تحصين السيادة بين منطق الردع ومأزق الإدراك الإقليمي: مقاربة تحليليّة مركّبة في إعادة تشكيل العقيدة الدفاعيّة للدولة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* الدُّكتور عَبْدُ اللّٰه شَنْفَار

 

 

– أولاً: في شرعية القوة وحدودها: هل يصبح الدفاع موضع مساءلة أخلاقية؟

إذا كانت الدولة غير قادرة على حماية نفسها، فهل تظل دولة بالمعنى الكامل للكلمة؟ أم تتحول إلى كيان هش ينتظر ما تمليه عليه الظروف؟
إن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: لماذا تسعى الدولة إلى التعاون مع هذا الطرف أو ذاك؟ بل: من يملك الحق في تحديد حدود الخيارات الدفاعيّة للدول ذات السيادة؟
فحين تُحاكم الدولة على تحالفاتها بميزان أخلاقي خارجي، فإننا نكون بصدد وصاية جديدة تتخفى في ثوب المبادئ. وصاية لا تقل خطورة عن تلك التي كانت تمارس في عصور الاستعمار، وإن اختلفت أدواتها وخطابها.
متى تحوّل السعي لتحصين السيادة إلى فعلٍ يقتضي التبرير؟ وكيف أضحى امتلاك أدوات الردع محلَّ مساءلة أخلاقيّة في نظام دولي لا يعترف إلا بتوازنات القدرة والقوّة؟
إن الدولة الحديثة، بوصفها كيانًا سياديًا مكتمل الأركان، لا تُختزل في حدودها الجغرافية، بل تتجسّد في مدى قدرتها على ضمان الوُجُود والاستمرار والأمن والاستقرار. والسيادة، في معناها القانوني والسياسي، ليست إعلانًا رمزيًا، بل بنية حماية متكاملة تتأسس على احتكار مشروع للعنف المنظّم، وعلى قابليّة الردع، وعلى شبكة تحالفات تُترجم المصالح إلى ضمانات.
في هذا الإطار، حين تختار دولة ما ذات سيادة كـالمغرب إعادة تشكيل عقيدتها الدفاعيّة، وتنويع شراكاتها الاستراتيجية، واقتناء منظومات ردع جد متطورة عبر تعاون مع إسرائيل أو تحالف مع الولايات المتحدة أو غيرهما، أو حتى مع الشيطان؛ فإنها تمارس حقًا أصيلًا في إدارة وتدبير أمنها القومي.
الإشكال لا يكمن في الفعل ذاته، بل في الإدراك الذي يُحيط به. إذ ما يُقرأ داخليًا باعتباره تحصينًا عقلانيًا، قد يُؤوَّل خارجيًا بوصفه إعادة تموضع تهديدي. وهنا تتولّد المفارقة: هل تُدان الدولة لأنها تعزّز قدرتها، أم يُدان السياق الإقليمي الذي يجعل من التعزيز ضرورة لا خيارًا؟
– ثانياً: الجوار كمتغيّر ضاغط: من البيئة الأمنيّة إلى منطق التحصين
هل يمكن عزل السياسات الدفاعيّة عن طبيعة البيئة المحيطة؟ وهل يُطلب من الدولة أن تتجاهل مؤشرات العداء المعلن أو الضمني باسم الطمأنينة الافتراضيّة؟
في الجغرافيا السياسيّة، لا تُبنى الاستراتيجيات على حسن الظن، بل على قراءة موازين القوّة. وحين يكون الجوار مضطربًا، تتكاثر النزاعات الرمزيّة والميدانيّة، وتتداخل الملفات السياديّة مع الحسابات الإقليميّة، فإن الأمن يتحول من حالة افتراضيّة إلى أولوية بنيويّة.
الفرد الذي يرفع جدار منزله أو يُحكم أقفاله او يقوم بتثبيت كاميرات مراقبة، لا يُتهم بعدوانية كامنة تجاه جاره؛ بل يُفهم فعله في سياق الحاجة إلى الأمان. فكيف إذا كان الأمر يتعلق بدولة تواجه تناقضًا في المصالح، وخصومة في الملفات المصيريّة، ودعمًا معلنًا لخصومها في المحافل الدوليّة، وسعيًا إلى تطويقها استراتيجيًا؟
هنا يصبح التحديث العسكري استجابةً وظيفيّة لمنطق البيئة، لا إعلانًا لرغبة صداميّة. والفرق جوهري بين من يُراكم القدرة لردع التهديد، ومن يُراكمها لتصديره. الردع، في جوهره، ليس تمهيدًا للحرب، بل تقليلًا لاحتمالها عبر رفع كلفة المغامرة لدى الطرف الآخر.
– ثالثاً: التحالفات بين البراغماتيّة والوصم الرمزي: من يحاكم من؟
لماذا تُختزل التحالفات أحيانًا في بعدها الرمزي، ويُغفل بعدها الوظيفي؟ وهل يُقاس السلوك الدولي بميزان الانطباع الأخلاقي أم بمنطق المصالح المتبادلة؟
التحالف، في النظرية الواقعيّة للعلاقات الدوليّة، أداة لإعادة توزيع وتدبير المخاطر. والدول لا تتحالف بدافع الانسجام القيميّ وحده، بل لتأمين مصالحها الاستراتيجية. إن التعاون العسكري أو الأمني مع قوى كبرى لا يُقرأ في ذاته كتحوّل عدائي، بل كخيار ضمن طيف الممكنات المتاحة في بيئة تنافسيّة.
إن وصم التحالفات بلغة أخلاقيّة مجرّدة يُغفل حقيقة أن النظام الدولي غير محكوم بأخلاق معياريّة جامعة، بل بتوازنات قوة.
والسؤال الذي يظل معلقًا: هل المطلوب من الدولة أن تُقيّد خياراتها لأن محيطها يقرأها بقلق، أم أن عليها أن تُعيد صياغة موقعها بما يضمن عدم ارتهان أمنها لتقلبات الخارج؟
هنا تتبدى الإشكالية الأعمق: ليس في طبيعة الشراكة، بل في غياب إطار إقليمي يبدد الارتياب ويحوّل التحديث العسكري من مصدر توجّس إلى عنصر استقرار متبادل.
– رابعاً: معضلة الردع وسباق الإدراك: متى يتحول التحصين إلى مرآة خوف؟
هل يكفي امتلاك القوّة لضمان الأمن، أم أن الأمن ذاته رهين بإدراك الآخر لتلك القوة؟ وكيف يمكن كسر الحلقة التي يتحول فيها كل تعزيز دفاعي إلى مبرر لتعزيز مقابل؟
المعضلة الكلاسيكية في الدراسات الأمنيّة لا تتعلق بالسلاح، بل بتفسيره. فحين تغيب الثقة المؤسسيّة، يصبح كل تحديث دفاعي رسالةً مُلتبسة. ويتحول الردع، الذي يُفترض أن يخلق استقرارًا، إلى عنصر تغذية لسباق تسلح متصاعد.
غير أن تحميل طرف واحد مسئوليّة هذه الديناميّة يغفل البعد البنيوي للمسألة. فالدولة التي تمتنع عن تطوير قدراتها خوفًا من تأويلات الخارج، تُخاطر بخلق فراغ استراتيجي يغري بالمغامرة. والفراغ في السياسة الدولية ليس حيادًا؛ بل دعوة مفتوحة لإعادة تشكيل موازين القوة على حسابه.
إذن، أيهما أخطر: فائض القوّة أم فراغها؟ وأيّهما أكثر قابليّة لزعزعة الاستقرار: ردع محسوب أم ضعف يُساء تقديره؟
– خامساً: السيادة بين الاتهام والتأسيس: نحو إعادة تعريف المشروعية الدفاعيّة
هل أصبح السعي إلى حماية الوجود الوطني تهمة سياسيّة؟ ومتى تحوّل بناء القوّة إلى خطيئة في عالم لا تُصان فيه الحقوق إلا بميزان القدرة؟
السيادة ليست خطابًا عاطفيًا، بل بنية مؤسسية تتطلب أدوات حماية ماديّة ومعنويّة. وحين تختار الدولة تعزيز دفاعاتها، فإنها لا تُعلن نيتها في الاعتداء، بل تُعيد رسم حدود الممكن تجاهها. إن بناء القوّة لا يُناقض السلم، بل قد يكون شرطه الأول، شريطة أن يُضبط بمنطق الردع لا بمنطق الهيمنة.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يدور حول مشروعية التسلح، بل حول شروط إدارته وتدبيره: هل يُدمج في رؤية تنمويّة شاملة توازن بين الأمن والعمران؟ هل يُوظَّف لخلق استقرار ردعي يمنع الانزلاق، أم يتحول إلى عبء اقتصادي ورمزي؟
* خلاصة مفتوحة على سؤال المصير
إذا كانت الدول لا تُحاكم على نواياها بل على إمكاناتها، وإذا كان الجوار المضطرب يُحوّل الردع إلى لغة بقاء، فإن المعضلة لا تكمن في امتلاك أدوات القوّة، بل في غياب بنية إقليمية قادرة على تحويلها من مصدر قلق إلى عنصر توازن.
يبقى السؤال الذي يتجاوز الحالة الخاصة إلى بنية النظام الإقليمي برمّته: هل يمكن لمنطقةٍ تتغذّى على الشكوك المتبادلة أن تنتج أمنًا جماعيًا دون أن تعيد تعريف مفهوم القوة ذاته؟ أم أن القدر الجيوسياسي يفرض عليها أن تظل أسيرة معادلة قاسية: إمّا أن تمتلك القدرة فتحمي وجودك، وإمّا أن تُحسن النية فتغامر به؟
هنا لا ينتهي النقاش؛ بل يبدأ.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...