الكوكايين السائل.. المخدر يتنكر والعلم يخلع عنه القناع

إيطاليا تلغراف متابعة

لم تعد محاولة تهريب مخدر الكوكايين تعني بالضرورة إخفاء مسحوق أبيض داخل الحقائب والطرود، فمع تطور أدوات الكشف، طور المهربون من طرق التهريب، فلجؤوا إلى تغيير الشكل الكيميائي للمادة المخدرة بحيث تبدو جزءا من شحنة مشروعة، وذلك عبر ما يُعرف بـ”الكوكايين السائل”.

ويعني “الكوكايين السائل”، وجود المادة الفعالة مذابة أو مخفية داخل وسط، سواء كان سائلا أو صلبا، بدلا من نقلها في صورتها المعتادة، وهي الطريقة التي وثقت منظمة “إنسايت كرايم”، المتخصصة في دراسة الجريمة المنظمة، تزايد استخدامها في عمليات التهريب.

ونقلت المنظمة، التي تتخذ من واشنطن بأمريكا وميديين في كولومبيا مقرين رئيسيين لها، في بيان أصدرته في 14 سبتمبر/أيلول الجاري، بيانات عن الوكالة الأوروبية للمخدرات، تشير إلى العثور على مختبرات استخلاص للكوكايين في أنحاء أوروبا، حيث أبلغت في عام 2024 ست دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي عن تفكيك ما لا يقل عن 42 موقعا مرتبطا بإنتاج الكوكايين أو استخلاصه أو خلطه بمواد أخرى أو تعبئته، وذلك مقارنة بـ34 موقعا في عام 2023.

من الشامبو إلى الخشب

ورغم القناع الذي يظن المهربون أنهم ألبسوه للكوكايين، فإن العلم الذي أسيء استخدامه لتحقيق ذلك، هو نفسه الذي يتحول لأداة إيجابية في يد الجهات الرقابية لخلع هذا القناع.

وفي 3 سبتمبر/أيلول الجاري، نجحت وكالة الضرائب الإسبانية بمطار فالنسيا في استخدام الأدوات الكيميائية لاكتشاف محاولة أحد المهربين تهريب 8.2 كيلوغرامات من الكوكايين السائل داخل زجاجات شامبو، كما تمكنت الشرطة الأيرلندية في يوليو/تموز الماضي من ضبط ألواح خشبية من الخشب الرقائقي كانت مشبعة بالكوكايين السائل، قبل إرسالها إلى مختبر سري لاستخراج الكوكايين منها.

ويمثل “الشامبو” في الواقعة الإسبانية، أحد أشهر وسائط التهريب، حيث يُحوَّل الكوكايين إلى صورة سائلة قابلة للإخفاء داخله، ثم يُنقل داخل عبوات تحمل مظهر منتجات تجارية مشروعة، ويمكن أن ينقل أيضا داخل مواد التنظيف والمنتجات الصناعية.

أما في واقعة أيرلندا، فإن الخشب هو المادة الأشهر في عمليات تسمى “التشريب”، إلى جانب مواد أخرى مثل البلاستيك الصلب، الفحم، الراتنجات، الكرتون والورق، المواد الشمعية، والأقمشة والمنسوجات.

ويعني “التشريب” أن مادة “الكوكايين السائل” تُمتص داخل بنية ومسام مادة أخرى، بحيث لا تبقى المادة الممتصة مجرد طبقة على السطح، ليتم لاحقا استخدام بعض الوسائل لاستعادة المادة الممتصة.

كيف يساعد الفحص بالأشعة؟

والسؤال الآن: كيف تستطيع الجهات الرقابية اكتشاف هذه الطرق الحديثة للتهريب؟ يشير التقرير، الذي نشره الموقع الرسمي لوكالة الضرائب الإسبانية، إلى أن البداية تأتي من جهاز الأشعة السينية المستخدم في المطارات، وتكون وظيفة هذه الأجهزة هي كشف أي اختلافات في كثافة وتركيب محتويات العبوات والشحنات، وبالتالي عند رصدها لأي اختلافات، يتم استكمال حالات الاشتباه باختبارات وتحاليل كيميائية متخصصة، تحدد هوية الكوكايين.

لكن هذه الوسيلة، التي تستخدم الأشعة السينية، لا تكون هي الأكثر فعالية لمواجهة طريقة أخرى للتهريب يلجأ لها المهربون، وهي إخفاء المخدرات داخل الجسم، حيث يتم ابتلاع طرود صغيرة مغلقة تحتوي على الكوكايين سواء كان سائلا أو صلبا، بحيث تمر عبر الجهاز الهضمي، ولا تسمح بإذابة المخدر داخل الجسم.

وكشفت دراسة نشرت بدورية “يوروبيان جورنال أوف راديولوجي” (European Journal of Radiology) أن الأشعة المقطعية متعددة الشرائح أكثر دقة من الأشعة السينية التقليدية في الكشف عن هذه النوعية من الطرود التي يخفيها المهربون داخل أجسامهم، لا سيما عندما يكون المخدر في صورة سائلة.

وشملت هذه الدراسة، التي أجراها باحثون من مستشفى “هاسكي” للتدريب والأبحاث بإسطنبول، 67 شخصا من المشتبه بهم في مطاري مدينة إسطنبول بتركيا، حيث خضعوا للفحص بالطريقتين، وتبين لاحقا أن 52 منهم كانوا من مهربي المخدرات الذين يخفون الطرود داخل أجسامهم.

وحدد الباحثون نوعين رئيسيين من الطرود، احتوى النوع الأول على مخدرات في صورة صلبة، وظهر لدى 41 شخصا، بينما ظهر الكوكايين السائل لدى 11 شخصا، وأظهرت النتائج فارقا واضحا بين الطريقتين، فعند استخدام الأشعة المقطعية، بلغت حساسية الكشف عن طرود الكوكايين السائل 100%، أما الأشعة السينية التقليدية، فكانت أقل قدرة على اكتشاف هذا النوع من الطرود، إذ تراوحت الحساسية بين 45% و64%.

وتشير هذه الأرقام إلى أن الأشعة السينية قد تفشل في اكتشاف جزء من الحالات التي يكون فيها المخدر مخفيا في صورة سائلة داخل الجسم، بينما قدمت الأشعة المقطعية أداء أكثر اتساقا في الدراسة.

تقنيات أكثر تخصصا

وإلى جانب هذه الأدوات، بحث العلم في تقنيات أكثر تخصصا من الأشعة السينية في التعرف الكيميائي على الكوكايين، ومنها “مطيافية رامان”، وهي تقنية تحليلية تستخدم الضوء (عادة ضوء ليزر) للتعرف على المواد من خلال بصمتها الجزيئية.

وفكرة هذه التقنية أنه “عندما يسلط الليزر على مادة، يتشتت جزء صغير جدا من الضوء بطريقة تتأثر بالروابط والاهتزازات داخل جزيئات المادة، ليقوم الجهاز بتحليل هذا الضوء المتشتت، وينتج طيفا مميزا للمادة يشبه بصمة يمكن مقارنتها بقاعدة بيانات معروفة للمواد”.

وتتميز هذه الطريقة بالقدرة على التعرف على مادة مخدرة من دون فتح العبوة، وقد أظهرت دراسات إمكانية استخدام هذه الطريقة للكشف عن مواد مخدرة مخفية داخل عبوات أو محاليل، بما في ذلك الكوكايين.

واختبرت دراسة نشرتها دورية “دراج تيستنج أند أناليسِس” (Drug Testing and Analysis) هذه الأداة، حيث استخدم الباحثون، من جامعة برادفورد البريطانية، أجهزة رامان محمولة وأخرى مختبرية، واختبروا العبوات البلاستيكية والزجاجية، المحتوية على كوكايين سائل، وتمكنوا من التعرف عليه من خلال بصمته الطيفية.

ومن الأدوات الأخرى التي اختبرها العلم هي “مطيافية الأشعة تحت الحمراء القريبة بتحويل فورييه”، وهي تقنية تحليلية تستخدم الأشعة تحت الحمراء القريبة لفحص المادة والتعرف على تركيبها الكيميائي، وأحيانا تقدير تركيز مكوناتها.

ويرسل الجهاز في تلك التقنية ضوءا قريبا من نطاق الأشعة تحت الحمراء إلى العينة، لتمتص الجزيئات بعض الأطوال الموجية بدرجات مختلفة، بحسب الروابط الكيميائية الموجودة فيها، وينتج عن ذلك طيف ضوئي يحمل معلومات عن التركيب الكيميائي للمادة.

واستخدم الباحثون في دراسة نشرتها دورية “أناليتِكا كيميكا أكتا” (Analytica Chimica Acta)، هذه الأداة لفحص عينات كوكايين سائلة داخل عبوات بولي إيثيلين مغلقة، واستطاع الباحثون في مجموعة العينات التي تم اختبارها التمييز بين الكوكايين وبعض المواد المضافة إليه، كما أمكن استخدام البيانات لتقدير محتوى الكوكايين.

كيف يتم اكتشاف “التشريب “؟

ولا تختلف كثيرا طرق الكشف عن الكوكايين الذي تم تشريبه في مواد مثل الخشب والبلاستيك والفحم.

وبحسب ما نشره موقع صحيفة “آيرش تايمز” الأيرلندية، فإن القضية الأحدث التي استخدمت هذه الأداة بدأت بتحقيق أمني لجهاز الشرطة الأيرلندي، أدى إلى اكتشاف مختبر في منطقة “ميدلاندز” بوسط أيرلندا كان يستقبل ألواح خشب رقائقي مشبعة بالكوكايين، وكانت الألواح قد عولجت خارج أيرلندا، ثم أجريت داخل أيرلندا عملية استخلاص الكوكايين منها.

ولم يكن الكوكايين موضوعا داخل تجويف في الخشب، وإنما كان ممتصا داخل ألواح الخشب في صورة ما يسمى “الكوكايين المُموه” (Camouflage cocaine)، وبعد وصول الخشب إلى أيرلندا، كان يُطحن إلى نشارة، ثم تُجرى عليه معالجة كيميائية لاستخلاص الكوكايين وإعادته إلى صورة مسحوق.

ووثقت مواقع أيرلندية حالة أخرى عام 2021، عندما وصلت إلى ميناء دبلن شحنة من الفحم، حيث كان الكوكايين مدمجا داخل مصفوفة كيميائية من الفحم، بحيث بدا مثل الفحم العادي.

ومثلما حدث في حالة “الشامبو” في إسبانيا، استخدمت سلطات الجمارك المسح بالأشعة السينية لاكتشاف وجود شذوذ في بعض الأكياس، ثم أرسلت العينات إلى “مؤسسة العلوم الجنائية الأيرلندية” للتأكيد الكيميائي باستخدام التحليل بالكروماتوغرافيا الغازية ومطيافية الكتلة.

وفي هذه الطريقة تدخل العينة إلى جهاز الكروماتوغرافيا الغازية، حيث تتحول المواد المناسبة للتحليل إلى بخار، ثم يدفعها غاز خامل داخل أنبوب طويل يسمى العمود.

ولا تتحرك المواد داخل العمود بالسرعة نفسها، فكل مادة تتفاعل بدرجة مختلفة مع جدار العمود، ولذلك تخرج واحدة تلو الأخرى وفي أوقات مختلفة.

وعندما تخرج كل مادة من العمود، تدخل إلى مطياف الكتلة، وهناك تُحوَّل جزيئاتها إلى أيونات، ثم تُقاس الأيونات وفق نسبة الكتلة إلى الشحنة، والنتيجة تكون نمطا من الإشارات يسمى الطيف الكتلي، ويمكن التعامل معه كبصمة كيميائية للمادة ومقارنته بأطياف مواد معروفة في قواعد البيانات.

الكوكايين المتنكر داخل البلاستيك

وشهدت دولة سلوفينيا قصة أخرى من قصص تشريب الكوكايين السائل، داخل “بولي ميثيل ميثاكريلات”، وهي مادة بلاستيكية شفافة صلبة تُعرف تجاريا باسم “بليكسي غلاس”.

وبدأت القضية التي تحولت تفاصيلها إلى دراسة علمية نشرتها دورية “فورينسيك ساينس إنترناشونال” (Forensic Science International) بعد ضبط مختبر سري مهجور اشتبه المحققون في استخدامه للتعامل مع الكوكايين، وخضعت المضبوطات لتحاليل جنائية متعددة للكشف عن طبيعتها وتركيبها.

وأظهرت التحاليل أن بعض القطع البلاستيكية المضبوطة كانت تحتوي على الكوكايين مذابا داخل مادة “بولي ميثيل ميثاكريلات”، ووصلت أعلى نسبة للكوكايين في إحدى العينات إلى نحو 15% من وزن المادة البلاستيكية، مما يعني أن المخدر لم يكن مجرد مادة ملتصقة بسطح البلاستيك، وإنما كان موجودا بداخله في صورة محلول صلب.

واعتمد الباحثون في الكشف عن الكوكايين داخل البلاستيك على مجموعة من التقنيات التحليلية، وليس اختبارا واحدا، للوصول إلى الصورة الكاملة، حيث استخدموا “الكروماتوغرافيا الغازية، مطيافية الكتلة” للتعرف على المركبات الموجودة في العينات والآثار الدقيقة على الأدوات، إلى جانب “تقنية الاستخلاص الدقيق بالطور الصلب” و”تقنية التحليل الحراري” (البيروليز).

كما استخدموا مطيافية الأشعة تحت الحمراء بتحويل فورييه لتحديد المواد، والمجهر الإلكتروني الماسح مع كاشف الأشعة السينية المشتتة للطاقة لفحص تركيب العينات وعناصرها.

وعلى ذلك، فإن نجاح المهربين في إخفاء المخدر داخل البلاستيك أو أي مادة أخرى ليأخذ هيئة تبدو بعيدة تماما عن صورته المعروفة، لن يبعده عن عيون العلم، لأنه لا بد وأن يترك أثرا كيميائيا لا يختفي، ستستطيع الأدوات العلمية اكتشافه.

وكلما ابتكرت طرق التهريب قناعا جديدا، ستبحث الكيمياء عن طريقة لاكتشاف بصمة المخدر، لتظل القاعدة العلمية واحدة، وهي أنه يمكن للمخدر أن يغير شكله، لكنه لا يستطيع أن يمحو هويته الكيميائية بالكامل.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...