القمر والهُويّة: أزمة المرجعيّات في الجهاز المعرفي الإسلامي المعاصر

إيطاليا تلغراف

 

 

 

* الدُّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفار

 

 

– حين يتحول القمر إلى سؤال وجودي:
ليس غريباً أن تتكرر أزمة استهلال الشهور القمرية كل عام، وكأن الزمن الإسلامي يدور في فلك معضلة لا تنتهي. لكن الغريب حقاً أن يتكرر السؤال بنفس الحدة رغم أن علم الفلك المعاصر بات قادراً على تحديد لحظة ميلاد الهلال بالدقيقة، ورسم مساره بدقة متناهية، ووضع تقاويم دقيقة لعقود قادمة.
فلماذا إذن يظل الهلال موضع جدل؟ ولماذا تتحول ظاهرة فيزيائيّة محضة إلى معركة هوياتية شاملة؟
الحقيقة أن المسألة لا تتعلق بالقمر نفسه، بل بما يمثله القمر في الذهنيّة الإسلاميّة: إنه عقدة تتقاطع عندها خيوط الهويّة الدينيّة، والسيادة السياسيّة، ووحدة الأمة، والثقة في المؤسسات العلميّة والشرعيّة. وهو ما يجعل من قضية الهلال نموذجاً مصغراً لأزمة أعمق في بنية التفكير الإسلامي المعاصر.
– أولاً: القمر بين فيزياء الأجرام السماويّة وسلطة التأويل
هل ثمَّة قمران حقاً: قمر ديني وقمر علمي؟ بالطبع لا. من الناحية الفيزيائيّة لا وجود إلا لجرم واحد يدور في فلك محسوم بقوانين كونيّة ثابتة.
لكن المشكلة تنشأ عندما يتعامل الناس مع هذا الجرم وفق نظامان معرفيّان مختلفان:
1. نظام إثبات تعبدي-نصي يستمد سلطته من النصوص المقدسة وآليات الاجتهاد التراثي،
2. ونظام رصد تجريبي-رياضي يستمد دقته من قوانين الفيزياء ونماذجها الرياضية.
الأزمة إذاً ليست في القمر، بل في تعارض سلطتين إبستمولوجيتين تتنازع الحق في الحكم على نفس الموضوع. وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن التوفيق بين سلطة النص التي تطلب الرؤية بالعين المجردة، وسلطة العلم التي تقدم يقيناً حسابياً لا يقبل الجدل؟ أم أن المسألة برمتها تتعلق بمن يملك حق إنتاج المعرفة أصلاً؟
– ثانياً: معضلة المرجعيات المتصارعة
لماذا يتكرر الجدل رغم وضوح الحساب الفلكي؟
لأن الصراع في جوهره ليس صراع معلومات بل صراع مرجعيات. فالمسألة تتجاوز البعد المعرفي إلى أبعاد أربعة متداخلة:
1. البعد الشرعي السلطوي: من الذي يملك شرعية إعلان بداية الشهر؟ هل هو الفقيه المجتهد الذي يتلقى شهادة الرؤية، أم عالم الفلك الذي يمتلك أدوات اليقين الرياضي؟
2. البعد السيادي السياسي: هل ينبغي أن يكون القرار محلياً يعبر عن خصوصية كل بلد، أم أممياً يعكس وحدة الأمة الإسلامية؟ وكيف يمكن التوفيق بين سيادة الدولة ووحدة الأمة؟
3. البعد الهوياتي الرمزي: هل الرؤية مجرد وسيلة لضبط الزمن، أم هي طقس تعبدي يحمل رمزية الاتباع النصي والارتباط بالتراث؟
4. والبعد المؤسساتي المجتمعي: هل يثق المجتمع في عالم الفلك كما يثق في الفقيه؟ أم أن الثقة موزعة بين مؤسسات معرفية متنافسة؟
هذه الأبعاد المتشابكة هي التي تحول مسألة فلكية بسيطة إلى أزمة سنوية متكررة، وتجعل من الهلال ساحة معركة رمزيّة بين تيارات فكريّة ومؤسسات دينيّة وسياسيّة.
– ثالثاً: مدرسة المقاصد وحدود نجاحها
لماذا لم تتمكن مدرسة المقاصد من حسم هذا الإشكال؟
منذ الإمام الشاطبي، حاولت هذه المدرسة نقل مركز الثقل من ظواهر النصوص إلى مقاصدها الكلية. لكنها في مسألة الهلال اصطدمت بعقبتين رئيستين:
* الأولى: وجود تيار تعبدي نصي قوي لا يرى في وسيلة الرؤية مجرد أداة يمكن استبدالها، بل يراها جزءاً من التعبد ذاته، ورمزاً للاتباع الحرفي للنص. هذا التيار لا يتعامل مع الرؤية كوسيلة لمعرفة الوقت، بل كطقس هوياتي لا يقبل التبديل.

* الثانية: غياب سلطة فقهية مركزية على مستوى العالم الإسلامي يمكنها توحيد القرار وفرضه. فالمقاصد نجحت جزئياً في مجالات الاقتصاد والفقه الاجتماعي، لكنها في الشعائر الزمنية المتعلقة بتوحيد الأمة واجهت مقاومة عنيدة؛ لأن الناس يرون فيها حصناً أخيراً للهوية في زمن العولمة.
– رابعاً: تشريح الجهاز المعرفي الإسلامي
لفهم عمق الأزمة، لا بد من تحليل بنية الجهاز المعرفي الإسلامي التقليدي في مقابل الجهاز المعرفي العلمي، وفق نموذج خماسي الأبعاد:
* الجهاز المعرفي الإسلامي التقليدي:
– أولاً: المصدر: النص المقدس (القرآن والسنة).
– ثانياً: الأداة: اللغة العربية وآليات أصول الفقه.
– ثالثاً: الدينامو المولد: الاجتهاد التراثي بمدارسه المتعددة.
– رابعاً: الفهم الناتج: رؤية تعبدية نصية للعالم.
– خامساً: المنتجات: فتاوى ومذاهب ومؤسسات دينية.
* في المقابل، يعمل الجهاز المعرفي العلمي وفق منطق مختلف تماماً:
– ·أولاً: المصدر: الطبيعة وظواهرها
– ثانياً: الأداة: الحواس المدعومة بالأجهزة والتقنيات
– ثالثاً: الدينامو المولد: التجربة والنمذجة الرياضية
– رابعاً: الفهم الناتج: قوانين فيزيائية قابلة للتنبؤ
– خامساً: المنتجات: تقاويم دقيقة وأقمار صناعية.
فعندما يتقاطع هذان الجهازان على موضوع واحد؛ وهو تحديد بداية الشهر؛ يحدث التصادم. ليس لأن أحدهما على خطأ والآخر على صواب، بل لأن كليهما يدّعي امتلاك الطبعة الأصليّة للحقيقة وينطلق من مقدمات لا يقبل منها الآخر.
– خامساً: آليات الدفاع المعرفي
لماذا لا يتكيف الجهاز المعرفي التقليدي بسهولة؟
لأن أي جهاز معرفي يطور آليات دفاعية تحمي كيانه: فهو يحمي مصدره من أي مساءلة أو مراجعة، ويعتبر أي محاولة لتجاوزه اعتداء على المقدس. وهو يحمي ديناموه المولد (آليات الاجتهاد) لأنه يمثل جوهر عمليته الإنتاجية.
لذلك، عندما يُقترح استبدال الرؤية بالحساب، يشعر التيار النصي أن: مصدره (ظاهر النص) قد تم تجاوزه. وآليته (الشهادة والرؤية) قد تعطلت. وهو ما يهدد وجوده ذاته وهنا يتحول النقاش من فلكي تقني إلى هوياتي وجودي، وتستحيل المجادلة بالتي هي أحسن.
– سادساً: التجربة التاريخية والدروس المستفادة
هل المشكلة في الدين نفسه أم في البنية المؤسسية؟
التاريخ الإسلامي ليس خالياً من فقهاء اعتبروا الحساب معتبراً في نفي استحالة الرؤية أو إثباتها. لكن المشكلة تكمن في غياب مؤسسة علمية فقهية موحدة تجمع الطرفين في إطار منهجي واحد.
في أوروبا، على سبيل المثال، تم حسم إشكالية التقويم بإصلاح بابوي في القرن السادس عشر عندما أقر البابا غريغوريوس الثالث عشر التقويم الذي يحمل اسمه، وفرضه على العالم الكاثوليكي بقرار مؤسسي ملزم.
العالم الإسلامي، بافتقاره لسلطة مركزية مماثلة، يظل أسير تعدديّة فقهيّة غير منضبطة وتنافس سياسي حاد.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن للعالم الإسلامي أن ينتج مؤسسة معرفيّة موحدة تتمتع بشرعيّة دينيّة وسياسيّة كافية لفرض قرار ملزم في مثل هذه المسائل؟ أم أن التعددية الفقهية والتشظي السياسي سيبقيان عائقاً أمام أي توحيد؟
– سابعاً: معايير تقييم الأجهزة المعرفية
لتجاوز هذه الأزمة، نحتاج إلى بناء إطار معياري يمكن به قياس كفاءة أي جهاز معرفي إسلامي معاصر، دون الوقوع في أحد طرفي الإفراط: لا هدم النص، ولا تجميد الواقع. يمكن اقتراح سبعة معايير أساسية:
1. معيار الاتساق الداخلي: هل ينتج الجهاز المعرفي أحكاماً متناقضة في القضايا المتشابهة؟ فالرؤية التقليدية تختلف من بلد لآخر حسب ظروف الرؤية، بينما الحساب الفلكي يقدم نتائج ثابتة عالمياً.
2. معيار القدرة التفسيرية: هل يستطيع تفسير الواقع المعاصر دون إنكار معطياته؟ الحساب الفلكي يفسر الظاهرة القمرية بدقة، بينما الرؤية التقليدية قد تعجز عن تفسير حالات استحالة الرؤية رغم ولادة الهلال.
3. معيار الكفاءة التنبؤية: هل يمكنه إنتاج قرارات مستقرة مسبقة؟ الحساب الفلكي يتنبأ لعقود، بينما الرؤية التقليدية تبدأ من الصفر كل عام.
4. معيار تقليل الكلفة الاجتماعية: هل يقلل الانقسام والارتباك؟ الحساب يضمن تنسيقاً أكبر بين المجتمعات.
5. معيار المرونة المنهجية: هل يستطيع استيعاب أدوات جديدة؟ الحساب الفلكي يمكن دمجه مع أي تقنيات حديثة.
6. معيار وضوح المجال: هل يميز بين مجال الغيب ومجال الطبيعة؟ الحساب الفلكي يميز بوضوح بين الطبيعي القابل للقياس والتعبدي الذي لا يخضع له.
7. معيار الاستقلال عن التسييس: هل القرار نابع من منطق معرفي أم من ضغط سياسي؟ الحساب الفلكي أقل تأثراً بالضغوط.
– ثامناً: جوهر الأزمة:
الأزمة إذاً ليست “علم ضد دين” كما يحاول البعض تبسيطها، بل هي: غياب إطار منهجي ينسق بين جهازين معرفيين مختلفين في المصدر والدينامو، مع تداخل الهوية بالمعرفة، وافتقاد سلطة مركزية موحدة، وتحول الوسيلة إلى غاية.
ولهذا تتكرر الظاهرة مع كل هلال، ومع كل نازلة سياسية أو اقتصادية. فالقمر في الثقافة الإسلامية ليس مجرد جرم سماوي، بل هو مرآة تعكس صراعات الأمة وهواجسها.
– تاسعاً: هل من مخرج؟
نظرياً، يمكن تصور ثلاثة مسارات للخروج من هذه الأزمة:
1. المسار الأول: اعتماد الحساب الفلكي معياراً معتمداً على الأقل في نفي استحالة الرؤية، بحيث لا تُقبل شهادة الرؤية إذا كان الحساب القطعي ينفي إمكانيتها.
2. المسار الثاني: تشكيل هيئة فلكية-فقهية مشتركة على المستوى الإسلامي، تتمتع بسلطة ملزمة في اتخاذ القرار، وتجمع بين الدقة العلمية والضوابط الشرعية.
3. المسار الثالث: الانتقال تدريجياً من مفهوم “الرؤية الفردية” إلى “الرؤية المؤسسية العلمية”، بحيث تكون الرؤية المعتبرة هي ما تثبته المؤسسات العلمية الرصينة، لا ما يشهد به أفراد قد يخطئون أو يصيبون.
لكن هذه المسارات تظل نظرية ما لم تتوفر لها:
* شجاعة فقهية تفرق بين الثابت القيمي والمتغير الوسائلي، وتجرؤ على مراجعة التراث الاجتهادي في ضوء المعطيات العلمية الجديدة.
* ثقة مجتمعية تعيد بناء جسور الثقة بين الجمهور والمؤسسات العلمية، وتتجاوز عقلية المؤامرة التي ترى في كل جديد تهديداً للهوية.
* إصلاح مؤسسي ينشئ هيئات معرفية مركبة تجمع بين الشرعية الدينية والدقة العلمية، وتتمتع باستقلال عن الضغوط السياسية والهوياتية.
* خلاصة: ما وراء الهلال:
أزمة رؤية الهلال من عدمه؛ ليست أزمة قمر، بل هي أزمة كيف ننتج المعرفة التي نقرر بها متى نصوم؟ إنها أزمة الانتقال من منهج حضاري تراثي إلى منهج حضاري مؤسسي حديث، دون فقدان البوصلة القيميّة أو الذوبان في الآخر.
السؤال الجوهري الذي يبقى مفتوحاً: هل الرؤية مقصد تعبدي لذاته، أم وسيلة لضبط الزمن؟
والإجابة عن هذا السؤال وحدها كفيلة بحسم 75% من الأزمة. أما الـ 25% المتبقية فمرتبطة بقدرة الأمة على بناء مؤسسات معرفيّة موحدة، واستعادة الثقة بين مكوناتها، والتوفيق بين ثوابتها ومتغيرات عصرها.
ربما يكون الهلال، في نهاية المطاف، مجرد عذر تتجلى من خلاله أسئلة الأمة الكبرى:
من نملك؟ وكيف نعرف؟ ومن يحق له أن يقرر نيابة عنا؟ أسئلة لا تزال تنتظر من يجيب عنها بشجاعة وجرأة وحكمة، بعيداً عن إفراط الهدم وتفريط التجميد.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...