*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
في العلوم السياسيّة؛ لا تُقرأ العمليات الانتخابيّة فقط من خلال البرامج والنتائج والتحالفات وموازين القوى؛ بل تُقرأ أيضًا من خلال سيكولوجية الفاعل السياسي وطريقة إدراكه للمنافسة والسلطة والهزيمة.
ومن هذه الزاوية تبرز حالة تستحق التأمل: مرشح يبدأ في تفسير فشله قبل أن تقع الهزيمة أصلًا. ففي كل موسم انتخابي مغربي تظهر فئة من المرشحين لا تنتظر إعلان النتائج كي تبدأ في تفسير الخسارة.
يكفي أن تشعر بأن القطار يتحرك بعيدًا عنها حتى تبدأ صناعة الرواية. إنها سوسيولوجيا «مْشَا عليّ القطار»
فحين يعجز المرشح عن تفسير ضعف حظوظه من داخل حملته يبحث عن تفسير جاهز في الخارج. لا يسأل: أين أخطأنا؟ ولا: لماذا لم نقنع الناس؟ بل يسأل أولًا: من يقف ضدنا؟
وهنا تبدأ قائمة طويلة لا تكاد تنتهي: المقدم ضدنا والشيخ ضدنا وخليفة القايد ضدنا والقايد ضدنا والباشا ضدنا والعامل ضدنا والوالي ضدنا ووزير الداخلية ضدنا…
سلطة المال حتى هي الأخرى ضدنا..! مع أنه رغم استخدام المال في استمالة الناخبين؛ إلا أنه لا أحد يستطيع إثبات او نفي ذلك.
سبق لأحد وزراء الداخلية المغربي أن عبّر، في معرض حديثه عن استعمال المال لاستمالة الناخبين، عن موقف بالغ الدلالة حين أقرّ بوجود هذه الممارسة في الواقع الانتخابي مع التحفظ على إمكانية إثباتها أو نفيها في حالات بعينها.
وهذه المفارقة تكشف طبيعة الانتخابات بوصفها مجالًا تتقاطع فيه الوقائع المادية مع التأويلات السياسية والهواجس الانتخابيّة.
فوجود المال الانتخابي شيء وإثبات أثره في نتيجة محددة شيء آخر.
وبين الأمرين تنشأ مساحة واسعة للتأويل قد تتحول عند بعض المرشحين إلى «نظرية مؤامرة» جاهزة تفسر كل إخفاق.
وهنا تحديدًا تبدأ سوسيولوجيا الفشل الانتخابي قبل إعلان النتائج: حين يصبح ما لا يمكن إثباته يقينًا نفسيًا وما لا يمكن تفسيره ذاتيًا مؤامرة خارجية.
حتى يبدو أن المرشح لا يخوض انتخابات أمام منافسين سياسيين بل يخوض حربًا منفردة ضد جهاز الدولة والمجتمع والتاريخ والجغرافيا وربما ضد حركة الكواكب أيضًا.
وإذا ضاقت دائرة الاتهام اتسعت دائرة الشكوى: السيد العامل ثم الوزير ثم الأمين العام للحزب ثم وكيل الملك. وتتحول المنافسة الانتخابيّة إلى موسم مفتوح للبكائيات والعرائض والاتصالات والبحث عن «من أنصفنا ومن لم ينصفنا».
لكن المفارقة الأشد دلالة أن الحياد نفسه يصبح تهمة. فالسلطة إذا لم تعطي الانطباع بأنّها تساعده فهي ضده. وإذا طبقت القانون على الجميع فهو أيضًا ضدّه. وإذا تركته ينافس خصمه دون تدخل فهو في نظره قد اختار خصمه.
وفي ظل هذا المنطق لا توجد منطقة وسطى بين الولاء والعداء: إما أن تكون معه أو فأنت مع خصمه. ولذلك يصبح الحياد الذي يفترض أن يكون قاعدة المنافسة النزيهة قرينةً على المؤامرة.
المسألة هنا ليست مجرد طرافة انتخابيّة. إنها تكشف عن ثقافة سياسيّة لا تزال تجد صعوبة في الفصل بين الدولة والسلطة الانتخابيّة وبين الإدارة والمحاباة وبين المنافسة والوصاية.
بعض المرشحين يريد من الإدارة أن تكون محايدة عندما تخدمه وأن تصبح منحازة عندما لا تخدمه. يريد القانون عندما يحميه والاستثناء عندما لا يكفيه. ويريد من الدولة أن تضمن له تكافؤ الفرص ثم يغضب عندما تمنح خصمه الحق نفسه.
ومن هنا يمكن فهم «مْشَا عليّ القطار» بوصفها أكثر من عبارة دارجة. إنها آلية لتوزيع المسؤولية خارج الذات. فحين تكون النتيجة سيئة يصبح الخصم أقوى من اللازم والسلطة متحيزة والمؤامرة أوسع من اللازم. أما احتمال أن يكون الناخب قد اختار ببساطة شخصًا آخر فلا يحظى غالبًا بالمكانة نفسها في الرواية.
والأغرب أن هذه السوسيولوجيا لا تنتهي دائمًا عند إعلان النتائج. فقد يتحول الفشل الانتخابي إلى رأسمال جديد للشكوى: «كنا سنفوز لولا…».
وهكذا يصبح المرشح قادرًا على خسارة الانتخابات والفوز في شيء آخر: بطولة سرديّة ورواية المظلوميّة.
عالم الانتخابات عالم فريد في المغرب. ففيه من يذهب إلى صندوق الاقتراع بحثًا عن أصوات الناخبين ومن يذهب وفي جيبه منذ البداية قائمة جاهزة بأسماء المسؤولين الذين سيتهمهم إذا لم يحصل عليها.
أمّا القطار الذي يقول إنه فاته فربما لم يفته أصلًا؛ ربما كان ينتظر محطة لم يصل إليها لأنه قضى الوقت كله في البحث عمّن عطّله.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





