فرج كندي
لم يكن الخطاب الذي يتبناه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الدول الأوروبية وقادتها مجرد انفعالات سياسية عابرة أو تصريحات انتخابية هدفها إثارة الجدل الإعلامي، بل يعكس رؤية فكرية وسياسية متماسكة تتبناها المدرسة القومية الشعبوية داخل الولايات المتحدة، والتي ترى أن النظام الدولي الذي أنشأته واشنطن بعد الحرب العالمية الثانية أصبح عبئًا اقتصاديًا واستراتيجيًا على الولايات المتحدة، وأن أوروبا تحولت من شريك يتحمل المسؤولية إلى حليف يعتمد بصورة مفرطة على القوة الأمريكية دون أن يقدم مقابلًا يتناسب مع حجم ما يحصل عليه من حماية ومزايا اقتصادية.
ومن هنا فإن ما يصفه كثير من المراقبين بأنه “إهانة” لأوروبا لا يمكن عزله عن مشروع سياسي متكامل يسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين وفق قاعدة جديدة عنوانها: “المصلحة الأمريكية أولاً”.
خلفية تاريخية لفهم الخلاف
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بنت الولايات المتحدة منظومة الغرب السياسي والعسكري والاقتصادي.
أنشأت خطة مارشال لإعادة إعمار أوروبا، وأسست حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ووفرت المظلة النووية لحماية القارة الأوروبية من الاتحاد السوفيتي، كما دعمت الاقتصاد الأوروبي حتى أصبح أحد أكبر الاقتصادات العالمية.
لكن مع مرور العقود بدأت قطاعات واسعة داخل الولايات المتحدة تتساءل:
لماذا تتحمل أمريكا الجزء الأكبر من تكاليف الدفاع عن أوروبا؟
ولماذا تستفيد الشركات الأوروبية من الأسواق الأمريكية بينما تعاني الصناعة الأمريكية من المنافسة الأجنبية؟
ولماذا تتحمل واشنطن مسؤولية أمن العالم بينما تركز الدول الأوروبية على الرفاه الاجتماعي؟
هذه الأسئلة أصبحت أساسًا للفكر الذي يتبناه ترامب.
لماذا يهاجم ترامب أوروبا؟
1- تحميل أوروبا مسؤولية استنزاف الاقتصاد الأمريكي
يرى ترامب أن أوروبا تستفيد من الحماية العسكرية الأمريكية دون أن تتحمل نصيبها العادل من الإنفاق الدفاعي.
ففي نظره:
* الولايات المتحدة تنفق مئات المليارات على الدفاع.
* بينما تنفق دول أوروبية عديدة أقل من النسبة المطلوبة داخل الناتو.
* والنتيجة أن دافع الضرائب الأمريكي يمول أمن الأوروبيين.
ولهذا كان يكرر باستمرار:
“إذا لم تدفعوا… فلن نحميكم.”
وهو تصريح غير مسبوق من رئيس أمريكي تجاه الحلفاء.
2- العجز التجاري
ينظر ترامب إلى الاتحاد الأوروبي باعتباره منافسًا اقتصاديًا أكثر منه حليفًا.
فهو يرى أن:
* أوروبا تفرض قيودًا على المنتجات الأمريكية.
* بينما تغرق السوق الأمريكية بالبضائع الأوروبية.
* خاصة السيارات الألمانية.
ولهذا وصف الاتحاد الأوروبي في أكثر من مناسبة بأنه “استغل الولايات المتحدة لعقود طويلة.”
3- رفض العولمة
ترامب لا يؤمن بالنظام الاقتصادي العالمي الذي قامت عليه العلاقات الأمريكية الأوروبية.
فهو يعتبر أن:
العولمة أخرجت المصانع الأمريكية.
ونقلت الوظائف إلى الخارج.
وأضعفت الطبقة الوسطى الأمريكية.
ولهذا يريد إعادة التصنيع إلى الداخل الأمريكي حتى لو أدى ذلك إلى صدام مع أوروبا.
4- الخلاف الأيديولوجي
هناك اختلاف واضح بين الفكر المحافظ القومي الذي يمثله ترامب وبين النخب الليبرالية الأوروبية.
فالقادة الأوروبيون يدافعون عن:
* الهجرة.
* التعددية الثقافية.
* البيئة.
* الاتفاقيات الدولية.
* المؤسسات متعددة الأطراف.
بينما يرى ترامب أن هذه السياسات أضعفت الغرب.
ولهذا كان يوجه انتقادات مباشرة لقادة أوروبا.
5- الحرب في أوكرانيا
يعتقد ترامب أن أوروبا تعتمد بالكامل على واشنطن في مواجهة روسيا.
ويرى أن استمرار الدعم الأمريكي المفتوح لكييف يخدم أوروبا أكثر مما يخدم الولايات المتحدة.
ولهذا يطالب الأوروبيين بتحمل العبء المالي والعسكري الأكبر.
لماذا يستخدم لغة قاسية؟
يعتمد ترامب على أسلوب التفاوض بالضغط.
وهو الأسلوب الذي تعلمه في عالم الأعمال.
ويقوم على:
* رفع سقف المطالب.
* توجيه الانتقادات العلنية.
* إرباك الطرف المقابل.
* خلق شعور بالأزمة.
* ثم فرض شروط جديدة.
إذن فالإهانة في كثير من الأحيان ليست هدفًا بحد ذاتها، وإنما وسيلة تفاوض.
رابعاً: ما الذي يريده ترامب من أوروبا؟
يمكن تلخيص أهدافه في عدة نقاط:
أولاً:
زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي.
ثانيًا:
شراء مزيد من السلاح الأمريكي.
ثالثًا:
تقليل الفائض التجاري الأوروبي.
رابعًا:
إعادة الصناعات إلى الولايات المتحدة.
خامسًا:
إعادة تعريف الناتو بحيث تتحمل أوروبا مسؤولية أكبر.
سادسًا:
إظهار نفسه أمام الناخب الأمريكي باعتباره الرئيس الذي أجبر أوروبا على دفع ثمن حمايتها.
خامساً: هل تستطيع أوروبا الرد؟
نظريًا نعم.
لكن عمليًا الأمر أكثر تعقيدًا.
اقتصادياً
يمكن لأوروبا:
* فرض رسوم جمركية.
* تقليل الاستثمارات.
* تنويع الأسواق.
لكنها ستتضرر أيضًا.
عسكرياً
تمتلك أوروبا جيوشًا قوية.
لكنها لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على:
* الاستخبارات الأمريكية.
* الأقمار الصناعية الأمريكية.
* النقل الاستراتيجي الأمريكي.
* الردع النووي الأمريكي.
ولذلك يصعب عليها الانفصال الكامل.
سياسياً
الاتحاد الأوروبي ليس دولة واحدة.
بل يضم عشرات الحكومات ذات المصالح المختلفة.
وبالتالي فإن اتخاذ موقف موحد ضد واشنطن ليس أمرًا سهلاً.
سادساً: لماذا تبدو أوروبا ضعيفة أمام ترامب؟
هناك عدة أسباب:
أولها:
الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة.
ثانيها:
الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي.
ثالثها:
الأزمات الاقتصادية.
رابعها:
صعود الأحزاب اليمينية.
خامسها:
الحرب الأوكرانية.
سادسها:
القلق من روسيا.
لذلك تجد أوروبا نفسها مضطرة غالبًا إلى احتواء تصريحات ترامب بدلاً من مواجهتها
السيناريوهات المحتملة
إذا استمرت هذه السياسة فقد نشهد:
السيناريو الأول
تعزيز الاستقلال الدفاعي الأوروبي.
وقد بدأت بالفعل دعوات متزايدة لإنشاء منظومة دفاع أوروبية أكثر استقلالًا.
السيناريو الثاني
تراجع النفوذ الأمريكي داخل أوروبا.
كلما ازداد الضغط الأمريكي ازداد التفكير الأوروبي في تنويع الشراكات.
السيناريو الثالث
تقارب أوروبي مع قوى أخرى.
مثل:
* الصين.
* الهند.
* بعض القوى الإقليمية.
بهدف تقليل الاعتماد على واشنطن.
السيناريو الرابع
إضعاف حلف الناتو.
إذا استمرت الخلافات حول التمويل والالتزامات فقد تتراجع فاعلية الحلف، حتى لو لم ينهَر.
السيناريو الخامس
عودة البراغماتية.
فقد تنتهي الأزمة إلى تفاهمات جديدة ترفع الإنفاق الأوروبي وتحافظ على التحالف، مع استمرار الخلافات في ملفات التجارة والمناخ والسياسات الدولية.
هل يمثل ترامب استثناءً أم تحولاً دائماً؟
يخطئ من يظن أن كل ما يقوله ترامب مجرد مواقف شخصية.
فالتيار الذي يمثله يزداد حضورًا داخل السياسة الأمريكية، ويطالب بإعادة ترتيب أولويات الولايات المتحدة، وتقليص كلفة الالتزامات الخارجية، وربط التحالفات بحسابات المنفعة المباشرة. وهذا يعني أن بعض التوجهات التي برزت في عهد ترامب قد تستمر بدرجات متفاوتة حتى مع تغير الإدارات، لأنها تعكس نقاشًا أعمق داخل المجتمع الأمريكي حول مكانة الولايات المتحدة في العالم.
تكشف المواجهة الكلامية بين ترامب وأوروبا عن تحول أعمق من مجرد خلاف بين رئيس أمريكي وحلفائه. فهي تعبر عن أزمة في بنية التحالف الغربي نفسه، حيث تتراجع فكرة “التحالف القائم على القيم المشتركة” لصالح منطق “التحالف القائم على تقاسم الأعباء والمصالح”. وفي المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام اختبار تاريخي: إما أن تطور أدواتها الدفاعية والاقتصادية والسياسية بما يمنحها استقلالًا أكبر، أو أن تبقى رهينة للمظلة الأمريكية وما يرافقها من ضغوط وشروط.
ومن ثم، فإن التصريحات الحادة التي يطلقها ترامب ليست مجرد لغة صدامية، بل تعكس إعادة تفاوض على قواعد القيادة الغربية. وقد لا تكون آثارها محصورة في العلاقة عبر الأطلسي، بل قد تمتد إلى إعادة تشكيل موازين القوى الدولية، وتسريع الانتقال نحو نظام عالمي أكثر تعددًا للأقطاب، تتراجع فيه قدرة الولايات المتحدة على فرض رؤيتها منفردة، كما تتزايد فيه محاولات الحلفاء والخصوم على السواء لإعادة تعريف مواقعهم في النظام الدولي.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





