الانتخابات التشريعية بالمغرب 2026: إكراهات الداخل وتصريحات مغاربة العالم في قفص التحليل والمساءلة (الحلقة الرابعة.)
عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
في محطة سياسية مفصلية طبعت المشهد المؤسساتي المغربي لسنة 2026 أسدل الستار على فصول الاستحقاقات التشريعية التي أفرزت هندسة برلمانية مغايرة تماماً لسابقاتها معيدةً خلط الأوراق الحزبية تحت قبة مجلس النواب. فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة المشهد الانتخابي محرزاً سبعة وتسعين مقعداً بينما تراجع حزب التجمع الوطني للأحرار إلى المرتبة الثانية بستة وستين مقعداً في حين حافظ حزب الاستقلال على موقعه المتقدم بحلوله ثالثاً بخمسة وستين مقعداً مقابل عودة لافتة ومدروسة لحزب العدالة والتنمية الذي رفع تمثيليته إلى أربعة وخمسين مقعداً. هذه الأرقام لا تمثل مجرد تبدل في المقاعد بل تعكس تحولاً أعمق في المزاج الانتخابي العام ومؤشرات إعادة توزيع الثقة الشعبية مما يضع المشهد السياسي أمام مخاض حقيقي لتشكيل تحالفات حكومية محكومة بهاجس الاستقرار والفعالية في تدبير أوراش الدولة الاجتماعية. وإذا كانت الأرقام الرسمية لوزارة الداخلية قد وثقت نسبة مشاركة عامة توقفت عند حدود ثمانية وثلاثين بالمئة فإن القراءة الأكاديمية الرصينة تفرض تفكيك دلالات هذا الرقم بعيداً عن القراءات السطحية فالنسبة تعبر عن استمرار أزمة ثقة بنيوية بين أجزاء واسعة من الكتلة الناخبة والعمل الحزبي والمؤسساتي التقليدي. وقد تعزز هذا المعطى بفعل خيار المقاطعة الذي تبنته تيارات وازنة من اليسار الراديكالي وبعض فصائل الإسلام السياسي والتي اعتبرت أن المشاركة في ظل الشروط الراهنة لا تقدم بدائل حقيقية وفي المقابل شهدت الحملات الانتخابية هذه المرة تطوراً نوعياً تمثل في انحسار مظاهر الفلكلور الانتخابي الكلاسيكي ليطغى خطاب المعقول والجدية كشعار مركزي وإن ظلت التحديات التنموية والمجالية عائقاً أمام استقطاب الكتلة الناخبة الصامتة لا سيما الفئات الشبابية.
وقد حظيت المحطة الانتخابية المغربية بمتابعة دقيقة وواسعة النطاق من طرف دوائر القرار الإستراتيجي ووسائل الإعلام الدولية العربية والأوروبية باعتبار المغرب ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي وشريكاً محورياً في الضفة المتوسطية. وعلى المستوى الداخلي. وإذا كانت التقارير الرسمية لوزارة الداخلية قد أكدت مرور الاستحقاقات في ظروف عادية ومؤطرة بالشفافية القانونية فإن التقارير الميدانية والمواكبة الإعلامية رصدت بعض الخروقات والانحرافات المعزولة في بعض الدوائر الانتخابية مثل التشكيك في نزاهة بعض المساطر أو استخدام المال بشكل غير مشروع وهي تجاوزات رغم محدوديتها الكمية ظلت حاضرة بقوة في النقاش العمومي ومثلت مادة دسمة للمعارضة وللتحليل السياسي الرصين الذي يربط دائماً بين نزاهة الصندوق ومشروعية القرار الحكومي المنبثق عنه. وفي قلب هذا المشهد يبرز دور مغاربة العالم كرافد إستراتيجي لا غنى عنه في معادلة التنمية والديمقراطية بوطنهم الأم فلم تقتصر مشاركة الجالية في استحقاقات 2026 على آليات التصويت التقليدية عبر الوكالة أو تكبد عناء التنقل نحو أرض الوطن لإدلاء الأصوات بل تجلت في انعطافة كيفية غير مسبوقة تمثلت في الترشح المباشر ضمن لوائح مختلف الأحزاب السياسية إسلامية ويسارية وليبرالية مما يعكس رغبة حقيقية في الانتقال من موقع الداعم الاقتصادي والوجداني إلى موقع صانع القرار والتشريع.
وفي هذا السياق الاستقصائي وبصفتي صحفياً مهنياً من مغاربة العالم ومقيماً في إيطاليا اخترت أن أنزل إلى عمق النبض الجالي متواصلاً مع بعض الوجوه الفاعلة من أبناء الجالية المغربية عبر فضاءات متعددة من دول مختلفة لطرح أسئلة دقيقة وحصرية تعكس تعددية الرؤى وتكرس مبدأ الرأي والرأي الآخر بكل تجرد وموضوعية. والآن أترككم مع محاورات وتصريحات الضيوف الأفاضل حول هذه الاستحقاقات:
1. يوسف زاهرأستاذ وباحث بقضايا الهجرة والأسرة – إيطاليا.
السؤال: من خلال تواصلكم المستمر ولقاءاتكم الميدانية مع الشباب في المراكز الثقافية والمساجد بإيطاليا كيف تلمسون وعي وهواجس الجيل الناشئ تجاه الشأن السياسي والانتخابات التشريعية في الوطن الأم لسنة 2026 وما هي أبرز إشكالات العزوف أو الاهتمام التي ترصدونها بينهم؟ وباعتباركم باحثاً وداعياً يوجه خطابه للشباب والجالية كيف تقرؤون مخرجات هذه الاستحقاقات وخريطة التحالفات الجديدة وما هي رسالتكم لتفعيل دور الشباب المغاربة بالخارج ليكونوا فاعلين حقيقيين في التنمية الثقافية والروابط الروحية والوطنية مع المغرب؟
من خلال تواصلي المستمر مع الشباب المغربي في المراكز الثقافية والإسلامية والمساجد بإيطاليا، أعتقد أن علينا أولاً أن نميز بين عدم الاهتمام بالسياسة المغربية وبين عدم الاهتمام بالمغرب؛ فهما شيئان مختلفان تماماً.
الشاب المغربي الذي يعيش في إيطاليا يعيش واقعه اليومي هنا؛ فهو يدرس هنا، ويعمل هنا، ويؤسس أسرته هنا، ويتعامل يومياً مع المؤسسات والقوانين والمجتمع الإيطالي. لذلك من الطبيعي أن يكون اهتمامسي المباشر موجهاً بدرجة أكبر إلى القضايا التي يعيشها في إيطاليا، لأنها تمس حياته ومستقبله بشكل مباشر.
لكن هذا لا يعني أبداً أنه تنكر لوطنه الأم أو فقد اهتمامه بالشأن المغربي. ما زال هناك حضور قوي للمغرب في وعيه، خصوصاً من خلال العامل الثقافي والأسري والمرجعي والروحي، ومن خلال اللغة والذاكرة والعائلة والانتماء إلى الوطن الأم.
غير أن الإشكال يبدأ عندما يتعلق الأمر بالسياسة التقليدية وبالأحزاب والانتخابات في المغرب. فالكثير من الشباب، وخاصة الذين ولدوا أو نشؤوا في إيطاليا، تربوا داخل بيئة لمسوا فيها بشكل مباشر مفاهيم مثل الديمقراطية، والحرية، والشفافية، والمساءلة، وربط القرار العمومي بالمعطيات والدراسات والأرقام.
ولهذا، عندما ينظرون إلى المشهد السياسي المغربي، فإنهم لا ينظرون إليه فقط بعين الشاب المغربي، وإنما أيضاً بعين شاب عاش تجربة أوروبية مختلفة. فتظهر لديه أسئلة وانتظارات أكثر صرامة: أين هي البرامج المبنية على أرقام ودراسات؟ أين هي مؤشرات الإنجاز؟ كيف تتم محاسبة المسؤول؟ وما هي النتائج التي تحققت خلال الولاية الانتخابية السابقة؟
ويزداد هذا الإشكال عندما يرى الشاب مظاهر يعتبرها تبذيراً للمال العام، أو حالات مرتبطة بسوء استعمال السلطة أو الرشوة أو تضارب المصالح، ثم لا يلمس بالسرعة نفسها التي اعتاد عليها في السياق الأوروبي مظاهر واضحة من ربط المسؤولية بالمحاسبة.
هو يقارن، بطبيعة الحال، بين تجربتين مختلفتين. ففي إيطاليا وأوروبا عموماً، يلاحظ وجود آليات مؤسساتية وقضائية ورقابية لمساءلة المسؤولين، كما يلاحظ في بعض الحالات أن وزراء أو برلمانيين أو منتخبين يقدمون استقالاتهم بسبب أخطاء أو مخالفات أو شبهات تتعلق بتدبير المال العام أو تضارب المصالح، حتى قبل انتهاء المسار القضائي أحياناً، تبعاً للقواعد السياسية والأخلاقية المعمول بها في كل بلد، حتى لو تعلق الأمر ومخالفات بسيطة في حين يرى في بلده الأم فضائح سياسية ومالية يندى لها الجبين في غياب شبه تام لتفعيل آليات المحاسبة والمتابعة القضائية.
وهذا النوع من المقارنة يؤثر كثيراً في وعي الجيل الجديد. فهو لا يقارن فقط بين البرامج الانتخابية، وإنما يقارن أيضاً بين ثقافة المسؤولية السياسية وأخلاقيات ممارسة السلطة وآليات المراقبة والمحاسبة.
ومن هنا يمكن أن نفهم جزءاً من حالة الإحباط أو النفور التي نلمسها لدى بعض الشباب. فعندما يشعر بأن هناك فجوة بين ما تعلمه وعاشه في إيطاليا من قيم الشفافية والمساءلة، وبين الصورة التي تتكون لديه عن الممارسة السياسية في بلده الأم، فإن ذلك قد يتحول إلى عزوف عن متابعة السياسة المغربية أصلاً.
ويضاف إلى ذلك عامل أساسي يتعلق بمغاربة العالم: الشعور بأنهم مقصيون من المشاركة السياسية المباشرة في وطنهم الأم. فالشاب يعيش في إيطاليا، لكنه لا يشعر دائماً بأن هناك قناة انتخابية مباشرة وسهلة تمكنه من التأثير في القرار السياسي المغربي من مكان إقامته. وهذا الإحساس بالبعد عن العملية الانتخابية، إلى جانب ضعف التواصل السياسي معه خلال السنوات الفاصلة بين الانتخابات، يجعل الاهتمام بالشأن السياسي المغربي يتراجع أكثر.
ولهذا، فإنني لا أفسر هذا العزوف باعتباره تنكراً للوطن أو تخلياً عن الهوية. في كثير من الحالات، هو عزوف عن الممارسة السياسية كما تصل إليه، وليس عزوفاً عن المغرب.
وأعتقد أن الأحزاب السياسية نفسها مطالبة بأن تعيد التفكير في علاقتها بهذا الجيل. فالشباب المغربي في إيطاليا لا يريد أن يسمع فقط خطاباً عاطفياً عن الوطن، وإنما يريد أن يرى برامج قابلة للقياس، وأرقاماً وإحصائيات، ومؤشرات للإنجاز، وآليات للمحاسبة، وتواصلاً مستمراً وليس موسمياً.
كما أن من المهم أن يشعر بأن صوته ورأيه لهما قيمة، وأن علاقته بالوطن لا تنحصر في التحويلات المالية أو الزيارة الصيفية أو الخطاب الثقافي، وإنما يمكن أن تكون أيضاً علاقة مشاركة ومساهمة في صناعة التنمية والسياسات العمومية.
وهنا أرى أن دور المراكز الثقافية والإسلامية والجمعيات ليس أن توجه الشباب نحو حزب أو مرشح معين، وإنما أن تساعده على بناء وعي مدني وسياسي مستقل، وأن تعلمه كيف يقرأ البرنامج الانتخابي، وكيف يقارن بين الوعود والنتائج، وكيف يميز بين الخطاب السياسي والمعطى الموثق، وكيف يمارس حقه في الاختلاف والنقد والمسؤولية.
فالشباب المغربي في إيطاليا لا يحتاج إلى من يلقنه ماذا يختار؛ بل يحتاج إلى فضاء يساعده على أن يفهم، ويناقش، ويسأل، ثم يختار بوعي ومسؤولية وحرية من يمثله ويجد لذلك أثرا حقيقيا في صناديق الاقتراع.
أعتقد أن قراءة مخرجات انتخابات 2026 لا ينبغي أن تقتصر على عدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب، وإنما يجب أن ننظر إلى ما وراء الأرقام: الثقة في العملية الانتخابية، نسبة المشاركة، نوعية المرشحين، وقدرة الأحزاب على استعادة ثقة الشباب.
قبل الانتخابات، كان هناك تداول واسع بين الناس لأخبار وتوقعات حول الحزب الذي سييتصدر النتائج. فمجرد انتشارها بهذا الشكل يطرح إشكالاً كبيراً يتعلق بالثقة في عملية الاقتراع والانتخاب برمتها. فعندما يشعر المواطن بأن النتيجة معروفة مسبقاً، يمكن أن يسأل: ما جدوى التصويت؟ وما قيمة صوتي؟ وهذا الإحساس قد يكون أحد أسباب العزوف والنفور، خصوصاً لدى الشباب.
كما أن المخالفات والشكايات المرتبطة بالعملية الانتخابية، إضافة إلى قضايا الفساد واستغلال النفوذ، وبيع المخدرات وشراء الذمم.. التي ارتبطت ببعض المنتخبين، تطرح سؤالاً أساسياً حول مصداقية العمل السياسي ومعايير اختيار المرشحين. فالأحزاب مطالبة بأن تضع النزاهة والكفاءة والمسؤولية في مقدمة شروط الترشيح، لأن صورة المرشح تؤثر في صورة الحزب والمؤسسة المنتخبة والسياسة كلها.
أما التحالفات، فلا أعتقد أن المهم هو فقط معرفة من سيتحالف مع من، وإنما الأهم هو: ماذا ستفعل الحكومة المقبلة؟ وما هي الأولويات التي سيحتاج إليها المغرب خلال السنوات المقبلة؟ وهل الحكومة بنفس المكونات السابقة وإن تغيرت بعض الوجوه لها الكفاءة اللازمة بتدبير الشأن العام وتقليص الفوارق الاجتماعية وتنمية الاقتصاد الوطني؟
نحن بحاجة إلى الانتقال من حساب المقاعد إلى حساب النتائج: التعليم، الصحة، التشغيل، الاقتصاد، محاربة الفساد، الحكامة، جودة الإدارة، قضايا الأسرة والهوية والشباب، ومغاربة العالم.
كما ينبغي أن نطرح سؤالاً مؤسساتياً حول القواعد الانتخابية نفسها: هل الآليات الحالية تحقق أفضل تمثيلية وأفضل حكامة؟ وهل الأموال والموارد التي تصرف على الانتخابات تنتج في النهاية مؤسسات أكثر كفاءة وثقة ومردودية؟ أم أن كثير من المنتخبين ليست لهم الكفاءة اللازمة لتمثيلنا؟
أما رسالتي إلى الشباب المغربي في إيطاليا فهي ألا يتحول النقد إلى عزوف كامل. من حق الشباب أن ينتقد وأن يطرح أسئلة صعبة، لكن عليه أيضاً أن يحول النقد إلى معرفة ومشاركة في عملية الإصلاح ومبادرات بناءة ترتكز على: قراءة البرامج، متابعة السياسات العمومية، مناقشة الأرقام، المطالبة بالمحاسبة، والمساهمة في تقديم البدائل.
ومغاربة الخارج يمتلكون تجربة وخبرة يمكن أن تكون قيمة مضافة للمغرب في الثقافة والتعليم الاقتصاد والتكنولوجيا والعمل الجمعوي. لذلك ينبغي الانتقال من مفهوم الجالية التي تتابع المغرب من بعيد إلى جالية تشارك في التنمية وصناعة المستقبل، وهذا يحتاج الى قرار سياسي شجاع.
وفي النهاية، الديمقراطية ليست فقط يوم الاقتراع، وإنما هي أيضاً الشفافية، والمساءلة، والكفاءة، واحترام القانون، والنقد المسؤول، والمشاركة المستمرة. وإذا أردنا أن يستعيد الشباب ثقته في السياسة، فلا بد أن يشعر أن لصوته قيمة، وأن المسؤولية مرتبطة بالمحاسبة، وأن الكفاءة والنزاهة لهما مكان حقيقي في الحياة العامة.
2. الأستاذ محمد بحسي إعلامي مقيم ببلجيكا.
السؤال: بصفتكم إعلامياً تتابعون الشأن المغربي من نافذة بلجيكا كيف تقيّمون أداء وسائل الإعلام الدولية والعربية في مواكبة انتخابات 2026 وهل نجحت الصحافة في نقل الصورة الحقيقية للمشهد بكل تعقيداته؟
بصفتي إعلامياً مغربياً مقيماً في بلجيكا، هذا الموقع يتيح لي ملاحظة اختلافات واضحة في زوايا التغطية ومدى العمق بين وسائل الإعلام الدولية والعربية، رغم أنني أكاد أجزم أن أياً منهما لم ينجح تماماً في نقل الصورة الحقيقية للمشهد بكل تعقيداته.
فقد أظهرت وسائل الإعلام الدولية كفاءة عالية في نقل البيانات الفورية، إذ نشرت النتائج الأولية بدقة: 97 مقعداً لحزب الأصالة والمعاصرة، و54 مقعداً لحزب العدالة والتنمية، وانخفاض مقاعد التجمع الوطني للأحرار، مع الإشارة إلى أن نسبة المشاركة لم تتجاوز 38%، وهي الأدنى منذ 2007.
غير أن هذه التغطية غالباً ما تقع في فخ “الاختزال الجيوسياسي”، إذ تدرج الانتخابات ضمن إطار العلاقات المغربية الأوروبية أو الاستقرار الإقليمي، وتصف بنية السلطة بأنها “ملكية دستورية بسلطات واسعة للملك”، متجاهلة المنطق المعقد لتوزيع السلطة داخل الأحزاب والشبكات الاجتماعية المحلية.
أما وسائل الإعلام العربية، وخاصة الجزيرة، فلديها استثمار أكبر في التغطية، لكن مشاكلها واضحة أيضاً.
ففي يوم الانتخابات، نشرت الجزيرة خريطة للمغرب بخط فاصل للصحراء المغربية، مما أثار ردود فعل غاضبة واسعة، واعتبره كثيرون استفزازاً متعمداً لقضية السيادة الوطنية، وحوّل النقاش العام بعيداً عن الانتخابات إلى صراع على القضايا الحساسة.
كما استغل الإعلام الجزائري الانتخابات التي وصفها بـ “مسرحية انتخابية سيئة الإخراج”، وربطها بانتهاكات حقوق الإنسان للدعاية لخرافة الحكم الذاتي وتلميع صورة العسكر، مما يؤكد أن وسائل الإعلام العربية نادراً ما تتحدث بصوت واحد حول القضايا المغربية الحساسة.
في المقابل، تغطي وسائل الإعلام الرسمية المغربية الجداول الزمنية والبيانات القانونية بشكل شامل، لكنها تميل بطبيعة الحال نحو إبراز الاستقرار الإجرائي بدلاً من النقد المتعمق.
وهكذا، تبدو الصورة الأكثر جوهرية “المفقودة” في كل هذه التغطيات هي الأسباب الهيكلية لانخفاض المشاركة، وشعور اللامبالاة العميق لدى الناخبين الشباب.
فالمشاركة المنخفضة للشباب من 18 إلى 24 عاماً ليست مجرد “إرهاق انتخابي”، بل انعكاس مباشر لاستمرار ارتفاع البطالة، وتدهور الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة، وعدم الثقة في قدرة النظام الحزبي على إحداث تغيير حقيقي.
لذلك نجدد النداء إلى خلق صحافة لا تكتفي ببث الأرقام، بل تغوص في الأحياء وتستمع إلى أصوات هؤلاء الأشخاص الذين اختاروا عدم التصويض، لفهم ممارساتهم اليومية وتوقعاتهم.
فقط من خلال تقديم هذه السياقات الغنية يمكن للجمهور الخارجي أن يفهم أن انتخابات 2026 في المغرب ليست مجرد لعبة مقاعد في البرلمان، بل انعكاس حقيقي للتحولات العميقة التي يمر بها المجتمع المغربي.
وخلاصة القول: وسائل الإعلام الدولية والعربية تعمل كل بمنطقها الخاص، وقدمت تقارير “وظيفية” عن الانتخابات، لكن نادراً ما نجحت في تقديم صورة كاملة ودقيقة.
هناك فجوة عميقة بين “التغطية” و”الفهم”، وآمل بصفتي إعلامياً أن تكون التغطيات المستقبلية أقل حكماً مسبقاً، وأكثر احتراماً لسياق المغرب، وأقرب إلى الحياة اليومية والنبض الفكري للمواطنين المغاربة..
3. الأستاذة فاطمة خلوق مترجمة محلفة فاعلة جمعوية ومستثمرة – إيطاليا.
السؤال: بصفتكن امرأة فاعلة مستثمرة ومترجمة محلفة عايشت بيئات متعددة كيف تقيمين حضور المرأة في هذه الاستحقاقات وهل ترين أن الخريطة البرلمانية المفرزة قادرة على جذب الاستثمارات وتحسين مناخ الاقتصادي المغربي؟
أنا فخورة كمغربية تعيش و تلاحظ مند عقود التطور السريع الدي تعيشه المرأة المغربية و التي تقدمت كثيرا عبر الزمن في عملها و أنشطتها و ولوجها المجال السياسي, لكن رغم حضورها اللافت في هده الانتخابات لازال دورها و تمركزها غير كاف ليترجم قدرتها الهائلة و دورها في مراكز القرار, كما رأينا في هده الاستحقاقات المطالب كانت أغلبها اجتماعية, تحسين الوضع الاجتماعي للفئات الهشة, العمل للشباب الصحة و التعليم, و نعرف و الحمد لله أن وطننا يزخر بكفاءات ناعمة تفوقت أحيانا على الرجال, لا ننسى أن المرأة بطبيعة تكوينها أقرب للاستماع و التجاوب مع الاخرين و ربما ما تزال الرؤية الاجتماعية تفرمل مسارها السياسي, و أعرف أن شاباتنا واعيات بالقدرة و القوة و تكافؤ الفرص التي يملكن كي يكن في أعلى المراكز السياسة و يساهمن في بناء المغرب و لم لا في قيادة الحكومة المقبلة.
نعم أرى أننا كبلد صاعد نوجد في وضع أكثر من مريح لجدب الاستثمارات و كل هدا مرتبط أيضا بالتحالف الحكومي المقبل, لا ننسى من هي الأحزاب المتصدرة للانتخابات, أظن اننا نريد جميعا مغربا قويا, مغربا يبني و يتفوق و المغاربة باختيارهم من سيقودهم عبروا عن ثقتهم فيها, و أنا متأكدة ان انفتاح المغرب و السياسة الرشيدة لصاحب الجلالة نصره الله و أيده وضعت المغرب في الطريق الصحيح لجدب الاستثمارات و الانفتاح على الاقتصاد العالمي و تحسين المناخ في هدا الصدد بالمغرب بل إن تعليماته نصره الله و أيده استباقية و المغرب بقيادته في طريقه الصحيح لولوج مراكز أقوى و اعلى اجتماعيا و اقتصاديا.
4-السيد عبد الله الخزراجي مدير المهرجان المغربي الإيطالي فاعل جمعوي وحقوقي – إيطاليا:
سؤال : بخبرتكم الطويلة في إدارة المهرجانات الكبرى والعمل الحقوقي كيف تنظرون إلى مشاركة مغاربة العالم ترشيحاً وتصويتاً في هذه المحطة وهل ترقى إلى مستوى الثقل الديموغرافي والاقتصادي للجالية؟
ومن موقعكم الميداني والحقوقي بإيطاليا كيف تقيمون مدى التفاعل المؤسساتي الرسمي مع مطالب مغاربة العالم وهل ترون أن التعديلات والقوانين الراهنة كفيلة بجعل الجالية شريكاً حقيقياً في رسم السياسات العمومية للبلاد أم أن هناك فجوة ما زالت بحاجة إلى ردم؟
كانت مشاركة مغاربة العالم في الاستحقاقات الأخيرة هزيلة جداً، بل تكاد تكون منعدمة. وفي تقديري، لا يمكن تفسير هذا الضعف بعدم اهتمام الجالية بالشأن العام المغربي فقط، بل يجب أيضاً النظر إلى الطريقة المعقدة التي أُتيحت لهم للمشاركة.
فالمواطن المغربي المقيم بالخارج يجد نفسه أمام مسطرة تتطلب منه التنقل إلى المصالح القنصلية من أجل القيام بالإجراءات المطلوبة، وهو ما قد يعني ضياع يوم عمل، وتحمل مصاريف التنقل، فضلاً عن الانتظار بسبب الضغط الذي تعرفه بعض القنصليات. وبعد ذلك تبقى المشاركة مرتبطة بإجراءات أخرى، من بينها توكيل شخص ينوب عنه في المغرب.
في عصر الرقمنة، من المشروع أن نطرح السؤال: لماذا لا يتم تطوير آلية إلكترونية آمنة تتيح لمغاربة العالم المشاركة عن بُعد، بعد التحقق الصارم من الهوية، مثلاً باستعمال معطيات البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية ووسائل تحقق إضافية تضمن سرية الاقتراع ونزاهته؟
المسألة، في نظري، أعمق من طريقة التصويت وحدها.
فمغاربة العالم ما زالوا بعيدين عن المشاركة السياسية الفعلية والمؤثرة. والدستور المغربي لسنة 2011 نص في الفصل 17 على تمتع المغاربة المقيمين بالخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها الحقوق الانتخابية. كما أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي نفسه تناول مسألة التمثيلية والمشاركة السياسية لمغاربة العالم، وأشار إلى ضرورة النظر إليها في إطار شامل يتجاوز مجرد التصويت إلى المشاركة في الحياة العامة والمؤسسات.
لكن بعد مرور سنوات على دستور 2011، يبقى السؤال مطروحاً حول المسافة بين النص الدستوري والتنزيل الفعلي لهذه الحقوق.
هناك اليوم كفاءات مغربية كبيرة في الخارج، في الجامعات والاقتصاد والطب والقانون والثقافة والمجتمع المدني ومجالات أخرى. هذه الطاقات يمكن أن تشكل قيمة مضافة حقيقية للمغرب، ليس فقط من خلال الاستثمار أو تحويل الأموال أو الدفاع عن صورة الوطن في الخارج، وإنما كذلك من خلال المساهمة في التفكير وصناعة القرار والحياة السياسية والمؤسساتية.
كما يجب أن نتحدث بصراحة عن مسؤولية الأحزاب السياسية. ففتح المجال أمام كفاءات مغاربة العالم لا ينبغي أن يكون موسمياً أو رمزياً، بل يجب أن يتحول إلى ممارسة سياسية حقيقية تقوم على الكفاءة والاستحقاق وتكافؤ الفرص.
وفي الوقت نفسه، علينا نحن مغاربة العالم أن نتحمل جزءاً من المسؤولية. فضعف العمل الجمعوي الجاد والمنظم في عدد من بلدان الإقامة، والتشتت وغياب التنسيق والاستمرارية، كلها عوامل لا تساعد على بناء قوة اقتراحية قادرة على الدفاع عن تنزيل الحقوق الدستورية للجالية.
المطلوب إذن ليس امتيازات خاصة لمغاربة العالم، وإنما تفعيل المواطنة الكاملة التي أقرها الدستور، وفتح نقاش جدي حول آليات حديثة وآمنة للتصويت والمشاركة والتمثيل، والاستفادة من الكفاءات المغربية الموجودة في مختلف أنحاء العالم.
مغاربة العالم ليسوا فقط مواطنين يُطلب منهم الاستثمار وتحويل الأموال وخدمة صورة المغرب في الخارج. إنهم مواطنون كاملو الحقوق والواجبات، ومن حقهم أن يكون لهم صوت حقيقي في مستقبل وطنهم.
لقد حان الوقت للانتقال من الاعتراف النظري بمغاربة العالم إلى المشاركة الفعلية، ومن النصوص إلى التطبيق، ومن الحديث عن الكفاءات إلى إشراكها الحقيقي في البناء.





