دفائن الذهب ودفائن المعنى: تأملات في علاقة المغاربة بكنوز باطن الأرض..!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* الدّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار

 

 

* تحت سطح الرماد:
في ليالي رمضان، حين تخفت ضوضاء النهار وتتسع مساحات السمر، تعود حكايات الكنوز لتطرق الأبواب. حكايات تُروى بنبرة سريّة، تتسلل إلى المجالس كالدخان، تحمل وعوداً بفضّة أو بذهب مدفون تحت الأرض أو في جرف حائط قديم أو بضريح أو مقبرة… وخرائط عتيقة وأبواب لا تفتح إلا بكلمة سر أو دم قربان.
ما هذه الظاهرة التي تعود موسمياً كالحمى؟ ولماذا تخترق الوعي الجمعي المغربي بهذا الإلحاح؟
الكنز في المخيال الشعبي ليس مجرد مال مدفون، بل هو عقد بين الظاهر والباطن، بين المرئي والمسكوت عنه. هو حكاية تبدأ بـ”كان يامكان” وتنتهي بجدران السجن أو بفجائع قرابين وهميّة.
بين هذين الحدين تقف أسئلة ثقيلة: من يملك الحق في باطن الأرض؟ هل التراث ملك للأحياء أم للأموات الذين صنعوه؟ وأخطرها: لماذا نظل نحلم بكنوز لا نراها ونتجاهل كنوزاً نراكلها كل يوم؟
– أولاً: القانون بين منطق الملكية وفلسفة الحماية
1. قراءة في روح التشريع لا في نصوصه فقط
ينص القانون المغربي، ممثلاً في الظهير الشريف رقم 1.80.341، على أن كل لقية أثرية ذات قيمة تاريخيّة تعتبر ملكاً عاماً للدولة. لكن خلف هذا النص الجاف تقبع فلسفة أعمق: أن التراث ليس مجرد أشياء، بل هو ذاكرة أمة، وأن حماية هذه الذاكرة لا تخضع لمنطق العرض والطلب. القانون هنا لا يصادر حق الفرد بقدر ما يحمي حق الجماعة في ألا تبقى آثارها رهينة المصادفة أو الجشع.
لكن أليس في هذا احتكاراً للتراث باسم الدولة، بينما تبقى المواقع الأثرية مهمشة والبعثات التنقيبيّة شحيحة؟ السؤال مشروع، لكنه يحتاج إلى تفكيك.
الدولة ليست كياناً مجرداً يبحث عن الذهب، والفضة والعاديات؛ بل هي مؤسسات تتعامل مع الموروث المادي بمنهج علمي: التوثيق، التصنيف، الدراسة والتحليل، ثم العرض. بينما الحافر الشعبي العشوائي يبحث فقط عن اللمعة، والدولة تبحث عن السياق. والفرق بينهما كالفرق بين من يمزق لوحة ليبيع ألوانها ومن يحفظها لتراها الأجيال.
2. التنقيب الشعبي العشوائي: عندما يصبح الأثر ضحية أمله
يُشبه بعض علماء الآثار الموقع الأثري بكتاب مخطوط، طبقات الأرض هي صفحاته، وكل قطعة هي كلمة ذات معنى. حين يحفر المنقب غير المتخصص، إنما يمزق صفحات هذا الكتاب بحثاً عن كلمة واحدة، متسبباً في ضياع السياق الذي يمنح تلك الكلمة معناها. قطعة نقديّة تُنتزع من عمقها دون توثيق طبقاتها تفقد قدرتها على رواية القصة كاملة: متى؟ وأين؟ وكيف؟ من أي عصر؟ مع أي بقايا؟ في أي سياق معماري أو جنائزي؟
هذه هي الجريمة الحقيقيّة التي لا ينتبه إليها الباحثون عن الكنز والدفينة: أنهم يقتلون المعلومة التاريخيّة الثمينة ليحيوا المعدن. وبينما يمكن تعويض قيمة الذهب والفضة، لا يمكن استرجاع معلومة ضاعت إلى الأبد.
– ثانياً: سوسيولوجيا الكنز: لماذا نحلم بما تحت الأرض؟
1. الكنز كأمل في زمن الضيق:
في المجتمعات التي تعرف تحولات اقتصاديّة قاسية، يتحول الحلم بالكنز إلى ملاذ نفسي. إنه تعويض رمزي عن واقع لا يقدم فرصاً كافية. في ليالي رمضان، حيث تمتزج الروحانيّة بالبطء، يجد هذا الحلم مساحته: الحديث عن الكنوز يصبح بديلاً عن الحديث عن المستقبل، والبحث عن الثراء السريع يصبح تعويضاً عن جدلية الحلال والحرام التي تشغل بال الصائم.
لكن المفارقة أن هذا الحلم ذاته هو ما يستغله الدجالون، فينسجون حوله طقوساً وشروطاً تتحول إلى فخاخ: خرائز وتمائم، وأوراد وأذكار، وأحياناً قرابين لا تقف عند حدود الحيوان.
هنا يتحول حلم الكنز إلى كابوس، ويصبح الباحث عن الثراء ضحية لطامع أكبر منه.
1. “الزوهري” والطفل القربان: عندما يتحول الخيال إلى جريمة بلا رحمة..!
من أخطر ما يروج في هذا السياق حديث “الطفل الزوهري” أو “الزهراوي”، ذلك الطفل الذي يزعمون أنه يرى ما لا يراه الكبار، أو أنه مفتاح الكنوز. هذه السردية تفتح باباً للعنف الرمزي والمادي ضد الأطفال، وتصل أحياناً إلى حد القتل. إنها الجريمة الأبشع التي تُرتكب باسم كنز لا وجود له أصلاً، وخرافة لا تصمد أمام أول وميض للعقل.
التدقيق التاريخي يكشف أن هذه المرويّات لا تمت إلى الدين أو إلى الواقع بصلة. إنها جزء من ميثولوجيا شعبيّة قديمة، وظفتها أفلام وروايات، ثم استغلها الدجالون. لكن الخطورة أن هذه الخرافات تتحول إلى دوافع لجرائم حقيقيّة، مما يستدعي تدخلاً لا قانونياً فقط، بل تربوياً وإعلامياً لتفكيك هذه السرديات القاتلة.
كل ذلك ينم عن مخيال جمعي بارع في ابتداع الرموز والطقوس وتوظيفها، لكنه أيضًا يكشف عن ديناميات معقدة من النصب والاحتيال باسم المقدس على عقول ساذجة تتوق إلى العزاء الرمزي أمام هشاشة الواقع.
– ثالثاً: الأثر بين كونه قيمة مالية وقيمة رمزية
1. معركة التصنيف: هل هو كنز أم تراث؟
السؤال الجوهري هنا: متى يصبح الشيء كنزاً؟ إذا كان ذهباً خالصاً، فإن قيمته المالية واضحة. لكن إذا كان إناء فخارياً نادراً، أو نقشاً حجرياً، أو بقايا هيكل عظمي، فما قيمته؟ هنا بالضبط يكمن الفرق بين المنظور الشعبي والمنظور العلمي.
* الأول يقيس القيمة بالثمن؛
* والثاني يقيسها بالمعنى.
إذن، الصراع ليس بين الدولة والأفراد على ذهب وفضة مدفونة، بل بين رؤيتين للتاريخ:
1. رؤية تراه مخزناً للمادة،
2. وأخرى تراه مستودعاً للمعنى.
وإذا كان الفرد حراً في البحث عن رزقه، فهل يحق له أن يدمر معنى الأمة بحثاً عن رزقه؟
2. جدلية الإخراج والحفظ: هل البقاء تحت الأرض أفضل؟
في علم الآثار، قرار التنقيب ليس بسيطاً. الحفر يعني تدمير الموقع كما هو، وتغيير معالمه وتحويله من حالة كمون إلى حالة كشف. لذلك، توجد مقولة شهيرة: “الموقع غير المنقب محفوظ، الموقع المنقب مستنزف”. هذا يعني أن تأجيل التنقيب قد يكون أفضل انتظاراً لتقنيات أكثر تقدماً، أو لحاجة علميّة ملحة، أو لحماية الموقع من التلف الطبيعي.
لكن ماذا عن التلف الطبيعي؟ الذهب لا يصدأ، لكن الفضة تتأكسد، والمواد العضويّة تتحلل، واللقى الخزفيّة يتغير لونها. هنا تظهر معضلة أخلاقيّة:
هل نتركها تتآكل في باطن الأرض أم نخرجها لتنقذ في المتاحف؟
والجواب ليس واحداً: إذا كان الموقع مهدداً ببناء سد أو طريق، يصبح الإنقاذ واجباً. أما إذا كان مستقراً، فالحفظ أولى.
– رابعاً: الدولة بين الندرة الأثرية وغنى الخرافة
1. هل تبحث الدولة عن الكنوز؟
من حق المواطن أن يتساءل: إذا كانت الدولة تمنعنا من البحث والتنقيب عن الدفينة أو الكنز، فلماذا لا تبحث هي بنفسها وتحويله إلى مقدرات وطنيّة؟
الجواب يكمن في فلسفة الأولويات. الدولة لا تبحث عن “كنوز” بالمعنى الشعبي، بل تدير برامج تنقيب علمي محدودة بالإمكانيات، والممكن والمتاح ومحددة الأهداف. الأولوية للمواقع المهددة، أو تلك التي تجيب عن أسئلة بحثيّة كبرى. أما المواقع الأخرى فتترك لحين توفر الإمكانيات، أو لحماية ما تحتويه من أسرار.
لكن هذا الموقف يخلق فراغاً تستغله الخرافة. الناس يرون الدولة غائبة، فيملأون الفراغ بحكاياتهم. وهنا تظهر مشكلة أخرى: هل يمكن للدولة أن تتعامل مع هذه الظاهرة بمنطق ثقافي وليس أمنياً فقط؟
2. الحلول المقترحة: بين التقنين والتوعية
لا يمكن حل ظاهرة جد معقدة بالمنع فقط. التجارب المقارنة تقدم نماذج متنوعة:
1. بعض الدول تسمح بالتنقيب والبحث الفردي المرخص، مقابل نسبة من المكتشفات.
2. أخرى تمنع تماماً وتشدد العقوبات.
لكن الأنسب للمغرب قد يكون نموذجاً وسطاً: الحفاظ على الملكية العامة مع تحفيز التبليغ، وتطوير برامج توعوية في المساجد والمدارس والإعلام، لتفكيك الخرافة وتعزيز الوعي الأثري.
الأهم من ذلك، خلق فرص اقتصاد اجتماعي بديل في المناطق التي ينتشر فيها حلم الكنوز. فالذي يبحث عن كنز تحت الأرض، غالباً ما يكون محروماً من فرصة فوقها.
تنميّة السياحة الثقافيّة، وتشغيل الشباب في مشاريع ترميم وصيانة المواقع الأثرية، قد يكون أكثر إقناعاً من وعود الدجالين.
– خامساً: التأمل الأخير: ما هو الكنز الحقيقي؟
ربما يكون السؤال الأعمق: لماذا نصر على البحث عن كنوز تحت الأرض، بينما فوقها كنوز لا تقل قيمة؟
التراث اللامادي، العمارة التقليدية، الحرف اليدوية، المخطوطات، الموسيقى، كلها كنوز نعيش معها دون أن نراها. المال مدفون في الأرض، والمعنى مبعثر حولنا، لكننا نظل نبحث عن الأول ونتجاهل الثاني.
الكنز الحقيقي ليس ما نستخرجه من باطن الأرض، بل ما نستخرجوه من ذواتنا: القدرة على الحلم دون أن نستغلها، والوعي بألا نتحول إلى ضحايا لأوهامنا، والإيمان بأن قيمة التاريخ لا تقاس بالذهب بل بالمعنى الذي يضيفه لحاضرنا.
في رمضان المبارك، شهر التأمل والتدبر، وغير من أيام الله؛ لعلنا نعيد النظر في علاقتنا بالماضي: لا نعبده، ولا ننهبه ونعبث به، بل نقرأه بوعي، ونتعلم من أخطائه، ونصنع لأنفسنا مستقبلاً لا يحتاج إلى دفائن وكنوز تحت الأرض ليكون غنياً.
* خلاصة:
يبقى السؤال معلقاً كالغبار فوق كل حفرة: ماذا لو أن الكنز الذي نبحث عنه ليس ذهباً، ولا فضة، ولا جواهر؟ ماذا لو كان كنزاً من نوع آخر: وعي بأن لا شيء يأتي بلا جهد، وأن الطقوس لا تفتح الأبواب المغلقة، وأن الطفل الذي نبحث عنه ليس “زوهرياً” يرى ما لا نرى، بل طفل داخلنا ما زال قادراً على أن يتساءل دون أن يصدق كل ما يسمع؟
أحيانًا نفرش الأرض ورودًا وزهورًا للوحش الشرير الذي يعيش بداخلنا؛ ونزرعها ألغامًا للطفل “الزوهري” الذي يوجد حولنا.
إنها دعوة لمساءلة الضمير: هل نحن فعلاً طيبون، أم فقط نحسن تزيين شرّنا؟ وهل ما نعتبره احترامًا لأنفسنا ليس في الواقع سوى قناعٍ نُخفي به احتقارنا للآخرين؟
ربما هذا هو الكنز الذي نحتاج أن نستخرجه من باطن عقولنا، قبل أن نبحث عن كنوز باطن الأرض.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...