﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ .. فضيلة الصلاح والإصلاح في سير الأنبياء

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

 

بقلم:د.علي محمَّد الصلَّابي
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

 

 

تتجلّى في آيات القرآن الكريم سنن الله في عباده، حيث يقترن الثناء بالجزاء، ويُربط الصبر بالصلاح، وتُتوَّج المسيرة برحمة الله الواسعة، وهذه المعاني والسنن تجلّت في قول الله تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا ۖ إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ (86)﴾ [الأنبياء: 85-86]. ففي قوله تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يتجسد تكريم الله لأنبيائه الكرام بعد أن وصفهم بالصبر والثبات، فكان وصفهم قبل الجزاء تمهيدًا، وبعده تثبيتًا وتشريفًا. وهذه الآية لا تروي خبرًا عن الماضين فحسب، بل ترسم منهجًا متكاملاً للإصلاح الإنساني، وتؤكد أن الصبر والصلاح طريقان متلازمان إلى رحمة الله، وأن الرسالات السماوية إنما جاءت لبناء الإنسان الصالح الذي به تصلح الحياة كلها.

هذا جزاء الصابرين الذين ذكرهم الله في الآية السابقة، وهم إسماعيل وإدريس وذو الكفل عليهم السلام. وختم بوصفهم ونعتهم، مثنياّ عليهم: ﴿كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ﴾. وفي هذه ما كافأهم به من جائزة، أن أدخلهم في رحمته، وختم: ﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ، فكان وصفهم قبل الجائزة وبعدها.

المعنى:

وأدخلناهم: سلكناهم في سُرادق رحمتنا، وعددناهم في سجل المرحومين بهذه الرحمة، والمشمولين بها.

في رحمتنا: فهم مستغرقون بهذه الرحمة، محفوفون بها من كل جانب ومن كل ناحية.

إنهم من الصالحين: هل هذا الوصف سبب أم نتيجة؟ أظن أنّ الأمر يصلح على الوجهين، وإن كان إلى كونه سبباً أقرب، والله أعلم وأحكم (نوفل، ص 425).

من الصالحين: المعدودين في قائمة الصالحين. والصلاح كلمة عامة ووصف شامل، يشمل صلاح العقيدة والعمل والخُلُق والمعاملة، وشؤونهم كلها.

ومن دروس قوله تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء: 86]:

  • هذا الدين رسالة إصلاح للبشرية والحضارة الإنسانية. وأوّل هذا الإصلاح: إصلاح الإنسان، الذي تقوم عليه الحضارة؛ فإذا صلح صلح الأمر كله، وإذا فسد، فسد الأمر كله.
  • الأنبياء والمرسلون عليهم السلام، هم رموز الإصلاح والمُثُل العليا، والنماذج الحسنة لهذا الإصلاح.
  • رحمة الله بالصالحين المصلحين، تحفّهم من قبل ومن بعد، فبالرحمة صلحوا، وبالرحمة كافأهم مولاهم بالجنّات.
  • من صفات العابدين: أنهم من قوافل الصّابرين، وهنا من قوافل الصالحين، فجمعت الآيات السابقة لهذه الآية معها صفاتهم العليا.
  • صفات العابدين: ليست مقصورة على الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، بل كل من اتصف بها واقتدى بهم، أُلحق بقوافلهم.
  • وصف الله لعباده بالصّلاح؛ شامل كامل، يشمل صلاح القلب وصلاح اللسان وصلاح الجوارح.
  • بصبر الأنبياء وصلاحهم عليهم السلام، أدخلهم الله برحمته، ونوّه بذكرهم في العالمين، وكفى بذلك شرفاً وفضلاً (نوفل، ص 426).

المصادر والمراجع:

  1. نوفل، أحمد، تفسير سورة الأنبياء.
  2. الصلابي، علي محمد، أنبياء الله إدريس وإلياس وذو الكفل واليسع عليهم السلام.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...