ما حقُّ إقليم الدريوش من كعكة التوسع الجامعي؟

 

 

بقلم/ الدكتور التجاني بولعوالي

 

تابعتُ، بكل اعتزاز، مسار التوسع المؤسسي والأكاديمي الذي تشهده جامعة محمد الأول بوجدة، وهي الجامعة التي تلقيتُ في مدرجاتها تكويني العلمي، ونلتُ منها شواهدي قبل أكثر من ثلاثة عقود. ولا يسعني، بهذه المناسبة، إلا أن أهنئ رئاسة الجامعة وكافة مكوناتها على الإنجازات المتواصلة التي تعزز مكانتها العلمية.
وقد ازداد هذا الشعور بعد الإعلان عن تحويل الكلية متعددة التخصصات بالناظور إلى أربع كليات مستقلة، في خطوة نوعية تعكس الدينامية التي تعرفها الجامعة، وتستحق كل التقدير والثناء.
غير أن هذا التطور يثير، في المقابل، سؤالا مشروعا: أين موقع الأقاليم الأخرى، وفي مقدمتها إقليم الدريوش، من هذا التوسع الجامعي؟
فقد ظل التوسع الجامعي، في معظمه، متمركزا في وجدة، ثم امتد إلى إقليم الناظور الذي كان يستحق، في تقديري، جامعة مستقلة منذ سنوات طويلة، كما يُنتظر أن يحظى إقليم بركان بمؤسسات جامعية جديدة. أما الأقاليم الأخرى، وهي الدريوش، وجرادة، وتاوريرت، وجرسيف، وفجيج، فما تزال خارج خريطة التوسع الجامعي، رغم حاجتها الملحة إلى مؤسسات للتعليم العالي تسهم في تنشيط الحياة العلمية والثقافية والاقتصادية.
إن توزيع مؤسسات التعليم العالي بشكل أكثر توازنًا ليس مجرد مطلب أكاديمي، بل هو خيار تنموي ينسجم مع فلسفة الجهوية المتقدمة والعدالة المجالية، ويجعل الجامعة رافعة حقيقية للتنمية المحلية.
وبخصوص إقليم الدريوش، الذي أنتمي إليه وأعرف عن قرب حاجياته، أرى أنه يستحق نصيبا من هذا التوسع، لاعتبارات عديدة، أكتفي منها بثلاثة:
أولا، يتمتع الإقليم برصيد تاريخي وطني استثنائي، إذ كان مسرحًا لأهم محطات المقاومة ضد الاستعمار الإسباني، واحتضن معارك المجاهد محمد أمزيان، كما ارتبط بتاريخ حركة المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي. وهذه الذاكرة تستحق أن تُوثَّق وتُدرَّس من خلال متاحف ومراكز بحث، بل ومعهد جامعي متخصص في تاريخ المقاومة، يربط الماضي بالحاضر، ويعزز إشعاع المنطقة وطنيا ودوليا.
ثانيا، يضم الإقليم جالية واسعة في أوروبا، تمثل أكثر من نصف أبنائه، وتزخر بكفاءات أكاديمية وعلمية مرموقة في مختلف التخصصات. وكثير من هذه الكفاءات يرغب في بناء شراكات علمية مع منطقته الأصلية، غير أن غياب مؤسسات جامعية بالدريوش يحول دون تحقيق هذا الطموح، فتتجه هذه المبادرات إلى مدن أخرى أو تتوقف نهائيًا.
ثالثا، يشكل ميناء الناظور المتوسط مشروعًا استراتيجيًا سيغير ملامح الاقتصاد الجهوي، بينما توجد أجزاء مهمة من مشاريعه فوق تراب إقليم الدريوش. ومن الطبيعي أن ينعكس هذا المشروع أيضًا على التنمية العلمية بالإقليم، عبر إحداث مؤسسات جامعية مرتبطة بالاقتصاد البحري، كمدرسة عليا للملاحة والصناعات البحرية أو معاهد متخصصة في اللوجستيك والنقل البحري، بما يواكب حاجيات هذا الورش الوطني الكبير.
وفي الختام، أجدد تقديري الكبير لرئاسة جامعة محمد الأول، برئاسة الأستاذ الدكتور المحترم ياسين زغلول، ولكافة عمداء الكليات والأساتذة والباحثين والأطر الإدارية، على ما يبذلونه من جهود لتطوير الجامعة والارتقاء بها.
وفي الوقت نفسه، أتطلع إلى أن تشمل الرؤية المستقبلية للتوسع الجامعي مختلف أقاليم جهة الشرق، وفق مقاربة تحقق العدالة المجالية، وتستثمر الخصوصيات التاريخية والاقتصادية والبشرية لكل إقليم. فالدريوش، بما يزخر به من مؤهلات تاريخية، وسياحية، وبحرية، وبجالية علمية واسعة، لم يعد في حاجة إلى مجرد فضاءات للتدريس، بل إلى مؤسسات جامعية تؤدي وظائف الجامعة الأربع: التدريس، والبحث العلمي، وخدمة المجتمع، والاستثمار المعرفي، لتكون رافعة حقيقية للتنمية المستدامة بالإقليم.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...