إعادة تعريف الوطنية السورية

 

 

 

 

محمد كريشان
 كاتب وإعلامي تونسي

 

 

من أبرز فظائع النظام المخلوع أنه «شوّه وخرّب المفهوم السامي للوطنية واستبدله بشعارات كاذبة وحقنه بمقولات ممجوجة ومقزّزة حتى حوّل الوطنية إلى مضمون مكروه وتهمة مخجلة، أو ربما صفة مضحكة. أما المواطنة فقد أصبحت تعبيرا مهجورا وممارسة غريبة ولا وجود لها. والمواطن جعله فردا أو مجرد رقم مأزوم مسحوق ومستعبد، أما الوطن فهو مزرعة خاصة لا أكثر».. هكذا كتب أنس الحراكي في صحيفة «نينار برس» السورية الأسبوعية في إطار ملف العدد بعنوان «الوطنية السورية ومرتكزاتها».
كان هذا الملف، الذي نشرته في أحد أعدادها الأخيرة هذه الصحيفة التي اقتنيتها في دمشق مؤخرا (ضمن تشكيلة من الصحف للوقوف على بعض المزاج السوري الحالي) على غاية من الأهمية وقد تضمّن مقالات عدة تحاول كل واحدة منها معالجة زاوية من الزوايا، دون تعريف بصفة أصحابها للقارئ. كان واضحا من خلال المقالات أنه ليس من السهل على السوريين أن يتجهوا إلى إعادة ترميم شخصيتهم ومقوماتها بعد ستة عقود من الاستبداد الدموي.
ومثلما كتب د. عصام شيخ الأرض في مقاله بعنوان «لا وطنية حقيقية دون دولة المواطنة والحريات»، فإنه «عندما يتعرض وطن ما لانهيار شامل، فإن الدمار لا يقتصر على المباني والطرقات والخدمات الأساسية فقط، لكنه ينفذ إلى أعمق نقاط النفس البشرية، متسببا تشويه الوعي الجمعي والروابط الإنسانية التي كانت تجمع الناس تحت مظلة واحدة». وأضاف أنه «في مجتمعات الأزمات كثيرا ما تفرّغ الوطنية من مضمونها لتتحوّل إما إلى شعارات حماسية تردّدها أجهزة الإعلام، وإما إلى استدعاء عاطفي لأمجاد ماض غابر ما عاد يسمن أو يغني من جوع. فالوطنية الحقيقية ليست إحساسا مجرّدا. هي تعاقد حي وعلاقة ثقة متبادلة بين المواطن ومؤسساته. وهذه العلاقة لا يمكن أن تقوم أو تستمر إلا على ركيزتين لا تنفصلان: دولة المواطنة وكفالة الحريات».
هذا البعد بالذات هو الذي ركّز عليه رئيس التحرير أسامة آغي في افتتاحيته حين اعتبر أن «سوريا الواحدة بحاجة إلى هوية وطنية سورية جامعة هي دولة المواطنة والعدالة والحريات المكفولة بالدستور والتي ركيزتها الأساس الإعلان العالمي لحقوق الانسان».

ومثلما ذكر مرعي الرمضان في مقاله بعنوان «من شرعية الإكراه إلى ميثاق الكرامة»، فإن سوريا بعد سقوط نظام الأسد «لا تواجه سؤال (من يحكم؟) فقط، وإنما السؤال الأعمق على أي عقد سيعيش السوريون معا؟» ذلك أن العقد الاجتماعي في سوريا الجديدة لا يستقيم «دون ثلاثة أركان: مواطنة متساوية، وعدالة في توزيع السلطة والثروة، ودولة تحتكر القوة في إطار القانون». وقصة المواطنة المتساوية في سوريا ليست بالمسألة الهيّنة في بلد متعدّد الأعراق والديانات والمذاهب، وهو ما تم استغلاله ليصبح عنصر تعفين لا إثراء للبلد. والسبب الحقيقي في هذا ما كتبه في هذا الملف، متسائلا ومجيبا في الوقت نفسه، الفيلسوف والكاتب أحمد البرقاوي فإن «الواقعة التي تدعو إلى الدهشة بأنه قد مضى زمن طويل على التعايش الهويّاتي في بلاد العرب من المحيط إلى الخليج. فما الذي أيقظ هذا الصراع في بعض أصقاع بلادنا؟ ما الذي أنتج العصبيات الدينية والطائفية والقومية في بلاد الشام والعراق؟ إنه غياب دولة الحق والمساواة والمواطنة».
وأخذا بعين الاعتبار هذه القضية بالغة الدلالة فإن «الاختبار الحقيقي للعقد الاجتماعي السوري الجديد (…) أن يصبح الوطن رابطة سياسية وقانونية وأخلاقية لا مجرد مساحة تتقاطع فيها الولاءات»، كما كتب خالد الحسين الذي اعتبر أن «الوطنية السورية لا تكتمل عندما تتعايش العصبيات وإنما عندما تتراجع الحاجة إليها في المجال السياسي. ولا تصبح الدولة دولة مواطنين إلا حين يشعر الفرد أن القانون أقوى من الجماعة وأن حقه لا يحتاج إلى سند عشائري أو طائفي وأن مستقبله السياسي لا تحدّده هويته الأولية». أما د. حسين مرهج العماش فكتب أنه «لن يكون لنا وطنية سورية حقا إلا إذا أنشأنا مجتمعا ديمقراطيا يشارك فيه الناس بحرية بصنع مستقبلهم. عندئذ يمكن البدء بتشكيل وطنية سورية بالاختيار الحر للأفراد دفاعا عن اختياراتهم وعن معتقداتهم. أما إذا انتظرنا السلطة حتى تخبرنا متى نكون وطنيين أم لا فهو استمرار للعبودية بأشكال ومسميات جديدة».
ومن هنا، رأى صفوان جمو أن «بناء سوريا الجديدة لا يتوقف على إعادة إعمار المدن والطرق والمؤسسات، بل يحتاج أيضا إلى إعادة بناء الذاكرة الوطنية». مؤكدا بالخصوص أن «الوطنية الحقيقية لا تعني أن يتخلى الكردي عن كرديته أو السرياني عن لغته أو العربي عن عروبته ولا أن يخفي المسلم، أو المسيحي، أو الدرزي، أو العلوي، خصوصيته، بل أن يشعر الجميع بأن هذه الخصوصيات يمكن أن تكون جزءا من الهوية السورية وليست بديلا عنها». وينهي بأن «الاختبار الحقيقي يبقى للسلطة الحالية: هل تستطيع الانتقال من خطاب الاعتراف بالتنوع إلى ممارسته في مؤسسات الدولة، والقانون والتعليم والإعلام؟ وهل تستطيع بناء دولة يكون فيها السوري شريكا في الوطن، لا تابعا للسلطة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة ستحدّد إلى حد كبير ما إذا كانت سوريا قادرة على بناء هوية وطنية جديدة تجمع أبناءها بدلا من أن تعيد إنتاج انقسامات الماضي؟». نتمنى أن ينجح العهد الجديد في سوريا في هذا الاختبار.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...
Global site tag (gtag.js) - Google Analytics