أشعل إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن قرب التوصل إلى اتفاق واسع مع إيران موجة تفاعل غير مسبوقة داخل الحزب الجمهوري، بعدما تحولت منصة “إكس” إلى ساحة تعبئة سياسية مفتوحة قادها أعضاء بارزون في الكونغرس ومسؤولون مقربون من البيت الأبيض للدفاع عن ترمب في مواجهة الانتقادات المتصاعدة من داخل تياره المحافظ نفسه.
وحققت الحملة معدلات وصول وانتشار ضخمة بلغت ملايين المشاهدات والتفاعلات بسبب أوزان الحسابات الثقيلة التي تفاعلت مع الحملة لدعم ترمب.
وجاءت الحملة عقب منشور مطول نشره ترمب عبر منصة “تروث سوشيال”، قال فيه إنه أجرى اتصالا من المكتب البيضاوي مع عدد من قادة المنطقة في الخليج العربي، لبحث ما وصفه بـ”مذكرة تفاهم تتعلق بالسلام” مع إيران.
كما أشار إلى أن اتفاقا “جرى التفاوض على معظمه” بين الولايات المتحدة وإيران وعدد من الدول الأخرى، مضيفا أن “التفاصيل النهائية ستعلن قريبا”، وأن مضيق هرمز “سيعاد فتحه”.
الرسالة التي حملت نبرة احتفالية وتحدثت عن “السلام” وفتح مضيق هرمز، أثارت حالة انقسام داخل المعسكر الجمهوري، خصوصا بعد أشهر من التصعيد العسكري الأمريكي ضد إيران، وهو ما دفع شخصيات جمهورية ثقيلة إلى إطلاق حملة دعم واسعة لترمب، في محاولة لتثبيت رواية تقول إن الرئيس الأمريكي نجح في فرض “السلام بالقوة”، وليس عبر التنازلات.
وكان من أبرز الداعمين السيناتور إريك شميت، الذي قال إن ترمب كان واضحا منذ البداية بشأن منع إيران من امتلاك سلاح نووي، مضيفا أنه يثق في قدرة الرئيس على “محاسبة النظام الإيراني” واتخاذ ما هو الأفضل للشعب الأمريكي، معتبرا أن ما يجري يمثل “تقدما مهما نحو تحقيق سلام دائم في المنطقة”.، وحصد منشوره تفاعلات واسعة ضمن مئات التغريدات الجمهورية الداعمة لترمب.
أما رئيس مجلس النواب الأمريكي مايك جونسون فذهب أبعد من ذلك، مؤكدا أن ترمب هو “الشخص الوحيد القادر على إجبار إيران، أكبر دولة راعية للإرهاب في العالم، على الجلوس إلى طاولة المفاوضات”.
وأضاف أن الجمهوريين يشعرون بـ”تشجيع كبير” بعد الحديث عن اتفاق سلام مع إيران، معتبرا أن الولايات المتحدة أصبحت “أقوى وأكثر احتراما وأمنا” تحت قيادة ترمب. وتداول ناشطون جمهوريون منشوره على نطاق واسع باعتباره جزءا من حملة الدفاع الرسمية عن الرئيس الأمريكي.
السيناتور الجمهوري بيرني مورينو وصف الاتفاق المحتمل بأنه “انتصار تاريخي جديد لأمريكا والعالم”، وقال إن ترمب نجح، بعد إظهار “قوة غير مسبوقة ضد إيران”، في تأمين اتفاق لإعادة فتح مضيق هرمز، واستقرار أسواق الطاقة، ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي.
وأضاف أن ما يحدث يمثل “تطبيقا فعليا لمبدأ السلام عبر القوة دون حروب لا تنتهي أو تنازلات ضعيفة”.
كما انضم إلى الحملة عدد من الشخصيات المقربة من البيت الأبيض، من بينهم ستيفن تشيونغ، الذي نشر رسالة قال فيها إن ترمب كان يعمل منذ ساعات الصباح الباكر داخل البيت الأبيض حتى مساء السبت، مضيفا: “هذا الرجل يركز بشدة ومصمم على تحقيق أهدافه”.
بينما كتب كايلان دور منشورا هاجم فيه منتقدي ترمب، داعيا من يهاجم الرئيس بسبب “محاولته تحقيق سلام دائم” إلى “إغلاق حساباته والعودة إلى الواقع”، في إشارة إلى ما يعرف داخل الخطاب المحافظ بمتلازمة كراهية ترمب.
ودخلت رئيسة المؤتمر الجمهوري في مجلس النواب ليزا ماكلين على خط الدفاع عن الإدارة، مؤكدة أن ترمب يركز على “الأمن والاستقرار والمصالح القومية الأمريكية في الشرق الأوسط”، وأن أي اتفاق يؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز يعد “تطورا إيجابيا”.
كما نشرت النائبة الجمهورية ماري ميلر رسالة دعمت فيها ترمب عقب تقارير أمنية مرتبطة بالبيت الأبيض، داعية الأمريكيين إلى الصلاة من أجل الرئيس وإدارته.
لكن في المقابل، كشفت ردود فعل شخصيات جمهورية بارزة حجم القلق داخل التيار المحافظ من طبيعة الاتفاق المحتمل مع إيران. وكان السيناتور تيد كروز من أبرز المنتقدين، إذ قال إنه يشعر “بقلق عميق” تجاه ما يسمعه عن “اتفاق مع إيران” تدفع نحوه بعض الأصوات داخل الإدارة الأمريكية.
وأضاف أن قرار ترمب بضرب إيران كان “أهم قرار في ولايته الثانية”، معتبرا أن النتائج العسكرية كانت “استثنائية”، بما في ذلك تدمير الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية وإغراق البحرية الإيرانية بالكامل، على حد تعبيره.
وحذر كروز من أن يؤدي الاتفاق إلى منح إيران مليارات الدولارات مع السماح لها بتخصيب اليورانيوم وتطوير أسلحة نووية وامتلاك نفوذ فعلي على مضيق هرمز، واصفا ذلك بأنه “خطأ كارثي”، كما اعتبر أن إشادة المسؤول الأمريكي السابق روب مايللي بالاتفاق “ليست مؤشرا مطمئنا”.
بدوره، أعرب السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام عن شكوكه بشأن فكرة أن إيران لا يمكن ردعها عسكريا في مضيق هرمز، محذرا من أن أي اتفاق يقوم على الاعتراف الضمني بقدرة طهران على تهديد الملاحة أو ضرب البنية النفطية الخليجية سيؤدي إلى تغيير خطير في ميزان القوى الإقليمي، وسيشكل “كابوسا لإسرائيل على المدى الطويل”، كما تساءل: “لماذا بدأت الحرب أساسا إذا كانت هذه التصورات صحيحة؟”.
وتعكس هذه الحملة الإلكترونية الجمهورية محاولة واضحة لإظهار تماسك الحزب خلف ترمب، في لحظة سياسية حساسة يتداخل فيها الملف الإيراني مع حسابات الانتخابات الأمريكية وصراعات النفوذ داخل التيار المحافظ.
وبينما يواصل حلفاء ترمب الترويج لفكرة أنه نجح في فرض “سلام بالقوة”، تكشف الاعتراضات الجمهورية المتصاعدة أن الاتفاق المحتمل مع إيران قد يتحول إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للانقسام داخل الحزب الجمهوري خلال المرحلة المقبلة.
المصدر: الجزيرة






