سمر يزبك
كاتبة سورية.
كأي مجزرة طائفية! … كانوا عائدين من العمل حين أوقف مسلحون الباص عند جسر مصياف. طلبوا منهم هوياتهم، ابتسم القتلة ثم أطلقوا النار فتناثرت الدماء والأشلاء.
سيختلف السوريون كثيراً على هوية القتلة. بالتأكيد، ينبغي أن نعرفهم، ونعرف من أعانهم ومن سيحميهم من العقوبة. لكن النقاش يستطيع أن يمضي طويلاً قبل أن يبلغ الضحايا. وحين يبلغهم، ستبدأ الأسئلة عن استحقاقهم التعاطف، وعن تاريخ جماعتهم، وعن المعنى السياسي للحزن عليهم، وهل مجرّد إبداء الحزن عليهم هو علامة من علامات الانتماء للفلول وعلامة على الرغبة بعودة النظام!
سيجد الضحايا أنفسهم في محاكمة غير معنيّة أبداً بسؤال المجزرة. نعرف أنهم علويون. تمنح هذه الكلمة بعض الناس ثقة عجيبة بأنهم يعرفون حياة الضحايا، فيملؤون ما يجهلونه عنها بما يرغبون في تصديقه. يكفي أنهم علويون كي يتأكّد من علاقتهم بنظام الأسد، يكفي أنهم علويون كي يكونوا مؤيدين المجازر السابقة وحتى مشاركين فيها. ويصير الحديث عن الضحايا بوصفهم بشراً، لكل منهم حياته، تفصيلاً غير مهم يمكن تجاوزه عند تفسير الوضع السياسي ومستقبل البلاد والاستثمارات. حتى من يدافع عن حق هؤلاء المظلومين في الحياة قد يشعر بالحاجة إلى تقديم شهادة حسن سلوك لهم، وقد يجد بعضٌ دليلًا في فقرهم أو ربما إن وجد لهم أقارب محتملين عارضوا النظام السابق، كي يثبت أنه على حق في تعاطفه معهم. أشدّ الضحايا وحدةً في التاريخ البشري أولئك الذين ظن الناس أنهم يعرفونها. تتراكم حولهم أسباب جاهزة لفتور التعاطف، ويصبح على أهلهم أن يشقّوا طريقاً بين هذه الأسباب، ليقولوا إن إنساناً من بينهم قد قُتل. يحمل العلويون اليوم هذا العبء.
أستعيد سؤال بريمو ليفي: “إذا كان هذا إنساناً”. يمكن تحويره، في حديثنا السوري، إلى سؤالٍ نخجل من رؤيته مكتوباً: إذا كان هذا علويّاً، فهل ما زال إنساناً؟ يظهر السؤال في التردّد، وفي اشتراط التعاطف، في الاستدراك بكلمة “ولكن” بعد التعاطف وفي استدعاء مجازر قديمة عند سماع خبر المجازر الجديدة.
كتب ليفي عن تجريد الإنسان من اسمه وماضيه وخصوصيّته، حتى يغدو رقماً. وفي كتابته ما يدعونا إلى الانتباه للطريقة التي يصبح بها القتل ممكناً: تصغير صورة الإنسان في أعين الآخرين، وطمس تفاصيل حياته التي قد تردع شخصاً موتوراً عن قتله. عندها يستطيع هذا الشخص أن يطلق النار على أي واحد من هؤلاء، وحين يعود بعد ارتكاب الجريمة، يجد من يفهم فعلته ويمنحها مكاناً في رواية الانتقام.
هناك بالتأكيد من ضحايا الأسد من يطلب الانتقام. أعرف أن الحديث عن الحدود بين العدالة والانتقام من خارج التجربة قد يبدو سهلاً. الذاكرة تحمل وجوهاً وأصواتاً لا يملك صاحبها إبعادها متى شاء. وقد يكون من يرتكب جريمة جديدة قد فقد قريباً أو خرج من معتقل. هذا احتمال يساعدنا على التفكير في كيفية انتقال العنف بين البشر؛ لكنه لا يساعدنا على بناء وطن ولا يساعد الضحايا السابقين في الحصول على حقهم بالعدالة، يجب ألا يتحوّل الضحايا إلى قتلة! هنا يفيد تذكّر “المنطقة الرمادية” عند بريمو ليفي: ما تصنعه أنظمة العنف من علاقات متشابكة يحكمها الخوف والإكراه والمصلحة، وتتعقد فيها المسؤولية. يحتاج فهمها إلى جهد، وقد يزعج اطمئناننا إلى الأحكام السهلة. وتظل المحاسبة ممكنة وضرورية داخل هذا التعقيد. فهم الطريق الذي قاد إنساناً إلى الجريمة يزيد معرفتنا بدوافعه، وتبقى مسؤوليته عنها قائمة. هل تخشى أن تبرئ الأسد حين تدين قتل الأبرياء العلويين؟ أنت تبرّئه حين تتردّد. تُبقي منطقه صالحاً للاستعمال، وتسمح بأخذ الإنسان بجريرة المجرمين الذين ينتمون إلى الجماعة نفسها. تمنح الأسد سلطة على حياة السوريين حتى بعد سقوطه.
كيف يستطيع بلدٌ أن يبني مستقبلًا وأهله ينتظرون ما ستفعله هوياتهم بهم؟ كيف يعود الناس إلى أعمالهم، ويرسلون أبناءهم إلى المدرسة!
أريد أن أعود إلى الذين كانوا في الباص. أن أكتب أسماءهم، اسماً اسماً. أن يأخذ كل واحد منهم المساحة الإنسانية الطبيعية التي حرمه منها اختصاره في هوية مسبقة. نعم، قُتلوا لأنهم علويون، ولكل واحد حياة تخصّه، واسم يعرف أهله كيف ينادونه، اسم له نبرته المميزة في أصوات أهله.
أيمن نجم عفارة. أحمد حمّاد. نور ناصر. مجد نظامي. حسن معماري. سليمان أمير القاسم. ميمون أمير القاسم. إبراهيم غسّان إبراهيم.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





