نسبة المشاركة في الانتخابات بوصفها معياراً لقياس الديمقراطية: مفارقة الرقم حين يتحول العزوف الانتخابي إلى مؤشر..!
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
درسنا في حقل علم السياسة والقانون الدستوري بمدرجات كلية الحقوق والمدارس والمعاهد العليا لاستكمال التكوين؛ أن نسبة المشاركة في الانتخابات تعتبر معيارًا مباشرًا لقياس مستوى الديمقراطية في بلدٍ ما.
لكن هل تستطيع الديمقراطية أن تقيس نفسها بالأرقام التي تنتجها؟
هل يمكن فعلًا اعتبار نسبة المشاركة في الانتخابات معيارًا مباشرًا لقياس مستوى الديمقراطية في بلدٍ ما؟ أم أن العلاقة بين الأمرين أكثر تعقيدًا مما توحي به الأرقام الانتخابية؟
في ظل تنامي ظاهرة العزوف عن المشاركة في العمليات الانتخابيّة في عدد متزايد من الديمقراطيات المعاصرة، قد تبدو المشاركة المنخفضة للوهلة الأولى علامةً على أزمة ديمقراطية أو على تراجع الثقة في المؤسسات السياسية.
غير أن القراءة المعياريّة للمسألة، تسمح باحتمال آخر أكثر إثارة للمفارقة: فقد يكون انخفاض المشاركة تعبيرًا عن اللامبالاة السياسيّة (موقف الكَنَبَة) أو فقدان الثقة أو الاحتجاج الصامت أو حتى رفضٍ واعٍ لنمطٍ معين من الممارسة السياسيّة.
ومن هذا المنطلق لا يجوز اختزال الديمقراطية في مجرد كثافة التصويت. فالمشاركة المرتفعة لا تعني بالضرورة ديمقراطية راسخة، كما أن المشاركة المنخفضة لا تكفي وحدها كمؤشر لإثبات غياب الديمقراطية.
لقد عرف التاريخ السياسي أنظمة كانت تسجل وتعلن عن نسب مشاركة تكاد تلامس المئة في المئة، دون أن يعني ذلك أنها كانت أكثر ديمقراطية.
بل إن نسبة مشاركة تبلغ 99.99% قد تكون في بعض السياقات دليلًا على انعدام الاختيار أكثر مما هي دليل على حيوية الإرادة الشعبيّة؛ إذ لا قيمة للرقم الانتخابي إذا كان الناخب لا يملك تعدديّة حقيقيّة في الاختيار أو إذا كانت المنافسة السياسيّة شكليّة أو إذا كانت نتائج الاقتراع محسومة سلفًا.
وهنا تظهر المفارقة: قد تكون المشاركة المرتفعة جدًا علامةً على قوّة الديمقراطية في سياق، وعلامةً على قوّة السلطة في سياق آخر. فالرقم الانتخابي لا يتكلم بذاته؛ وإنما يكتسب معناه من البيئة السياسيّة والمؤسسية التي أنتجته.
وهذا تحديدًا ما يجعل مؤشرات الديمقراطية الحديثة أكثر تركيبًا من مجرد احتساب عدد المصوتين.
فـ«مؤشر الديمقراطيّة» الصادر عن وحدة الاستخبارات الاقتصاديّة المعروفة اختصارًا ب: (EIU)، التابعة لمجموعة “The Economist Intelligence Unit)”، لا يقيس الديمقراطية انطلاقًا من نسبة المشاركة الانتخابيّة وحدها، وإنما يستند إلى حوالي 60 مؤشرًا موزعة على خمسة مجالات رئيسية:
1. العملية الانتخابيّة؛
2. والتعدديّة؛
3. وأداء الحكومة؛
4. المشاركة السياسيّة؛
5. والثقافة السياسيّة السائدة والحريات المدنيّة.
ويُحتسب المؤشر العام باعتباره متوسطًا لدرجات هذه المجالات الخمسة.
وبناءً على هذا المنهج تُصنف الدول في أربع فئات رئيسية:
1. الديمقراطيات الكاملة،
2. الديمقراطيات المعيبة،
3. الأنظمة الهجينة
4. والأنظمة السلطوية.
وقد ظهر المؤشر لأول مرة في سنة 2006، ثم توالت إصداراته لتقديم صورة مقارنة عن حالة الديمقراطية في مختلف دول العالم.
ومن اللافت أن بعض التحولات التي عرفها التصنيف تؤكد أن الديمقراطية ليست حالةً تختزل في رقم انتخابي واحد. ففي مؤشر 2011، مثلاً: انتقلت تونس وموريتانيا والنيجر من الأنظمة السلطويّة إلى فئة الأنظمة الهجينة، بينما انتقلت زامبيا من نظام هجين إلى ديمقراطية معيبة.
وفي مؤشر 2012 انتقلت ليبيا والمغرب وبوروندي من الأنظمة السلطويّة إلى الأنظمة الهجينة.
وهذا يعني أن التحول الديمقراطي يُقاس بتغير بنية النظام السياسي ومؤسساته وقواعد المنافسة والحريات وأداء الحكومة والثقافة السياسيّة، وليس بمجرد ارتفاع عدد المشاركين في صندوق الاقتراع.
بل إن المشاركة نفسها تحتاج إلى قراءة سوسيولوجية وسياسية: لماذا يصوت الناس؟ ولماذا يمتنعون؟ هل التصويت تعبير عن الاقتناع؟ أم عن الخوف؟ أم عن الزبونية؟ أم عن الانتماء الحزبي؟ أم عن الرغبة في تغيير السلطة؟ وهل العزوف ناتج عن اللامبالاة السياسيّة أم عن فقدان الثقة في المؤسسات أم عن اعتقاد بأن النتائج لن تغير شيئًا؟
إن الصندوق الانتخابي لا يقيس الديمقراطية إلا بقدر ما يكشف عن حرية الإرادة السياسية التي تقف خلفه.
ومن هنا فإن تحويل نسبة المشاركة إلى معيار منفرد لقياس الديمقراطية ينطوي على خطأ منهجي؛ لأن الرقم قد يكون مرتفعًا في نظام غير ديمقراطي، وقد يكون منخفضًا في ديمقراطية تتمتع بمؤسسات قوية وحريات مدنية راسخة.
المشكلة ليست في أن يصوت المواطن أو لا يصوت فقط، وإنما في الشروط التي تجعل التصويت فعلًا سياسيًا ذا معنى.
وهنا نصل إلى السؤال الجوهري الأعمق: هل تعاني الديمقراطية المعاصرة من أزمة مشاركة فحسب، أم أنها تواجه أزمةً أعمق تتعلق بفكرة التمثيل السياسي نفسها؟
ربما لا تكمن أزمة الديمقراطية في أن المواطنين لم يعودوا يريدون التصويت، بقدر ما تكمن في أن الصندوق الانتخابي نفسه لم يعد قادرًا دائمًا على إقناع المواطن بأن صوته سيعيد تشكيل الواقع الذي يعيش فيه.
ومع التحولات التكنولوجية المتسارعة وصعود الذكاء الاصطناعي والخوارزميات والمنصات الرقمية، تتغير كذلك شروط إنتاج الرأي العام وتوجيه السلوك السياسي. فلم يعد التأثير في الناخب يمر بالضرورة عبر الحزب أو الصحيفة أو المنبر التقليدي؛ بل أصبح يمر بصورة متزايدة عبر البيانات والخوارزميات واستهداف الجمهور وإعادة تشكيل المجال العمومي.
وهنا تبرز مفارقة جديدة: كلما ازدادت القدرة التقنيّة على قياس سلوك المواطن والتنبؤ به والتأثير فيه، أصبح السؤال عن حرية الإرادة السياسية أكثر تعقيدًا.
لذلك قد لا تكون الديمقراطية أمام «نهاية» بالمعنى الحرفي، وإنما أمام إعادة تشكيل عميقة لشروط وجودها ووظائفها وأدواتها. وما نراه اليوم من إعادة تدوير للنخب والخطابات والأفكار قد لا يكون إلا محاولةً لإدارة أزمات نموذج سياسي يستنفد بعض أدواته التقليدية دون أن يكون قد وجد بعد بديلًا مؤسسيًا مقنعًا عنها.
فالتاريخ السياسي لا يعرف أنظمة أبدية؛ الشيوعية والاشتراكية والرأسمالية والديكتاتورية والاستبداد كلها مرت بمراحل صعود وتحول وأزمة وإعادة إنتاج. والديمقراطية ليست استثناءً من قانون التاريخ.
غير أن السؤال الأكثر جدية ليس: هل ستنتهي الديمقراطية؟ وإنما: أي ديمقراطية ستبقى بعد أن تتغير شروط المشاركة والتمثيل وصناعة الرأي العام؟
ذلك أن الديمقراطية لا تموت بالضرورة عندما يقل عدد الناخبين، كما أنها لا تنتصر بالضرورة عندما ترتفع نسبة المشاركة. فقد يكون الرقم الانتخابي مرتفعًا ويكون النظام فقيرًا في الديمقراطية، وقد يكون الرقم منخفضًا بينما تظل الحريات والمؤسسات والتعددية السياسية أكثر رسوخًا.
إن الديمقراطية لا تُقاس بعدد الأيدي التي ارتفعت للتصويت فقط، وإنما بمقدار الحرية التي كانت تملكها تلك الأيدي قبل أن تصل إلى صندوق الاقتراع.
القراءة الورديّة عادة ما تكون متفاءلة من المحقق في مجال ما. وغالباً ما تنحو منحى المبالغة في التفاؤل.
التباهي بالانجازات الهامشية؛ بناء على القراءة الوَرْدِيَّة في لغة الأرقام؛ غالبًا ما يٌغيب المنطق الداخلي لتَمَفْصُلات الأزمة الحقيقيّة.
ولغة الأرقام في العالم العربي الإسلامي والدول المتخلفة؛ دائمًا تنحو وتنزع منحى المبالغة والنفخ والتضخيم والتهويل..!
هذا ما عبر عنه شاعر من بكري؛ حيث قال:
مَلأنَا البَرَّ حَتَّى ضاقَ عَنَّا؛ ونَحْنُ البَحْرُ نَمْلَؤُهُ سَفِينا.
إذا بَلَغَ الرَّضِيعُ لَنَا فِطاماً؛ تَخِرُّ لَهُ الجَبابِرُ ساجِدِينا.
أمّا الرقم الانتخابي، مهما ارتفع أو انخفض، فليس سوى أثرٍ ظاهرٍ لعملية سياسيّة أعمق منه.
وحين نعجز عن قراءة ما وراء اللغة الورديّة للرقم، قد يتحول القياس نفسه إلى شكلٍ آخر من أشكال الوهم.
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





