«لو دامت لغيرك ما وصلت إليك»: حين يصمت الأثر..!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

* الدّكتور عَبْدُ اللَّه شَنْفَار

 

 

– فناء السلطة بين حكمة الخلود ووهْم المركز: قراءة في سوسيولوجيا الزوال المؤسسي
“لو دامت لغيرك ما وصلت إليك”.. عبارة عربيّة خالدة نُقشت على جدران قصر السيف في الكويت العام 1917، لكن جذورها تمتد في عمق التراث السياسي الإسلامي، حيث يظل الخلاف حول قائلها؛ هل هو المأمون أم المتوكل؟ شاهداً على أن الفكرة حين تصير حكمة متداولة، تفقد ارتباطها بشخص محدد لتغدو ملكاً جمعياً.
إنها ليست مجرد مقولة أخلاقيّة عابرة، بل تشكّل مدخلاً لتفكيك علاقة إشكاليّة تظل تؤرِّق المجتمعات الحديثة، وهي: العلاقة بين الفرد والمؤسسة، بين الزمن القصير للسلطة والاستمراريّة الطويلة للدولة.
فإذا كان الكرسي يزول، فلماذا يتصرف الجالسون عليه وكأنهم خالدون؟ وإذا كانت الدولة لا تنهار أو تسقط بغياب أحد، فلماذا يتعامل البعض مع أنفسهم كمركز الكون الذي تدور حوله كل النجاحات؟
– أولاً: تأريخ الغرور أو حين ينسى المتسلق سلَّمه
ثمة مفارقة لافتة في سلوك من يصلون إلى مواقع المسئوليّة: هم أنفسهم الذين صعدوا عبر سلّم من الأيدي والجهود والظروف، ما إن يبلغوا القمة حتى ينفضوا أيديهم من ذلك السلم، بل ينكرون وجوده أصلاً!
والتاريخ السياسي والإداري حافل بنماذج تحوّل فيها الواصلون أو الوُصُوليّون إلى “أوصيّاء” على الحقيقة، يختزلون إنجازات الفرد الجماعة والمؤسسات في ذواتهم، ويوزعون الإخفاقات على الآخرين وكأنهم بريئون منها بالكامل.
لكن السؤال الأعمق هنا: كيف يتكون هذا العمى البنيوي الذي يجعل المسئول يرى نفسه مستقلاً عن السياق الذي أنتجه؟ هل هو مجرد خلل أخلاقي فردي، أم أن بنية السلطة ذاتها تنتج هذا النوع من “الأنانيّة المؤسسيّة” التي تجعل الفرد يعتقد أنه هو الدولة، وأن الدولة هي هو؟
التحليل السوسيولوجي لهذه الظاهرة يكشف أن الأمر يتجاوز النرجسيّة الشخصيّة إلى ما يمكن تسميته “آيديولوجيا الاستثناء”؛ اعتقاد راسخ لدى بعض المسؤولين أنهم جاءوا لتصحيح المسلسل والمسار، وأن ما قبلهم كان فشلاً، وأن ما بعدهم سيكون كارثة لولا وُجودهم.
هذه الآيديولوجيا تتحول إلى ممارسة يوميّة في توزيع التهم وتحصين الذات، لتخلق دوائر مغلقة من الإعجاب المتبادل تحصن صاحب القرار من أي نقد.
لكن المفارقة الأكبر أن هؤلاء أنفسهم، حين يقع عليهم ظلم نظام ما، سرعان ما يحتكمون إلى نفس المعايير التي طبقوها على غيرهم، بل يطالبون بالعدالة من آليات حكموا هم من خلالها. إنها دائرة مفرغة من ازدواجيّة المعايير: حين تكون في موقع القوّة، فأنت معيار العدالة؛ وحين تصبح في موقع الضعف، تطالب بعدالة المعايير.
– ثانياً: سوسيولوجيا الزوال: لماذا لا تنهار الدولة حقاً؟
الدولة لن تنهار. هذه حقيقة صادمة لمن يعتقدون أنفسهم محور الوُجُود. المؤسسات الحقيقيّة لا تبنى على أشخاص، بل على أنظمة وإجراءات وأعراف وثقافات تنظيميّة تتجاوز الأفراد.
فحين يغادر وزير أو مسؤول إداري كبير موقعه، قد تهتز المؤسسة قليلاً، لكن سرعان ما تستعيد توازنها، ليس لأنه خلفه شخص كفؤ بالضرورة، بل لأن الآليات المؤسسيّة أقوى من أي فرد.
وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف نبني مؤسسات تتحمل صدمة رحيل الكبار، بل وتحوّل هذا الرحيل إلى فرصة للتجديد بدلاً من أن يكون أزمة؟
الأنظمة السياسيّة المستقرة لا تعاني من “عقدة الخلافة”؛ أي الهوس بمن سيأتي من بعد، لأنها تدرك أن الاستمراريّة ليست في الأشخاص بل في القواعد. لكن المشكلة تتفاقم في الأنظمة التي تختزل نفسها في قادة، فتصبح الدولة رهينة أعمارهم ومزاجاتهم. حينها يتحول السؤال عن الخلف إلى سؤال وُجودي، وتصبح عملية انتقال السلطة وتسليم السلط أشبه بعملية جراحيّة جد معقدة، بدلاً من أن تكون إجراء روتينياً.
ثم إن مفهوم “الانهيار” ذاته يحتاج إلى تفكيك. فالدولة قد تتراجع في قطاع ما، وتتقدم في آخر، وقد تشهد فساداً في إدارة ما، ونزاهة في إدارة موازيّة. إنها كائن حي جد معقد، لا يموت بموت خليّة واحدة. الذين يهولون من فراغ محتمل يخلّفه رحيلهم، إنما يمارسون نوعاً من “الابتزاز العاطفي” للمجتمع، محاولين إقناعه بأنه دونهم سيعود إلى نقطة الصفر. والمجتمعات الواعيّة هي التي تدرك أن لا أحد فوق المشروع الوطني الكبير، وأن الأفراد مجرد محطات في مسلسل ومسار طويل.
– ثالثاً: نحو أخلاق مؤقتة: كيف نصنع مسؤولين يعرفون أنهم عابرون؟
هذا يقودنا إلى سؤال مركزي: كيف نبني مسؤولاً يعرف حدود زمنه وتاريخ انتهاء مدة صلاحيته واختصاصاته، ويستثمر لحظته من دون أن يمتلكها؟
إنها إشكاليّة “الأخلاق المؤقتة”؛ أي الأخلاق التي تجمع بين الوعي بزوال السلطة والالتزام بواجباتها لحظة البقاء. هذه الأخلاق لا تولد من فراغ، بل تحتاج إلى تربية مجتمعيّة ومؤسسيّة ترسخ فكرة أن المسئوليّة أمانة لا تشريف، وأن النجاح الحقيقي هو ما يستمر بعد رحيل صاحبه.
التجارب الإنسانيّة الناجحة في الإدارة والتدبير والتسيير؛ تقدم لنا نموذج “القائد البُستاني” مقابل “القائد المُهندس”: الأول يزرع أشجاراً تظل تثمر بعد رحيله ويستفيد منها الناس؛ بينما الثاني يبني نصباً أو صَرْحًا يشبه صَرْح فِرْعَوْنُ يخلّد اسمه أو ليبْلُغ به الْأَسْبَابَ أو المكانة العالية ودور السلطة المطلقة.
البستاني يعمل في صمت، يؤسس لأنظمة تنتج كفاءات، بينما المهندس يبحث عن بصمته الشخصيّة حتى لو كلّف ذلك استنزاف المؤسسة.
وهنا يمكن القول إن درجة نضج أي نظام سياسي تقاس بمدى قدرته على إنتاج بستانيّين بدلاً من مهندسين.
ثم إن مفهوم “التراكم والاحتشاد” يصبح حاسماً في هذه المعادلة. الأوطان لا تبنى بقفزات عبقريّة، بل بتراكم وحشد جهود مجهولين على امتداد الزمن.
الذين يختزلون الإنجاز في شخصهم إنما يسرقون تاريخ غيرهم، وينهبون مستقبل من بعدهم. العمل المؤسسي الحقيقي هو الذي يذيب الفرد في الجماعة، ويجعل الأسماء مجرد عناوين مؤقتة لمسيرة مستمرة.
* الخلاصة: حين يصمت الأثر
في النهاية، يبقى السؤال الأصعب معلقاً: لماذا، رغم كل هذه الحقائق الواضحة، يظل الكثيرون يقعون في وهم المركزية الفردية؟
ربما لأن السلطة، مثلها مثل المال، لها قدرة على تشويه الإدراك، على جعل صاحبها يرى نفسه أكبر مما هو، والآخرين أصغر مما يستحقون.
ربما لأن المجتمعات نفسها تشارك في إنتاج هذا الوهم، حين تقدِّس الأشخاص وتنسى المؤسسات، حين تبكي على رحيل القائد ولا تسأل عن استمرارية النظام.
الغريب أنك حين تقرأ التاريخ، لا تسأل عن أسماء الحكام والقادة، بقدر ما تسأل عن أثرهم. من يتذكر تفاصيل حكم “نيرون” روما او الخلفاء الأمويين أو العباسيّين، بقدر ما يتذكر الحضارة التي أبدعوها أو دمروها؟
الأثر هو ما يبقى، وليس الأسماء. ولعل هذا هو جوهر الحكمة الأولى: أن تعيش وكأنك سترحل غداً، وتعمل وكأنك ستبقى أبداً. الأولى تذكرك بزوال السلطة، والثانية تحملك على ترك أثر يستحق البقاء.
ما أعجب أولئك الذين يرون في أنفسهم البحر، وهم ما كانوا إلا موجاً. الموج يأتي ويمضي، لكن البحر يبقى. الموج قد يعلو وينكسر، لكن البحر لا يزال هناك، عميقاً، ممتداً، حاملاً لموجات لا تنتهي.
ليت الذين يركبون قمم الأمواج يتذكرون أن الموج لا يكون عالياً إلا لأن البحر عميق، وأنهم حين يتكسّرون ويسقطون، سيبقى البحر يحمل غيرهم.
وهل الحياة إلا بحر من الأمواج المتعاقبة، بعضها يعلو، وبعضها يخفت، وكلها في النهاية تعود إلى الصمت الكبير؟

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...