من يملك أصوات المدن؟

 

 

 

عائشة بلحاج
صحافية وشاعرة مغربية.

 

 

كيف نُصغي إلى المكان؟ وكيف يمنح المكان الصّوت بعداً آخر؟ يفتتح الملحن اللبناني طارق عطوي الأسبوع المقبل معرضاً فريداً، يجمع الصوت والمكان، في قاعة Turbine Hall بلندن، وهي قاعة صناعية ضخمة لها صدى يمنح الصوت ارتدادات تُوسّع أبعاده، ليحمل شيئاً من المكان، فلا صوت يخلو من المكان؛ البيوت والشوارع والساحات والملاعب. وهذه الأمكنة كلها تحدد كيف يصل الصوت، وكيف يرتد، وكيف يُسمع. وهكذا يصنع المكان صوته الخاص.

يحفظ الصوت ذاكرة المدن، أيضاً، فنتذكّرها بأصواتها، مثلما نتذكّرها بصورها. بيروت تحضر بأبنيتها وإطلالتها البحرية، وبأصوات الشوارع والمآذن والمولدات، وأصوات الطائرات والانفجارات والمسيّرات التي صارت جزءاً من حياة البيروتيين. تُضخّم البنية العمرانية للمدينة صوت القصف وتُوجّهه، فيستمر أثره النفسي على الناجين، بمن فيهم الذين لم يكونوا أهدافاً مباشرة. ولا يكتفي الصوت بأن يكون ذاكرة للمكان، بل يمكن أن يكون ذاكرة للحدث.

قبل سنوات، وبعد جريمة قتل شابة، ظهرت الأم تصرخ ملتاعة في مقطع فيديو “رجعولي بنتي.. رجعولي بنتي”. منتجتُ الصوت لمادة صحافية مسموعة، ما يعني أنني سمعته مرات كثيرة. المشاعر المرعبة في صوتها جعلته من الأصوات التي لا تغادر ذاكرتي، وربما لن تفعل يوماً. صوت لا مثيل له، صنعته المأساة ويتعمق صداه عند سامعه بأثره عليه. ولعلّه يحفر أثره في ذاكرة الأمهات اللواتي يسمعنه أكثر من غيرهن، فيصبح شاهداً على بشاعة الجريمة، وكابوساً يضغط على قلوبهن.

وبينما يختبر طارق عطوي كيف نُصغي إلى العالم، جعل مواطنه لورنس أبو حمدان الإنصاتَ للصوت وسيلة للتحقيق في الجرائم في عمله (Earshot)، حيث استُخدم التحليل الصوتي لتمييز صوت الرصاص الحي من الرصاص المطاطي، في مقتل طفلين فلسطينيين عام 2014. ففي غزة قد يتحول صوت طلقة أو طائرة مسيّرة أو المسافة بين صوتين إلى قرينة، بينما في المدن التي لا تعيش على إيقاع الحروب، تكشف أصوات الأسواق والعبادات والاحتجاجات ومشاريع البناء والهدم خريطة تقاسم الناس للمكان.

ولم يعد الصوت مجرد أثر جانبي لحدث ما، بل يتحول في بعض الحالات إلى أداة توثيق له. ففي تحقيق حديث حول مقتل عمال إغاثة في تل السلطان عام 2025، جمعت مؤسستا Forensic Architecture وEarshot بين التسجيلات الصوتية والنمذجة المكانية ثلاثية الأبعاد وشهادات الناجين، لتحديد مواقع إطلاق النار ومدّته ومصادره. فيلتقي الصوت بالمكان، بوصفهما أداتين لإعادة بناء حدثٍ لا تكفي صورته لوصفه.

في سجن صدنايا، عمل لورنس أبو حمدان مع ناجين على استعادة الأحداث من خلال الذاكرة الصوتية؛ لأن المعتقلين تعلموا في الظلام إدراك ما حولهم من خلال الإنصات. الصوت ليس زينةً للعمارة؛ لأنه يصبح أحياناً وسيلتنا الوحيدة لإدراك الواقع. ماذا لو أنصتنا بالطريقة نفسها لمدن أخرى؟ ماذا ستُخبرنا هذه الأمكنة لو لم نكتف بالنظر إليها؟ فإذا كانت العمارة تحفظ آثار ما وقع فيها، فإن الصوت يحفظ ما لا تراه العمارة.

في المدن العربية خارج منطقة الحروب، ننتبه إلى الأسواق الأسبوعية والشعبية الضاجّة بأصوات الباعة والمشترين، وهي أماكن تُسمع أصواتها من بعيد، قبل أن تصل إليها، ويُدرك وجودها قبل رؤيتها. هذه الأسواق ببعض نُسخها الأوروبية هادئة بشكل يجعلها محايدة في المكان. في فرنسا مثلاً قد ينعقد السوق الأسبوعي في فترة الصباح، وعند الظهر يختفي، لكن فقط عندما تصل إلى الخيام المؤقتة، تعرف أن في الحي سوقاً، أما خارجه فلا وجود له.

السوق نموذج مصغّر لأصوات المكان، فهو إلى جانب أنه مرآة اجتماعية، قد يصبح سلطة وعنفاً في مدن المنطقة، فتحضر المدينة هنا بوصفها مجالاً سياسياً، لا مجرد فضاء معماري. وقد تكون ساحات الأسواق أماكن لتجمع الاحتجاجات، كما قد تكون المساجد نقاط انطلاق، باعتبارها أماكن للتجمع. لكن المدينة لا تملك وحدها مفتاح المجال الصوتي. فإلى جانب أصوات المكان الداخلية، الأذان، الخُطب، المظاهرات، مكبرات الصوت، هناك أصوات خارجية تقتحمه: المسيّرات، القنابل الصوتية، صافرات الإنذار، القصف. وبدلاً من أن ننظر إلى المكان في صورته، نستمع إلى صوته، فمدى الصوت أبعد من مدى الصورة.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا

شاهد أيضا