تطبيع أو لا تطبيع: من “سيت” إلى متحف الكلمة

 

 

 

 

 

عائشة بلحاج
صحافية وشاعرة مغربية.

 

فُتح في الأسبوعين الماضيين نقاش التطبيع الثقافي مرّة أخرى، وكان الرّوائي المصري طارق إمام في واجهة النقاش من جديد، لأنّ الموضوع سبق أن فُتح قبل أربع سنوات، وربّما سيفتح مرّات أخرى. فمثل هذه “الشُّبهات” قابلة لتأويلات متعدّدة وللاستغلال، فصلاحيتها لا تنتهي. لعلّ دواعي فتح الملفّ غير موضوعية، لكن موضوع التطبيع فيه كثير ممّا يُقال،

خصوصاً أنّ هناك فيديو يوثّق الحضور المشترك لكاتبين، عربي وإسرائيلي. يمكن أن يكون طارق بالفعل غير مطّلع على هُويّة الجالس في جانبه، هذا احتمال لا يمكن استبعاده، على الرغم من أنّه قد يكون اقتناع بعضهم به صعب، لكن لا يمكن أن يُحاسب الناس على ما في أنفسهم. وبالتالي ليس الموضوع محسوماً، طالما أنّ الطرف المعني يُنكر معرفته بهُويّة الإسرائيلي.

في إطار العلم أو عدم العلم، لنتناول أحد أهمّ الملتقيات الأدبية التي تعرف مشاركة أدباء عرب وإسرائيليين، وهو مهرجان سيت الشعري الفرنسي. ومن خلال بحث سريع، يتبيّن لنا أنّ هناك أربعة شعراء إسرائيليين شاركوا في خمس دورات منذ 2010، وهم أمير أور عام 2012، وروي شيخي أراد عام 2014، ولالي تسيبي ميخائيلي التي شاركت في دورتَي 2017 و2025، ومايا وينبرغ في دورة 2026.

يمكن العودة إلى برامج تلك الدورات للبحث عن الشعراء العرب المشاركين، وهم من دول عديدة، تبدأ من المغرب ولا تنتهي عند فلسطين نفسها. صحيح أن ليس هناك ما يُثبت أنّهم وقفوا معهم في فعّالية واحدة، لكن إذا كان التطبيع هو مطلق المشاركة في تظاهرة أدبية إلى جانب إسرائيليين، فهو كذلك، وإذا كان القصد الوقوف على منصّة مع العلم بجنسية هؤلاء، فتلك مسألة أخرى قد يراها بعضهم تفصيلية. فطالما شارك المرء في التظاهرة مع العلم بوجود إسرائيليين، فقد يُنظر إلى ذلك تطبيعاً، كما فعل فنّانون عالميون كثر خلال الإبادة.

في الدورة الحالية من “سيت” تشارك الإسرائيلية مايا وينبرغ بنصّ تنتقد فيه حكومتها. وإذا كان الشعراء العرب قد شاركوا في المهرجان، بناءً على مواقفها، فهل يعني هذا أنّ المشاركة إلى جانب إسرائيلي ليست هي التهمة، بل فقط الإسرائيلي الصهيوني؟ هناك وجهة نظر أخرى، لها مؤيّدون، بشأن المشاركة في تظاهرات عالمية فيها صهاينة، ترى أنّه إذا تُركت المنابر لهم، فهذا يعني أن روايتهم الأحداث ستنتصر، وسيسمع الجمهور والقرّاء نسخة القاتل الذي يلبس ثوب ضحية، وهو انتصار رمزي ضخم. فموقف العالم من الإبادة اصطدمت فيه ذاكرة ممتدّة من ترويج صورة الضحية مع واقع إجرامي، لكنّها وجهة نظر، على ما فيها من وجاهة، فإنّها أيضاً تلمس خطّاً حسّاساً. وفي ما يتعلّق بجائزة متحف الكلمة، أيّ مرشّح لها حين يدخل إلى الموقع سيُدرك أنّ هناك فئة للغة العبرية، فبديهي أن تكون هناك مشاركة إسرائيلية، ويمكن بنسبة ضئيلة أن يجهل المرء مع ذلك هذه الحقيقة.

ربّما ما يُؤخذ على أيّ كاتب عربي في مثل هذه المناسبات هو السؤال، فهذه معركة وجودية بالنسبة إلى الإسرائيلي: أن يحضر ويروي للعالم بكائيته حتّى لا يُنسى. ولهذا يجب أن تكون معركة وجودية لكلّ إنسان، وليس للعرب فقط. وهذا ما رأيناه في مواقف عالمية خلال الإبادة وبعدها، من مقاطعة كلّ نشاط تشارك فيه إسرائيل أو حتّى من جهة تموّلها جهة أخرى داعمة إسرائيل… إلى هذه الدرجة وصلت الأمور. لذا، لم يعد “عدم العلم” عذراً كافياً. ولكن هل يعني هذا الانسحاب من كلّ نشاط ثقافي يشارك فيه إسرائيليون؟ لنأخذ نماذج معارض الكتب التي ألغت مشاركات عربية واستبعدتها بضغط من اللوبي الصهيوني الذي رفض السماح للكتّاب الفلسطينيين بالمشاركة، على أساس رفض كلّ ما هو فلسطيني ووصمه بـ”الإرهابي”. ألا يعني هذا أنّ علينا التعبير عن الموقف نفسه؟

في نسخة 2017 من مهرجان إدنبرة الدولي للكتاب، شارك مريد البرغوثي وأهداف سويف ضمن فعّاليات منفصلة في الدورة نفسها، مع الكاتب الإسرائيلي ديفيد غروسمان، لكنّ مشاركتهما كانت عن القضية الفلسطينية وأدب المنفى والترجمة… فهل يُعدّ ذلك تطبيعاً أم لا؟ هي خطوط تماس حادّة، وتحتاج مواقف واعية.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...