفكير السببي، يصبح من السهل اختزال الكوارث في فشل آني، أو في مؤامرة شاملة، دون المرور عبر شبكة الاختيارات السياسية، والتخطيطية، والعمرانية التي راكمت شروط الانفجار.
بهذا المعنى، لا يكون الخطاب العدمي طارئًا، بل نتيجة منطقية لوعي لم يتدرّب على الربط بين الزمن والمجال، ولا على مساءلة القرار في سياقه، ولا على التمييز بين الخطأ البنيوي والتقصير الظرفي.
– رابعًا: العدمية بوصفها سياسة مضادّة للفهم
لماذا تزدهر العدمية تحديدًا في لحظات الكوارث؟
لأنها تعيش على التبسيط، وتتنفّس مناخ الصدمة. فالخطاب الذي يرفض التعقيد لا يفعل ذلك عجزًا فقط، بل لأن التعقيد يُفقده قدرته على الإدانة السريعة. ومن هنا، تتحوّل المقارنات المغلوطة إلى أدوات تعبئة، لا تبحث عن تفسير، بل عن أثر.
هذا الخطاب لا يُخطئ فقط في توصيف الواقع، بل يعيد تشكيله رمزيًا: يُحوّل الدولة إلى كيان متآمر دائم، والسياسات العمومية إلى عبء مطلق، والكارثة إلى دليل نهائي.
في هذا المسار، يُفرَّغ النقد من وظيفته الإصلاحية، ويُستبدل بمنطق التشكيك الشامل الذي لا يقترح بديلاً، ولا يعترف بإمكان التعلّم من الأزمات.
– خامسًا: السياسة حين تُستعاد من بوابة المعرفة
ليست مواجهة هذا الخطاب دفاعًا عاطفيًا عن الدولة، ولا تبريرًا للسياسات القائمة، بل استعادة للسياسة بمعناها الجاد: بوصفها فنّ إدارة المجال تحت شروط الندرة والمخاطر. فالمساءلة الحقيقية لا تُبنى على المقارنة بين غير القابل للمقارنة، بل على تفكيك اختيارات التعمير، وأولويات الوقاية، وأنماط توزيع الاستثمار بين ما هو استباقي وما هو تدخّلي.
إن تدبير المخاطر، في جوهره، فعلٌ معرفي قبل أن يكون تقنيًا. وكلما غاب هذا البعد، تحوّلت الكارثة إلى مسرح للانفعال، لا إلى مختبر للتعلّم.
* خلاصة: من يملك حق تفسير المجال؟
في زمن التحوّلات المناخية، لم يعد السؤال عن قدرة الدولة على التدخل كافيًا، بل أصبح السؤال الأعمق هو:
من يملك شرعية تفسير ما يحدث؟ هل يُترك المجال لخطابات تُسَوِّي بين الطبيعة والمنشأة، بين الفيضانات والهندسة، بين الوقاية والصدفة؟ أم يُعاد الاعتبار لمعرفة تُنصف التعقيد، وتربط المسؤولية بالسياسات، لا بالمزايدات؟
إن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الفيضانات المقبلة، بل في تطبيع وعي يرى في كل كارثة دليلًا نهائيًا، وفي كل تفسير علمي تبريرًا. وحين يصل المجتمع إلى هذه العتبة، لا تكون المشكلة في الماء حين يفيض، بل في العقل حين يتخلّى عن الفهم.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





