الوجع المؤجَّل واغتصاب الشرعيّة الرمزيّة: في تفكيك الضغينة ما بعد انقضاء التكليف
* الدكتور عبد الله شنفار
– أولاً: حين تنتهي الشرعية القانونية… ماذا يبقى من السلطة؟
كيف يتحوّل الانتقال القانوني الطبيعي من موقع المسؤولية إلى وضع التقاعد إلى أزمة هوية، بل إلى صراع على معنى الوجود الرمزي؟
إن الشرعية القانونية، بوصفها تخويلاً مؤسسياً محدداً بمدة واختصاص، تنقضي بحكم النص والإجراء. غير أن ما لا ينقضي بالضرورة هو الإحساس الداخلي بالسلطة. هنا تتشكل منطقة رمادية بين ما هو قانوني وما هو رمزي؛ بين انتهاء الصلاحية الرسمية واستمرار الادعاء المعنوي.
المسؤول الذي يعجز عن استيعاب هذا الانفصال يقع في وهم الاستحقاق الدائم. فيتصور أن الشرعية التي كانت مشروطة بالمنصب صارت خاصية ذاتية ملازمة لشخصه. ومن ثمّ، لا يعود التقاعد انتقالاً زمنياً طبيعياً، بل يُقرأ بوصفه إقصاءً أو انتقاصاً.
في هذا السياق، لا تكون الضغينة انفعالاً عابراً، بل آلية دفاعية تعيد إنتاج الإحساس بالقيمة عبر مهاجمة القائمين بالفعل. وهنا تحديداً تبدأ جريمة أخلاقية مركبة: اغتصاب الشرعية الرمزية بعد انقضاء الشرعية القانونية.
إن أخطر ما في هذا السلوك أنه يخلط بين الحق في التعبير والحق في الوصاية، بين الذاكرة المهنية والملكية الرمزية للمؤسسة. فهل يمكن لمن انتهت ولايته أن يواصل احتكار المعنى؟ وهل تتحول الخبرة إلى أداة إشراف دائم غير مُساءَل؟
– ثانياً: جريمة اغتيال الوقار: في أخلاقيات الرحيل ومعيار النضج المؤسسي
أليس معيار النضج القيادي يُختبر في لحظة المغادرة أكثر مما يُختبر في لحظة التمكين؟
إن الوقار المؤسسي لا يُقاس فقط بما يُنجَز أثناء ممارسة السلطة، بل بكيفية التخلي عنها. فالمغادرة النبيلة ليست فضيلة شخصية فحسب، بل ركيزة لاستقرار البنية المؤسسية. حين يُحسن المسؤول السابق الرحيل، فإنه يرسّخ ثقافة التداول، ويؤكد أن المنصب وظيفة عابرة لا امتداداً للذات.
أما حين يتحول التقاعد إلى منصة للغمز والتشكيك، فإن الوقار يُغتال مرتين: مرة حين يُختزل المنصب في صاحبه، ومرة حين يُختزل الخلف في خصمٍ يجب تقويضه.
في هذا الإطار، لا يعود السلوك مجرد نزاع شخصي، بل يتحول إلى إرباكٍ للثقة العامة. إذ كيف تُبنى مشروعية الفاعلين الجدد في ظلّ خطاب يُشكك في كل مبادرة لا تحمل توقيع السابق؟
لقد أثبتت تجارب مؤسسية عديدة أن انتقال السلطة السلس يُعدّ مؤشراً على صحة النظام الإداري. أما حين يصبح الخروج مناسبة لإعادة فتح ملفات مغلقة أو لإثارة ضجيج مقصود، فإن المؤسسة تُدفع دفعاً إلى مناخ صراع رمزي يستهلك طاقتها ويبدد رأسمالها المعنوي.
– ثالثاً: الهدم كتعويض: قراءة سوسيولوجية في نفسية ما بعد المنصب
لماذا يرى بعض المتقاعدين في نجاح غيرهم تهديداً لذكراهم؟
يمكن تفسير ذلك ضمن مقاربة سوسيولوجية تعتبر أن الهوية المهنية، إذا بُنيت على الامتياز لا على الإنجاز، تصبح هشّة عند زوال الامتياز. عندئذٍ يُعاد تعريف الذات من خلال نفي الآخر. يصبح كل ضوء يُضاء من دونهم شاهداً على تراجع حضورهم، وكل إنجاز جديد إشارة ضمنية إلى محدودية أثرهم السابق.
هنا يتحول النقد إلى أداة هدم. لا لأنه يستند إلى تحليل موضوعي، بل لأنه يشتغل بمنطق الإزاحة الرمزية. ويغدو التشويش استراتيجية تعويضية: محاولة لإثبات الاستمرارية عبر تعطيل استمرارية الآخرين.
غير أن هذا المسار يفضي إلى نتيجة عكسية؛ إذ يُفقد صاحبه ما تبقى له من رصيد معنوي. فالذاكرة العامة لا تُدار بمنطق الصراخ، بل بمنطق الأثر المتراكم.
إن الهدم بعد العجز عن البناء ليس فعلاً نقدياً، بل اعتراف ضمني بفشل سابق لم يُهضم. ومن هنا تبرز المفارقة: من لم ينجح في ترسيخ أثره زمن السلطة، يحاول فرض حضوره زمن الغياب، فيضاعف خسارته الرمزية.
– رابعاً: بين النقد المشروع والتشويش الممنهج: حدود المسؤولية الأخلاقية
أين ينتهي الحق في إبداء الرأي ويبدأ الإضرار بالمصلحة العامة؟
من الناحية السوسيو-قانونية، يبقى المسؤول السابق مواطناً كامل الحقوق، ومن بينها حرية التعبير. غير أن الشرعية الأخلاقية للنقد مشروطة بعدم تحوّله إلى أداة تصفية حسابات. فالنقد البنّاء يهدف إلى تصحيح المسار، ويستند إلى معايير موضوعية، ويُقدَّم في إطار يحترم استقرار المؤسسة.
أما التشويش الممنهج، فيتخفى وراء خطاب “الخبرة” و”النصيحة”، بينما يضمر رغبة في تقويض الشرعية الجديدة. هنا يُساء استخدام الرأسمال الرمزي المتراكم، ويُستثمر في إضعاف الثقة العامة بدل تعزيزها.
والمفارقة أن من يرفع شعار الغيرة على المؤسسة قد يتحول، من حيث لا يشعر أو من حيث يقصد، إلى عامل إضعاف لها.
إن السؤال الجوهري لا يتعلق بحرية الرأي، بل بأخلاقيات استعماله. فهل تكون الخبرة رصيداً للتأطير أم ذريعة للوصاية؟ وهل يتحمل الفاعل السابق مسؤولية أثر كلماته على استقرار المرفق العام؟
– خامساً: الزمن الثالث كإمكان أخلاقي: من الحضور القسري إلى الأثر المستدام
هل يُختتم المسار المهني بالموت الوظيفي، أم يُعاد افتتاحه في أفقٍ جديد؟
الزمن الثالث ليس فراغاً، بل فرصة لإعادة تعريف الدور. يمكن للمسؤول السابق أن يتحول إلى شاهدٍ مؤرشف، أو إلى مفكرٍ ناقد يكتب مذكراته بصدقٍ وهدوء، أو إلى مرشدٍ ينقل خبرته دون أن ينازع في القيادة.
بهذا المعنى، لا يكون التقاعد انطفاءً، بل انتقالاً من سلطة القرار إلى سلطة المعرفة.
غير أن هذا التحول يفترض شجاعة الاعتراف بانقضاء الدور التنفيذي، وبأن القيمة لا تُستمد من الاستمرار القسري في المشهد، بل من جودة الأثر الذي يُترك خلفه. فالأثر هو ما يخلّد، لا الضجيج؛ والبناء الصامت أبلغ من الاحتجاج الصاخب.
حين يُختار المسار المعاكس، يتحول الزمن الثالث إلى امتداد لصراعٍ لم يُحسم داخلياً. ويصبح التقاعد عبئاً على صاحبه وعلى المؤسسة معاً. وهنا يتبلور السؤال المصيري الذي يتجاوز الحالة الفردية: أي ثقافة قيادية نُعيد إنتاجها حين نُطبع مع هذا السلوك؟ ثقافة تعتبر المنصب ملكية شخصيّة، أم أمانة زمنية محدودة؟
– سادساً: مدة الصلاحية ومعنى حسن الخاتمة: في فلسفة النهاية وحدود البقاء الرمزي
هل نحن، مثل الأدوية، محكومون بتاريخ صلاحية مكتوبٍ في زاويةٍ خفية من وجودنا؟ وإذا كان الدواء؛ على قدرته في الشفاء وتأجيل الموت؛ يحمل تاريخًا أخيرًا يُحذِّر من فساده بعده، فبأي منطقٍ يتوهّم الإنسان أو المؤسسة دوامًا بلا حدّ؟
ليست النهاية نقيض القيمة، بل شرطها. فالدواء يفقد فاعليته إن تجاوز زمنه، لا لأن جوهره تغيّر فجأة، بل لأن شروط صلاحيته تبدّلت. كذلك البشر والمواقع والمؤسسات: لكلٍّ سياقٌ زمنيّ يمنحه المشروعية، فإذا انقضى السياق ولم يُستوعَب التحوّل، انقلبت الفضيلة إلى عبء، وتحول الحضور إلى ثقل.
إن فكرة “مدة الصلاحية” ليست إهانة للوجود، بل حماية له. فهي تعبير عن حكمةٍ كونية تقضي بأن كل شيء مؤقت، وأن الاستمرار لا يكون بالتمدد القسري، بل بالتجدد أو بالانسحاب الواعي. هنا تتجلّى المفارقة: ما يحفظ القيمة ليس البقاء، بل حسن الخاتمة.
بزّافْ من أشخاص كانوا دواءً في مرحلةٍ ما، فداووا جراحًا وأسهموا في إنقاذ مسلسل ومسارات، لكنهم حين تجاوزوا زمنهم، لم يدركوا أن العلاج قد يتحول إلى أثرٍ جانبيّ إن أُسيء استعماله.
بزّافْ من مؤسسات بلغت ذروة عطائها، ثم تآكلت لأنها لم تعترف بأن لكل تجربة دورة حياة، وأن التداول ليس تهديدًا بل ضمان وُجُود واستمراريّة واستقرار وتنميّة وعمران.
ليست المشكلة في النهاية ذاتها، بل في مقاومة الاعتراف بها. فحين يُربط معنى الكرامة بالدوام، يصبح الانتهاء سقوطًا. أما حين يُربط بالرسالة، تصبح النهاية تتويجًا. ولهذا قيل إن العبرة بالخواتيم؛ لأن الخاتمة ليست لحظة زمنيّة فحسب، بل خلاصة مسار، ومؤشر على مدى الوعي بالتحوّل.
إن الإنسان الذي يُحسن قراءة زمنه يعرف متى يتقدّم، ومتى ينسحب، ومتى يسلّم الراية. لا يختلط عليه الفرق بين الأثر والحضور، ولا بين الرسالة والموقع. يدرك أن التاريخ لا يخلّد من أطال البقاء، بل من أحسن الأداء ثم غادر بسلام.
في العمق، ليست “مدة الصلاحية” حكمًا بالإلغاء، بل دعوة إلى التجدد أو الاكتمال. فإمّا أن يتحوّل المرء من فاعلٍ مباشر إلى ذاكرةٍ ملهمة، أو من صاحب قرار إلى صاحب حكمة، وإمّا أن يُصرّ على دورٍ تجاوزه الزمن فيفقد ما تبقى من رصيده الرمزي.
كلّ شيءٍ إلى نهاية: الأشخاص، المؤسسات، اللحظات، وحتى الأفكار إن لم تتجدّد. غير أن النهاية ليست دائمًا خسارة؛ أحيانًا تكون أجمل ما في الحكاية. فحسن الخاتمة هو أن تنتهي وأنت ما زلت قيمة، لا أن تبقى حتى تفقد قيمتك.
ربما لا نستطيع أن نعرف تاريخ صلاحيتنا المكتوب، لكننا نستطيع أن نتحكم في طريقة انقضائه. بين نهايةٍ تُطفئ الضوء، ونهايةٍ تتركه مضيئًا بعدنا، يتحدد الفرق.
اللّهمّ أحسن خاتمتنا، واجعل نهاياتنا اكتمالًا لا انكسارًا، وأثرًا لا عبئًا.
* خلاصة: في معيار الخلود الرمزي وسؤال الأثر الأخير
في المحصلة، لا تُحسم قيمة التجربة القيادية عند لحظة التمكين، بل عند لحظة التخلي. فالخلود الرمزي لا يُنتزع بالصراخ، ولا يُصان بالضغينة، بل يُبنى بتراكم الأثر واستقامة السلوك.
قد يمضي الجميع من المشهد، لكن الذاكرة الجمعية تمارس انتقاءها الصارم: تحتفظ بما أضاف إلى البناء، وتتجاوز ما عرقل المسير.
يبقى السؤال مفتوحاً، لا كاستفهام بل كمحكّ أخلاقي دائم: عندما يُطوى دفتر التكليف، أيُّ إرثٍ نختار أن نتركه؟ إرثُ رجلٍ أدرك أن السلطة عابرة فغادرها بوقار، أم إرثُ من ظنّها امتداداً لذاته فخاصم الزمن وخسر المعنى؟
هناك؛ عند تلك العتبة الفاصلة بين الفعل والذكرى، يتحدد ما إذا كان الاسم سيُكتب في متن التاريخ… أم في هامشه المتآكل.
وغالبا الجبناء لا يصنعون التاريخ..!
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





